الفصائل العراقيّة بين الاندماج والعزلة السّياسيّة

مدة القراءة 7 د

هل دخل العراق فعليّاً مرحلة حصر السلاح بيد الدولة؟ هل تمثّل خطوات رئيس الوزراء عليّ الزيديّ بداية مسار طويل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفصائل المسلّحة أم يبقى مصير هذا المشروع مرتبطاً بنتائج التفاهمات الأميركيّة ـ الإيرانيّة الجارية؟

 

قرار حصريّة السلاح بيد الدولة وتفكيك الأجنحة العسكريّة للفصائل العراقيّة، الذي دعا الزيديّ إلى تطبيقه بصفته القائد العامّ للقوّات المسلّحة، لا يختلف من حيث المبدأ عن قرارات مماثلة صدرت عن رؤساء حكومات سابقين في بغداد. إلّا أنّ ما يميّز هذا القرار في هذه المرحلة هو أنّه جاء متأثّراً بالتطوّرات الإقليميّة التي أعقبت الحرب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة على إيران.

تنبع أهميّة القرار أيضاً من كونه يمسّ مصالح جميع الأطراف المنخرطة في هذه المواجهة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك دول الجوار العراقيّ العربيّة. غير أنّ جوهر أزمة سلاح الفصائل والميليشيات يبقى العنوان الأبرز للصراع الأميركيّ ـ الإيرانيّ على الساحة العراقيّة.

بين الضّغوط الأميركيّة والحسابات الإيرانيّة

تنظر واشنطن، التي تربطها بالعراق اتّفاقيّة تعاون استراتيجيّ وشبكة مصالح واسعة ومتشعّبة، إلى الفصائل المسلّحة وسلاحها باعتبارهما تهديداً مباشراً لمصالحها السياسيّة والاقتصاديّة والاستراتيجيّة. ويعود ذلك إلى طبيعة العلاقة التي تربط هذه الفصائل بإيران، من حيث الولاء والتبعيّة وتنفيذ الأجندات الأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة الإيرانيّة داخل العراق، بما يتعارض بوضوح مع المصالح الأميركيّة.

ترى أوساط سياسيّة عراقيّة أنّ فكّ الارتباط بين الأجنحة العسكريّة والأحزاب السياسيّة لا يعني بالضرورة حلّ هذه التشكيلات أو إخراج مقاتليها من الخدمة

إلى جانب ذلك، تستعدّ الولايات المتّحدة لتنفيذ اتّفاقيّة الخروج من العراق في أيلول 2026 وإنهاء مهمّة قوات التحالف الدوليّ لمحاربة تنظيم داعش. لذلك لا ترغب في ترك العراق ساحة مفتوحة للنفوذ الإيرانيّ، خصوصاً بعد الدور الذي لعبته بعض الفصائل في استهداف الشركات الأميركيّة العاملة، ولا سيما في قطاع النفط، وهو ما دفع عدداً منها إلى تقليص نشاطه أو الانسحاب نتيجة الاستهدافات الأمنيّة المتكرّرة. وتتّهم واشنطن هذه الفصائل بدعم إيران عسكريّاً والمشاركة في استهداف القوّات الأميركيّة في قواعد داخل إقليم كردستان وبعض دول الخليج العربيّة.

في المقابل، تنظر طهران إلى مشروع تفكيك الفصائل وتطبيق مبدأ حصريّة السلاح باعتباره استهدافاً مباشراً لنفوذها في العراق وضربةً لحلفائها يؤدّيان إلى إضعاف حضورهم داخل مؤسّسات القرار لمصلحة قوى تعتبرها أكثر قرباً من الإدارة الأميركيّة. لذلك تبدو إيران حريصة على إفراغ هذا المشروع من مضمونه أو على الأقلّ عرقلة تنفيذه عبر دعم القوى الحليفة الرافضة له.

أدركت قيادات “الإطار التنسيقيّ”، الذي يمثّل المظلّة السياسيّة لغالبيّة القوى الشيعيّة والفصائل المرتبطة بها، حجم الضغوط الأميركيّة والإصرار على دعم خيارات حكومة الزيديّ. وقد ظهر ذلك من خلال الرسائل التي نقلها المبعوث الأميركيّ إلى العراق وسوريا توم بارّاك خلال لقاءاته مع عدد من هذه القيادات، والتي تضمّنت تحذيرات من إمكان فرض إجراءات وعقوبات واسعة على شخصيّات وقطاعات عراقيّة مختلفة.

لذلك سارع “الإطار التنسيقيّ” إلى إعلان دعمه للإجراءات الحكوميّة، ولا سيما مشروع حصر السلاح وفكّ ارتباط هيئة الحشد الشعبيّ بالأطر الحزبيّة والاجتماعيّة للفصائل المسلّحة.

الفصائل بين التّسليم والمواجهة

يشكّل الدعم الذي أعلنه “الإطار التنسيقيّ” لخطوات الحكومة غطاءً سياسيّاً واضحاً لرئيس الوزراء في إدارة ملفّ السلاح والفصائل. إلّا أنّ ذلك لم يمنع استمرار الجدل في شأن جدّيّة تطبيق القرار وتوقيته، ولا سيما في ظلّ الإصرار الأميركيّ على اعتباره جزءاً من رؤية أوسع تتعلّق بمستقبل النفوذ الإيرانيّ في العراق.

 تنظر طهران إلى مشروع تفكيك الفصائل وتطبيق مبدأ حصريّة السلاح باعتباره استهدافاً مباشراً لنفوذها في العراق وضربةً لحلفائها

من هنا يربط كثيرون بين هذا الملفّ ومسار المفاوضات الأميركيّة ـ الإيرانيّة، وكذلك التفاهمات الإيرانيّة ـ الخليجيّة، باعتبار أنّ المآلات النهائيّة لهذه التفاهمات ستنعكس مباشرة على مستقبل الفصائل المسلّحة ودورها داخل العراق.

دفع هذا الواقع عدداً من الفصائل إلى التريّث في التعامل مع القرار. برز داخلَ هيئة الحشد الشعبيّ تباينٌ واضح بين فصائل أعلنت استعدادها لفكّ الارتباط بين أذرعها السياسيّة والعسكريّة وتسليم السلاح الثقيل والمتوسّط، وبين أخرى أعلنت رفضها القاطع لهذه الخطوات بحجّة استمرار الوجود الأميركيّ وقوّات التحالف الدوليّ على الأراضي العراقيّة.

العراق

في هذا السياق، اتّخذ كلّ من التيّار الصدريّ عبر “سرايا السلام”، و”كتائب الإمام عليّ” بقيادة شبل الزيدي، و”عصائب أهل الحقّ” بقيادة قيس الخزعلي، خطوات باتّجاه الفصل بين النشاطَين السياسيّ والعسكريّ. في المقابل، تمسّكت فصائل أخرى بموقفها الرافض، ومن بينها “كتائب سيّد الشهداء” بقيادة أبي آلاء الولائيّ، و”كتائب حزب الله” بقيادة أبي حسين الحميداوي، و”أنصار الله الأوفياء” بقيادة حيدر الغراوي.

بارّاك يرفض التّسوية

في الوقت نفسه، رفض بارّاك أيّ تسوية تسمح لقادة هذه الفصائل بالاحتفاظ بنفوذهم داخل المؤسّسات الرسميّة، خصوصاً أنّ عدداً منهم مدرج على لوائح العقوبات الأميركيّة وتُعرض مكافآت ماليّة مقابل معلومات تتعلّق بهم بسبب اتّهامات مرتبطة باستهداف المصالح والقوّات الأميركيّة.

على غرار ما قامت به “كتائب العتبات المقدّسة” بين عامَي 2019 و2020 عندما وضعت قرارها العسكريّ مباشرة بيد القائد العامّ للقوّات المسلّحة، تبدو خطوات بعض الفصائل اليوم جزءاً من عمليّة استباقيّة لترتيبات حكوميّة متوقّعة تهدف إلى دمج عناصرها داخل المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الرسميّة.

لذلك ترى أوساط سياسيّة عراقيّة أنّ فكّ الارتباط بين الأجنحة العسكريّة والأحزاب السياسيّة لا يعني بالضرورة حلّ هذه التشكيلات أو إخراج مقاتليها من الخدمة، بل يهدف إلى جعل الألوية المرتبطة بالفصائل خاضعة مباشرة لرئاسة هيئة الحشد الشعبي والقائد العامّ للقوّات المسلّحة، بما يحصر القرار العسكريّ بالمؤسّسة الرسميّة.

تستعدّ الولايات المتّحدة لتنفيذ اتّفاقيّة الخروج من العراق في أيلول 2026 وإنهاء مهمّة قوات التحالف الدوليّ لمحاربة تنظيم داعش

في المقابل، تعتقد بعض قيادات “الإطار التنسيقيّ” أنّ المرحلة الحاليّة تفرض تقديم تنازلات مرحليّة بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركيّة ـ الإيرانيّة، وكذلك نتائج اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركيّ ورئيس الوزراء العراقيّ في واشنطن خلال شهر تمّوز المقبل. وترى هذه القوى أنّ ما يجري حاليّاً قد يكون إعادة ترتيب مؤقّتة للتوازنات السياسيّة أكثر منه تحوّلاً نهائيّاً في بنية النظام السياسيّ والأمنيّ.

موجة إقالات وتعيينات

لا تقتصر هذه المقاربة على ملفّ السلاح والفصائل، بل تشمل أيضاً موجة الإقالات والتعيينات التي يجريها رئيس الوزراء في مواقع حسّاسة داخل الدولة، والتي طالت حتّى الآن نحو خمسين موقعاً من أصل مئة موقع مستهدَف بالتغيير.

تشير معلومات متداولة إلى أنّ هذه الخطوات تتمّ بتنسيق مع المبعوث الأميركيّ، في إطار مشروع أوسع لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة في العراق. ويُستدلّ على ذلك من خلال إقالة بعض المسؤولين الأمنيّين المرتبطين بعلاقات مباشرة مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، إلى جانب تغييرات أخرى ترتبط بملفّات فساد ماليّ وإداريّ واقتصاديّ.

إقرأ أيضاً: الزيديّ: ورقة للمساومة وتقطيع الوقت؟

بين الضغوط الأميركيّة والحسابات الإيرانيّة، وبين الفصائل التي اختارت الاندماج وتلك التي تفضّل المواجهة أو الانتظار، يبقى مستقبل مشروع حصريّة السلاح في العراق مرتبطاً بقدرة الدولة على فرض خياراتها، وبالاتّجاه الذي ستسلكه التفاهمات الإقليميّة والدوليّة خلال المرحلة المقبلة.

مواضيع ذات صلة

العرب يدفعون فاتورة الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ!

يعتقد الرئيس دونالد ترامب أنّ تدخّلاته في غزّة ولبنان وإيران هي من أكبر انتصاراته، لكنّ هناك تقارير تحذّر من أنّ هذا التدخّل سيكون المقتل السياسيّ…

مذكّرة التّفاهم: فرصة لـ”الحزب” أم لإسرائيل؟

طرأت متغيّرات كبيرة خلال أقلّ من أسبوع على المشهد بين أميركا وإيران، وبين “الحزب” والدولة اللبنانيّة. وقِّعت مذكّرة التفاهم بين واشنطن وطهران اللتين راحتا تتفاوضان…

أول قراءة سعودية في تعهدات مذكرة التفاهم

تؤكد مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية صحة وصف الدبلوماسيين الإيرانيين بأنهم مفاوضون من طراز استثنائي. فنحن أمام انتصار تفاوضي إيراني بامتياز، مقابل أكبر فشل في تاريخ…

الصّخب في سويسرا والدّفع في مصارف إيران

رافق الكثير من الصخب الإعلاميّ انطلاقة مفاوضات سويسرا بين أميركا وإيران، لا سيما من الجهة الإيرانيّة. من مظاهر الصخب الإيحاء بأنّ طهران فرضت عنوان لبنان…