أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد سبق القصف تحرّك عسكريّ داخل المنطقة، وتمركز على تلّة المغر، ونصب خيام وحواجز، وتفتيش للسكّان، قبل أن يتطوّر الاحتكاك إلى إطلاق نار وقصف مدفعيّ وجوّيّ.
باتت عابدين نموذجاً لاختبار قدرة هذا الانتشار على الاستمرار وسط بيئة محليّة رافضة له، ومدى قدرة السكّان والسلطات السوريّة وقوّات الأمم المتّحدة على الحدّ من تمدّده. وتكشف الحادثة توجّهاً إسرائيليّاً إلى الاستفادة من المواقع التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، وربطها بشبكة من الطرق والتلال المشرفة على الجنوب السوريّ.
توغّل يسبق القصف
بحسب مركز “سجلّ”، المتخصّص في رصد العمليّات الإسرائيليّة في سوريا، تحرّكت أربع ناقلات جند إسرائيليّة مساء السابع والعشرين من حزيران من ثكنة الجزيرة قرب معرية”، وعبرت محيط عابدين باتّجاه “جملة”. ونفّذت القوّة عمليّات تفتيش قبل أن تنتقل إلى تلّة المغر، التي كانت تضمّ موقعاً عسكريّاً تابعاً لجيش النظام السابق”.
شهدت المنطقة خلال الليل إطلاق نار وقنابل مضيئّة وتحليقاً للطائرات المسيّرة، بالتزامن مع منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم. وفي صباح اليوم التالي، نصبت القوّات خياماً على التلّة، وأقامت نقاط تفتيش على الطرق بين جملة وصيصون، ثمّ دخلت عابدين وفتّشت عدداً من المارّة.
أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك
واجه السكّان التوغّل بإغلاق الطرق ورشق الآليّات بالحجارة، وردّ الجنود بإطلاق النار في الهواء. وفي المساء، تطوّرت الحادثة إلى مواجهة مسلّحة. ووفق رواية “سجلّ”، أطلق شبّان من المنطقة النار باتّجاه القوّة خلال انسحابها، فردّت إسرائيل بقذائف المدفعيّة والهاون ونيران مروحيّة، فغادرت أعداد كبيرة من السكّان القرية.
قدّمت إسرائيل رواية مختلفة قالت فيها إنّ إطلاق النار استهدف قوّاتها في موقع تلّ قدنة. لكنّ تسلسل الوقائع، بخلاف الرواية الإسرائيليّة، يوضح أنّ التصعيد جاء بعد ساعات من التوغّل وإقامة الحواجز، وليس نتيجة حادث منفصل وقع عند الحدود.
احتواء من دون مواجهة
تعاملت الحكومة السوريّة مع تداعيات العمليّة من دون الدخول في مواجهة عسكريّة مباشرة. وتولّت فرق الدفاع المدنيّ مساعدة النازحين وإجلاء بعض العائلات إلى بلدات مجاورة.
سياسيّاً، أدانت وزارة الخارجيّة التوغّلات والقصف، وعدّتهما انتهاكاً للسيادة السوريّة وخرقاً لاتّفاق فصل القوّات لعام 1974، ودعت الأمم المتّحدة والمجتمع الدوليّ إلى وقف الاعتداءات. ودخلت قوّات “أندوف” القرية بعد انتهاء التصعيد لمعاينة الوضع والتواصل مع السكّان.
يعكس هذا التعامل محدوديّة الخيارات المتاحة أمام دمشق، واعتمادها على معالجة التداعيات الإنسانيّة والمسار الدبلوماسيّ والأمميّ، في غياب وسيلة ميدانيّة تمنع تكرار التوغّلات.
تكتسب تلّة المغر أهمّيّتها من إشرافها على الطرق التي تربط عابدين بجملة وصيصون ومعرية، إضافة إلى أجزاء من حوض اليرموك والممرّات القريبة من وادي الرقاد والجولان المحتلّ. ويتيح موقعها مراقبة حركة المركبات والأفراد والطرق المؤدّية إلى القرى المحيطة.
لا تبدو قيمة التلّة مرتبطة بالاحتفاظ بها بصورة دائمة، بل بإبقاء إمكان استخدامها مفتوحاً. فالقوّات تستطيع الوصول إليها عند الحاجة، ومراقبة الطرق المحيطة، وجمع المعلومات، ثمّ الانسحاب من دون التخلّي عن قدرتها على العودة.
يتيح هذا النمط لإسرائيل العمل بقوّات محدودة، مدعومة بوسائل المراقبة والاتّصال والدوريّات المتنقّلة، من دون الحاجة إلى إنشاء قاعدة كبيرة أو نشر قوّات ثابتة على مساحة واسعة، ويمنحها قدرة على تبديل مواقعها وفق الظروف الميدانيّة، واختيار توقيت الدخول والانسحاب.
يمكن قراءة نصب الخيام وإقامة الحواجز باعتبارهما محاولة لفحص مدى ملاءمة الموقع للتمركز المؤقّت، وقياس ردّ فعل السكّان على وجود القوّة. وتوفّر عمليّات التفتيش والحركة بين القرى معلومات عن الطرق والبيئة المحليّة ومستوى الاعتراض المتوقّع.
يمنح الانتشار المتحرّك إسرائيل مساحة أوسع للتدخّل في الجنوب السوريّ، ومتابعة تحرّكات القوّات السوريّة وعرقلتها عند الضرورة. ويمكن استخدام المواقع التي تدخلها في أيّ مفاوضات لاحقة، سواء عبر مقايضة الانسحاب منها بضمانات أمنيّة، أو بالمطالبة بفرض قيود إضافيّة على انتشار القوّات والأسلحة السوريّة.
أدانت وزارة الخارجيّة التوغّلات والقصف، وعدّتهما انتهاكاً للسيادة السوريّة وخرقاً لاتّفاق فصل القوّات لعام 1974، ودعت الأمم المتّحدة والمجتمع الدوليّ إلى وقف الاعتداءات
هكذا لا يقوم النفوذ الإسرائيليّ على احتلال كلّ موقع والتمسّك به، بل على القدرة على الوصول إليه والتحكّم به لفترة محدودة، ثمّ تركه مع الاحتفاظ بإمكان العودة. وتسمح هذه المرونة بفرض ترتيبات تتجاوز نطاق منطقة “فصل القوّات” المحدّدة حسب اتّفاق عام 1974، من دون تثبيت وجود عسكريّ واسع ودائم.
حدود القوّة الإسرائيليّة
تكشف عابدين في الوقت نفسه حدود هذا الأسلوب. فالتفوّق الجوّيّ والمدفعيّ يمنح إسرائيل قدرة كبيرة على الردّ، لكنّه لا يضمن السيطرة المستقرّة على الأرض، ولا يمنع تكرار الاحتكاك مع السكّان.
في المقابل، كلّما توسّعت حركة دوريّات جيش الاحتلال داخل القرى، ازدادت حاجتها إلى الحماية والمعلومات الاستخباريّة والمراقبة المستمرّة، وارتفعت احتمالات تعرّضها لإطلاق النار أو العبوات والكمائن. ويمكن للاستخدام المفرط للقوّة أن يدفع سكّاناً لم يشاركوا في المواجهة إلى تبنّي موقف أكثر عداءً للوجود الإسرائيليّ.
إقرأ أيضاً: تعيينات الخارجيّة السّوريّة: 4 سيدات وتأكيد مركزية القرار..
يكشف ذلك تناقضاً في التصوّر الأمنيّ الإسرائيليّ، فالسعي إلى إبعاد الأخطار عن الحدود يدفع القوّات إلى التقدّم داخل مناطق مأهولة، ويجعلها أكثر احتكاكاً بسكّان ينظرون إلى وجودها باعتباره احتلالاً.
تبيّن أحداث عابدين أنّ النجاح الميدانيّ السريع لا يحسم النتيجة الأمنيّة والسياسيّة. فالقوّة القادرة على الدخول والقصف والانسحاب لا تملك بالضرورة القدرة على منع تشكّل مقاومة محليّة أو بناء استقرار طويل الأمد. وقد تتحوّل المواقع التي يفترض أن توفّر لإسرائيل عمقاً أمنيّاً إلى ساحات احتكاك واستنزاف كلّما تكرّرت التوغّلات واتّسعت مقاومة السكّان لها.
لمتابعة الكاتب على X:
