تعيينات الخارجيّة السّوريّة: 4 سيدات وتأكيد مركزية القرار..

مدة القراءة 6 د

تكشف التعيينات الجديدة في وزارة الخارجيّة والمغتربين السوريّة، المعلنة في 21 حزيران 2026، عن محاولة لإعادة تشكيل صورة الوزارة بعد نحو عام من تعيينات 28 أيّار 2025. في التشكيلة السابقة، كان المعنيّون التسعة عشر من الرجال، بينما أدخلت التشكيلة الجديدة أربع نساء إلى رئاسة إدارات، واستوعبت شخصيّات سياسيّة ودبلوماسيّة في مواقع استشاريّة، مع إبعاد مسؤولين كانوا يديرون ملفّات أساسيّة.

 

في تعيينات 2025، تولّى محمّد طه الأحمد إدارة الشؤون العربيّة، وقتيبة إدلبي إدارة أميركا، ومحمّد براء شكري إدارة أوروبا، وزكريا لبابيدي إدارة الشؤون الأفروآسيويّة وأوقيانوسيا، وأحمد دخان إدارة الشؤون التركيّة ودول البلقان، وسعد بارود إدارة المنظّمات والمؤتمرات الدوليّة.

أمّا التشكيلة الجديدة فأعادت توزيع هذه الملفّات على نطاق واسع. انتقل بارود إلى إدارة الشؤون الأميركيّة خلفاً لإدلبي، مستفيداً من خبرته في الدبلوماسيّة والعلاقات الدوليّة والعمل الإنسانيّ والتنمويّ. وتولّت سالي شوبط إدارة الشؤون الأوروبيّة، وندى أسود إدارة الشؤون الأفروآسيويّة وأوقيانوسيا، ونهلة عثمان إدارة المغتربين واللاجئين، وديما الموسى إدارة الاتّفاقات والمعاهدات الدوليّة.

بذلك انتقلت مشاركة النساء من تكليفات استشاريّة، وخاصّة حول مكتب الوزير، إلى مواقع تنفيذيّة داخل هيكل الوزارة.

النّساء في الإدارة

جاءت المديرات الأربع من خلفيّات ترتبط بالمجتمع المدنيّ والمعارضة السياسيّة والمهجر، لا بالمسار الإداريّ المعلن لحكومة الإنقاذ:

– سالي شوبط من مواليد دمشق، درست العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة، وعملت في المناصرة الدوليّة ومؤسّسات مرتبطة بالأمم المتّحدة. وعُيّنت مفوّضة خاصّة لشؤون الأمم المتّحدة في أيّار 2025 قبل انتقالها إلى إدارة الشؤون الأوروبيّة.

الخارجيّة

– ندى أسود من مواليد مدينة إدلب، ولها خبرة في العمل المدنيّ والسياسيّ والنسائيّ والتخطيط الاستراتيجيّ، وشاركت في المجلس الاستشاريّ النسائيّ المرتبط بمكتب المبعوث الأمميّ إلى سوريا.

– نهلة عثمان محامية سوريّة ألمانيّة مولودة في ألمانيا ومن أسرة تنحدر من حلب، ومتخصّصة في قوانين الهجرة واللجوء، ولها خبرة قانونيّة تزيد على عشرين عاماً، وكانت من مؤسّسي اتّحاد المنظّمات الألمانيّة السوريّة.

انتقلت مشاركة النساء من تكليفات استشاريّة، وخاصّة حول مكتب الوزير، إلى مواقع تنفيذيّة داخل هيكل الوزارة

– ديما الموسى محامية وسياسيّة من حمص. شغلت منصب نائبة رئيس الائتلاف الوطنيّ، وشاركت في اللجنة الدستوريّة، وكانت من مؤسِّسات الحركة السياسيّة النسويّة السوريّة.

لا ترتبط أيّ من هذه التعيينات بشكل مباشر أو غير مباشر بهيئة تحرير الشام سابقاً. ويمنح تعيينهنّ الوزارة تنوّعاً اجتماعيّاً وسياسيّاً أوسع، لكنّه لا يعني بالضرورة توزيعاً مماثلاً للنفوذ الفعليّ.

التّمثيل وحدود الاستشارة

برز في التعيينات حضور شخصيّتين من الطوائف المسيحيّة، هما ديما الموسى وجهاد مقدسي، لكنّ طبيعة موقعَيهما مختلفة. حصلت الموسى على إدارة تنفيذيّة تتناسب مع خبرتها القانونيّة والسياسيّة، وهو ما يجعل تعيينها أبعد من التمثيل الرمزيّ. أمّا مقدسي، المتحدّث السابق باسم الخارجيّة ومدير إدارة الإعلام فيها قبل مغادرته النظام عام 2012، فعاد بلقب سفير ومستشار للشؤون الأميركيّة، بينما أُسندت الإدارة إلى سعد بارود.

