من الجيش إلى الطّاقة: هل تعود روسيا إلى سوريا؟

مدة القراءة 5 د

تريد موسكو العودة إلى سوريا من بوّابة الجيش والطاقة بدل الاكتفاء بقاعدتَي حميميم وطرطوس؟ وهل يشكّل ملفّ الضبّاط العلويّين جزءاً من خطّة روسيّة لترميم الدولة السوريّة ومنع التقسيم؟ وأين تقف حدود هذا الدور في ظلّ رفض الاصطدام بإسرائيل والتحذير من الانخراط في الساحة اللبنانيّة؟ ويبقى السؤال الأهم: هل تقبل القيادة السورية الطرح الروسي؟

 

 

في سوريا الجديدة، لا تعود روسيا من الباب القديم وحده. لم يعد يكفي أن تبقى موسكو في حميميم وطرطوس كي تقول إنّها لم تخسر دمشق. تحصل العودة الحقيقيّة، بحسب معلومات “أساس” من مصدر روسيّ قريب من الرئيس فلاديمير بوتين، من مكان آخر: من الجيش، الكهرباء، السدود، المصافي، ومن العقدة العلويّة التي لا تزال موسكو تملك فيها تأثيراً لا يملكه غيرها.

لكنّ هذه العودة محكومة بخطّين أحمرين واضحين: لا اصطدام مع إسرائيل، ولا تورّط سوريّاً في لبنان.

لا تريد موسكو خسارة آخر مواقعها الثقيلة في الشرق الأوسط. ودمشق، من جهتها، تبحث عن طريقة لترميم الدولة من دون أن تتحوّل سوريا إلى ساحة مفتوحة لكلّ اللاعبين.

 

تقاطع ضّد التّقسيم؟

بحسب معلومات “أساس”، تتطوّر العلاقة الروسيّة ـ السوريّة اليوم بإشراف أو تنسيق تركيّ غير مباشر. فأنقرة تخاف من تقسيم سوريا، لا بسبب سوريا وحدها، بل لأنّ أيّ تقسيم هناك قد يفتح الباب أمام ارتدادات داخل تركيا نفسها، خصوصاً في الملفّ الكرديّ.

لذلك يلتقي الموقفان التركيّ والروسيّ عند نقطة منع التقسيم، ولو اختلفت الدوافع. تريد روسيا حماية نفوذها وقواعدها ودورها. وتركيا تريد حماية أمنها القوميّ ومنع انتقال عدوى التقسيم إلى حدودها وداخلها.

في المقابل، ترى مصادر متابعة أنّ إسرائيل تعمل في الاتّجاه المعاكس. فتل أبيب لا تريد سوريا مركزيّة قويّة على حدودها، بل تستثمر في خطوط التصدّع الداخليّة، من العلويّين إلى الدروز، لدفع سوريا نحو ضعف طويل الأمد أو تقسيم واقعيّ غير معلن.

هنا تبرز العقدة العلويّة. بحسب المصدر الروسيّ، الروس هم الطرف الأكثر تأثيراً في البيئة العلويّة داخل سوريا، نتيجة العلاقة التاريخيّة مع الجيش السابق، ونتيجة واقع نشأ خلال السنوات الماضية دفع عدداً كبيراً من العلويّين إلى الاحتماء بالمظلّة الروسيّة.

تتحدّث معلومات عن نحو 250 ألف علويّ احتموا أو لجأوا إلى محيط القواعد الروسيّة، لا سيما حميميم وطرطوس، في لحظات الخوف والتحوّل.

بحسب المعلومات، طلب نظام الشرع من الروس أن يكونوا على الحدود مع إسرائيل. إلّا أنّ موسكو رفضت

ترميم الجيش

لكنّ الفكرة الروسيّة لا تنطلق من البعد الطائفيّ وحده، بل من حساب عسكريّ ـ تقنيّ أيضاً. فموسكو تقول لدمشق إنّ عدداً من الضبّاط العلويّين يملكون خبرة طويلة مع الجيش الروسيّ، سواء في التدريب أو في تشغيل المعامل العسكريّة أو في التعامل مع قطع السلاح والمنظومات الروسيّة. ومن هنا جاء الاقتراح: لماذا لا يعود هؤلاء إلى سوريا تحت ضمانة روسيّة، بدل بقائهم في الخارج أو في روسيا ككتلة قلقة ومعطّلة؟

بهذا المعنى، لا تعرض موسكو إعادة الضبّاط العلويّين بوصفها تسوية سياسيّة فقط، بل كجزء من ترميم الجيش السوريّ. فالجيش الذي يحتاج إلى تدريب وتسليح وتنظيم، يحتاج أيضاً إلى ضبّاط يعرفون المنظومة الروسيّة، ويتقنون تشغيلها، ويمكن استخدام خبراتهم بدل تركهم خارج المؤسّسة.

في الوقت نفسه، تضع موسكو حدّاً واضحاً للضبّاط السوريّين الموجودين على أراضيها: لا تخطيط ضدّ الرئيس أحمد الشرع من روسيا. أي أنّ موسكو تريد احتواء هؤلاء، لا تحويلهم إلى ورقة تفجير.

باتت القناعة واضحة في دمشق: تثبيت الدولة لا يتمّ بالسياسة وحدها. السوريّون، بحسب المعلومات، فهموا أنّهم بحاجة إلى تقوية الجيش عبر التدريب الروسيّ، وإلى إعادة بناء المؤسّسة العسكريّة تدريباً وتسليحاً وتنظيماً.

اللافت، بحسب مصدر “أساس” في موسكو، أنّ جزءاً من السلاح الروسيّ الذي يصل إلى سوريا يتمّ بمساعدة من إحدى الدول العربيّة الأساسيّة، سواء عبر التمويل أو تسهيل الكلفة. وهذا يعني أنّ ترميم الجيش السوريّ لم يعد قراراً روسيّاً ـ سوريّاً فقط، بل يحظى بغطاء عربيّ غير معلن، سببه الخوف من التقسيم والفوضى والتمدّد الإسرائيليّ داخل التصدّعات السوريّة.

لا تريد موسكو خسارة آخر مواقعها الثقيلة في الشرق الأوسط. ودمشق، من جهتها، تبحث عن طريقة لترميم الدولة من دون أن تتحوّل سوريا إلى ساحة مفتوحة لكلّ اللاعبين

عودة الشّركات الرّوسيّة؟

لكنّ العودة الروسيّة لا تقف عند الجيش. فبحسب المعلومات، سمح النظام السوريّ للشركات الروسيّة بالعودة إلى سوريا، خصوصاً إلى المؤسّسات التي بُنيت في زمن الاتّحاد السوفيتيّ أو بمساهمة روسيّة لاحقة: محطّات الكهرباء، السدود، المصافي، والمنشآت الحيويّة. ومن بينها سدّ الفرات، أحد أبرز المشاريع الاستراتيجيّة في سوريا.

ليست هذه العودة تقنيّة فقط. فمن يرمّم الكهرباء والسدود والمصافي لا يشارك في إعادة الإعمار فحسب، بل يدخل إلى قلب الدولة. لذلك تحاول روسيا العودة إلى سوريا من بابين: الجيش والطاقة. الأوّل يرمّم القوّة، والثاني يرمّم قدرة الدولة على العمل.

إقرأ أيضاً: الرّياض وأنقرة تقودان جغرافيا الممرّات الإقليميّة

هكذا تبدو المعادلة التي تحاول روسيا إقرارها في سوريا: نعم لترميم الجيش، نعم لعودة الشركات الروسيّة إلى الطاقة والسدود والمصافي، نعم لاحتواء الضبّاط العلويّين بضمانات روسيّة، ونعم لوحدة سوريا. لكن لا للاصطدام بإسرائيل، ولا لفتح الجبهة اللبنانيّة.

بين هذه الـ”نعم” وتلك الـ”لا”، تحاول دمشق أن تستعيد ما بقي من الدولة، فيما تحاول موسكو أن تثبت أنّها لم تخرج من سوريا، بل بدّلت شكل حضورها فقط.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

“الحزب” بين خيارين: التّفاوض الخارجيّ أو التّسوية الدّاخليّة

هل يراهن لبنان مجدّداً على نتائج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ لإنهاء الحرب، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض؟ وهل تملك تل أبيب أساساً…

سابقة قضائيّة في ملفّ المرفأ

في المرحلة الانتقاليّة بين تقاعد مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار وتعيين القاضي أحمد رامي الحاج خلفاً له على رأس النيابة العامّة التمييزيّة، سُجّلت سابقة…

لبنان في اتّفاق إسلام آباد… على الورق فقط؟

ساعات ثقيلة تمرّ على اللبنانيّين وهم يبحثون عن أجوبة حاسمة: أيّ مصير سيحمله اتّفاق إسلام آباد؟ في أيّ عمق أدرِج الملفّ اللبنانيّ في الاتّفاق العابر…

واشنطن: اجتماعات أمنيّة بموازاة التّفاوض السّياسيّ

في الشكل والمضمون تختلف مناخات جولة التفاوض الخامسة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن عمّا سبقها من جولات، وسط تأكيد رئيس الجمهوريّة جوزف عون أنّه “على…