بارّاك يرسم الطريق بين بغداد ودمشق

مدة القراءة 6 د

تتشكّل بين دمشق وبغداد علاقة جديدة تتجاوز استعادة الروابط الطبيعيّة بين بلدين جارين، بعد سنوات من الاضطراب وتداخل النفوذ الإيرانيّ. يتّجه التقارب الجاري نحو شراكة أمنيّة واقتصاديّة ترعاها الولايات المتّحدة، ويؤدّي المبعوث الأميركيّ توم بارّاك دوراً محوريّاً في هندسة مساراتها ونقلها من الاتّصالات المحدودة إلى تعاون مباشر بين مؤسّسات الدولتين.

 

يحمل جمع الملفّين السوريّ والعراقيّ في يد بارّاك دلالة سياسيّة واضحة، فواشنطن تنظر إلى البلدين بوصفهما جزءاً من ممرّ جغرافيّ وسياسيّ واحد يبدأ من العراق، ويعبر الأراضي السوريّة، ويصل إلى الساحل والحدود اللبنانيّة. وهو الطريق نفسه الذي استخدمته إيران والفصائل المرتبطة بها لنقل السلاح والمقاتلين وتوسيع نفوذها الإقليميّ.

يقوم المشروع الأميركيّ على إعادة تنظيم هذا الطريق، وتحويله من مساحة نفوذ تديرها شبكات عابرة للحدود إلى مسار للتعاون الأمنيّ والطاقة والتجارة بين بغداد ودمشق، من دون دفع العراق إلى قطيعة مع إيران أو جرّ سوريا إلى مواجهة عسكريّة خارج حدودها.

بارّاك يمهّد لزيارة دمشق

تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ المرتقبة لدمشق في صلب هذا التحوّل، ولا سيّما أنّها تجري بتنسيق أميركيّ. ليست الزيارة المنتظرة بروتوكوليّة فقط، بل يُفترض أن تنقل التفاهمات التي نوقشت برعاية واشنطن إلى علاقة حكوميّة مباشرة تشمل أمن الحدود والطاقة والتعاون الاستخباريّ والاستثمار.

يتيح هذا المسار للزيديّ إعادة إدارة الملفّ السوريّ إلى الحكومة العراقيّة، بعدما احتكرت فصائل مرتبطة بإيران، خلال سنوات الحرب السوريّة، جانباً من الحركة عبر الحدود، وأدارت شبكات لنقل السلاح والمقاتلين ومصالح اقتصاديّة موازية.

 بارّاك يراهن على مصالح متبادلة: العراق يحتاج إلى منفذ على البحر المتوسّط، وسوريا تحتاج إلى السوق العراقيّة والاستثمار

يستطيع الزيديّ تقديم التعاون مع دمشق إلى واشنطن بوصفه دليلاً على قدرة حكومته على حصر القرار الأمنيّ والخارجيّ بيد الدولة، وإلى الداخل العراقيّ باعتباره خطوة لحماية المصالح النفطيّة والاستثماريّة. ولا يستلزم ذلك قطع العلاقة مع إيران، بل الحدّ من قدرتها على استخدام الأراضي والمؤسّسات العراقيّة لخدمة نفوذها الإقليميّ.

مقام السّيّدة زينب

تحمل الزيارة المحتملة للزيديّ لمقام السيّدة زينب، جنوبيّ دمشق، دلالة تتجاوز بعدها الدينيّ، فهي تتيح له طمأنة الجمهور الشيعيّ العراقيّ إلى أنّ التعاون مع القيادة السوريّة لا يهدّد المقامات أو حركة الزوّار، وأنّ التواصل الرسميّ مع دمشق يستطيع حماية المصالح الدينيّة العراقيّة من دون وساطة الفصائل.

بارّاك

في المقابل، قدّمت إدارة الرئيس أحمد الشرع ضمانات لحماية المقام، وأحبطت محاولتين لتفجيره نُسبتا إلى تنظيم داعش. ويمنح ذلك دمشق فرصة لإثبات أنّ حماية المواقع الدينيّة مسؤوليّة الدولة وأجهزتها الأمنيّة، ويسحب من الفصائل إحدى أبرز الذرائع التي استخدمتها لتبرير وجودها العسكريّ في سوريا تحت عنوان “حماية المقدّسات”.

هكذا تنتقل العلاقة مع البيئة الشيعيّة العراقيّة من المجال الفصائليّ إلى المجال الحكوميّ، فتنظّم الدولتان حركة الزوّار، وتبحثان الهواجس الأمنيّة عبر القنوات الرسميّة بدلاً من غرف العمليّات التابعة للجماعات المسلّحة.

معلومة من داخل العراق؟

في هذا السياق، يصبح إعلان السلطات السوريّة ضبط شحنة أسلحة مخبّأة داخل صهريج آتٍ من جهة الحدود العراقيّة مؤشّراً إلى طبيعة التعاون الأمنيّ الجاري، فالعمليّة لا تخلو من إشارات إلى أنّ معلومة خرجت من داخل العراق ووصلت إلى الجانب السوريّ قبل عبور الشحنة أو أثناء تحرّكها، ولا سيما أنّ طبيعة الحمولة وطريقة إخفائها تجعل اكتشافها بالتفتيش الاعتياديّ أمراً مستبعداً.

تسعى المقاربة الأميركيّة، بذلك، إلى تقليص وظائف النفوذ الإيرانيّ تدريجاً

قالت دمشق إنّ الأسلحة كانت متّجهة إلى “الحزب” في لبنان، فيما سارعت السلطات العراقيّة إلى فتح تحقيق والتواصل مع الجانب السوريّ لمعرفة مصدرها والجهات التي تقف وراء تهريبها. وعلى الرغم من غياب إعلان رسميّ يؤكّد أنّ الضبط استند إلى معلومة استخباريّة عراقيّة، يفتح توقيته وطبيعته الباب أمام احتمال وجود تعاون أعمق بين أجهزة البلدين.

يبدو أنّ التنسيق بدأ يتجاوز ملاحقة تنظيم داعش وضبط عمليّات التسلّل ليشمل الشبكات التي استخدمت الأراضي العراقيّة والسوريّة لنقل السلاح إلى لبنان. وتسعى دمشق إلى إثبات قدرتها على ضبط حدودها واستعادة سيادتها، من دون التحوّل إلى طرف في حرب مباشرة ضدّ “الحزب”، فمنع التهريب واجب سياديّ، بينما تحمل المواجهة داخل لبنان مخاطر استنزاف الجيش وإحياء الانقسامات الداخليّة وفتح الباب أمام ردود إيرانيّة.

المصالح الاقتصاديّة تثبّت العلاقة

تقوم المقاربة الأميركيّة على منح التقارب قاعدة اقتصادية تجعل استمراره مصلحة مشتركة، وتأتي أوّلاً مشروعات نقل النفط العراقيّ إلى الساحل السوريّ وإعادة تأهيل ميناء بانياس والبنية التحتيّة المرتبطة به.

يحتاج العراق إلى منافذ تصدير بديلة تقلّل اعتماده على مضيق هرمز، بعدما أظهرت الحرب الإقليميّة هشاشة ارتباط اقتصاده بممرّ بحريّ واحد. وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى رسوم العبور والاستثمارات واستعادة موقعها ودورها في أن تكون ممرّاً نحو البحر المتوسّط.

يتطلّب تنفيذ هذه المشروعات طرقاً آمنة وحدوداً مستقرّة وسلطة حكوميّة قادرة على حماية المنشآت والعقود، فالشركات الأميركيّة والغربيّة لن تستثمر في خطوط تمرّ عبر مناطق تخضع لنفوذ جماعات مسلّحة أو شبكات تهريب، ولذلك يصبح التعاون الاستخباريّ وضبط الحدود شرطين لنجاح الشراكة الاقتصاديّة.

يحتاج العراق إلى منافذ تصدير بديلة تقلّل اعتماده على مضيق هرمز، بعدما أظهرت الحرب الإقليميّة هشاشة ارتباط اقتصاده بممرّ بحريّ واحد

تسعى المقاربة الأميركيّة، بذلك، إلى تقليص وظائف النفوذ الإيرانيّ تدريجاً: تدير الحكومتان أمن الحدود، وتحمي الدولة السوريّة المقامات، وتنظّم الاتّفاقات الرسميّة تصدير النفط، وتمرّ العلاقة السياسيّة عبر بغداد ودمشق بدلاً من الفصائل.

يبقى نجاح المشروع غير سهل، فإيران لن تتخلّى بسهولة عن طريق بنته على مدى عقود، والفصائل لن تقبل خسارة نفوذها الاقتصاديّ والأمنيّ من دون مقاومة. لكنّ بارّاك يراهن على مصالح متبادلة: العراق يحتاج إلى منفذ على البحر المتوسّط، وسوريا تحتاج إلى السوق العراقيّة والاستثمار، والدولتان تحتاجان إلى غطاء أميركيّ يفتح أمامهما أبواب التمويل والشراكات الدوليّة.

إقرأ أيضاً: مجلس الشّعب السوري: تنوّع مناطقيّ وإبعاد للإخوان

في جوهره، يدور الصراع حول الجهة التي ستدير الطريق السوريّ – العراقيّ: هل يبقى ممرّاً للنفوذ الإيرانيّ والفصائل أم يتحوّل إلى مساحة تعاون بين دولتين تحت رعاية أميركيّة؟

* كاتب سوريّ

لمتابعة الكاتب على X:

@ManhalBaresh

مواضيع ذات صلة

كيف لا نبدّد قمّة الفرصة التّاريخيّة؟

دخل الرئيس اللبنانيّ جوزف عون إلى البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تمّوز 2026 في لحظة شكّلت فرصة تاريخيّة للبنان. بعيداً عن النثر والشعر في…

الأردن أمام أخطر اختبار إقليمي: النّار أو الحياد!

شكّل وصول الضربات الإيرانيّة إلى الأراضي الأردنيّة ، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيّين، منعطفاً غير مسبوق في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران. لم…

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في…

السّعوديّة وتركيا وباكستان: نحو معادلة أمنيّة جديدة؟

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها. من هذا المنطلق تكتسب الحالة السعوديّة – التركيّة…