يظهر التفاوت نفسه في تعيين حمزة المصطفى، وزير الإعلام السابق، مستشاراً للشؤون الأوروبيّة، بالتوازي مع تولّي سالي شوبط الإدارة الأوروبيّة. فعلى الرغم من خبرة مقدسي والمصطفى، لا يمنحهما الموقع الاستشاريّ سلطة مماثلة لمدير الإدارة الذي يرأس الموظّفين ويتابع الملفّات والمراسلات اليوميّة.

ترتبط فاعليّة المستشار في وزارة يقودها أسعد الشيباني بصورة مركزيّة بمدى وصوله إلى الوزير واعتماد الأخير على آرائه. لذلك يمكن النظر إلى بعض هذه التعيينات بوصفها وسيلة للاستفادة من شخصيّات معروفة وخبراتها، من دون منحها جهازاً إداريّاً أو صلاحيّات مستقلّة.

تراجع النّفوذ التّنفيذيّ

يمثّل محمّد طه الأحمد المثال الأوضح على الانتقال من الإدارة إلى الاستشارة. فقد كان مديراً للشؤون العربيّة، قبل أن ترشّحه دمشق سفيراً لدى مصر. لكنّ القاهرة أبدت، وفق تقارير، تحفّظات على خلفيّته السياسيّة، من دون إعلان رفض رسميّ، فاتّجهت دمشق إلى مرشّح آخر.

في التشكيلة الجديدة، أصبح الأحمد مستشاراً للشؤون العربيّة، وهو ما يمثّل تراجعاً في نفوذه التنفيذيّ، حتّى مع بقائه داخل الوزارة. ويمكن فهم ذلك بوصفه صيغة تجمع بين إبعاده عن الإدارة وإبقائه في الوزارة.

تكشف التعيينات الجديدة في وزارة الخارجيّة والمغتربين السوريّة، المعلنة في 21 حزيران 2026، عن محاولة لإعادة تشكيل صورة الوزارة

في المقابل، يرأس الأحمد اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وتداولت تقارير اسمه بين المرشّحين لرئاسة المجلس المقبل، من دون صدور قرار رسميّ يحسم الأمر.

مصير الدّراسات الاستراتيجيّة

انتقل محمّد نجيب الغضبان من رئاسة إدارة الدراسات الاستراتيجيّة إلى منصب مستشار للتطوير الأكاديميّ والتدريب الدبلوماسيّ.

يمثّل ذلك انتقالاً من قيادة مركز ينتج التحليلات والتقديرات السياسيّة إلى دور استشاريّ ليست واضحةً صلاحيّاته التنفيذيّة. ويمكن اعتباره تراجعاً في موقعه الإداريّ، ما لم تكن قد أُسندت إليه مهامّ أخرى غير معلنة.

لم تتضمّن التعيينات اسماً جديداً لرئاسة إدارة الدراسات الاستراتيجيّة. وقد يعني ذلك إبقاء الموقع شاغراً مؤقّتاً، أو تأجيل تسمية مديره، أو التحضير لتكليف شخصيّة أخرى لاحقاً. ويبقى احتمال اختيار شخصيّة أقرب إلى الوزير قائماً، من دون معطيات تسمح بالجزم بذلك.

أمّا عبيدة عبدالله أرناؤوط فعُيّن مديراً لإدارة التمثيل الدبلوماسيّ، وهي إدارة مختلفة عن مركز الدراسات الاستراتيجيّة وملفّ التدريب الدبلوماسيّ.

إقرأ أيضاً: سوريا والاختبار الأصعب: بين حقّ الضحايا ومنطق الثّأر

في المحصّلة، تبدو الخارجيّة السوريّة أكثر تنوّعاً من السابق، لكن المعيار الحقيقيّ يبقى حجم الصلاحيّات، وإدارة الموظّفين والملفّات، والوصول إلى الوزير، والقدرة الفعليّة على التأثير في السياسة الخارجيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ManhalBaresh

مواضيع ذات صلة

ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ…

هل باع ترامب ورقة لبنان؟

يدّعي النظام الإيراني و”الحزب” تحقيق انتصار وهميّ عبر الضغط السياسيّ وممارسة بروباغاندا ممانعة ضدّ الدولة اللبنانيّة عبر الإيحاء أنّ هناك موافقة أميركيّة لبحث ورقة إيرانيّة…

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…

الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة…