يرى حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة، والباحث غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالميّة، أنّ مرحلة ما بعد مذكّرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتّحدة وإيران في 17 حزيران 2026 لا تمثّل انتقالاً من الحرب إلى السلام، بل انتقال إلى مرحلة جديدة من الصراع.
يقول عزيزي، بحسب موقع إيران أناليتيكا، إنّ الدبلوماسيّة من وجهة نظر طهران لم تعد مساراً لتسوية الخلافات، وإنّما أصبحت ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجيّ، وإنّ واشنطن تسعى، خلال فترة تنفيذ الاتّفاق، إلى تقليص أوراق القوّة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة التي تعتقد إيران أنّها خرجت بها من الحرب قبل الدخول في المفاوضات النهائيّة. ويقول: “يُعدّ لبنان محوراً أساسيّاً في هذا التصوّر، إذ لم تعد طهران تنظر إليه بوصفه قضيّة أمنيّة إقليميّة، بل بوصفه إحدى أهمّ أوراقها التفاوضيّة”.
يعتبر عزيزي أنّ التناقض الذي يميّز مرحلة ما بعد مذكّرة التفاهم، من حيث التزامن بين استمرار الدبلوماسيّة والإبقاء على الضغط العسكريّ الأميركيّ، يعزّز شكوك طهران بشأن النيّات الأميركيّة. ويشرح أنّ هذا التصوّر يستند إلى اعتقاد طهران بأنّها ستخرج من الحرب وهي تمتلك أربع أوراق قوّة رئيسة للنفوذ الاستراتيجيّ، من شأنها تعزيز موقفها في المفاوضات المستقبليّة.
لبنان جزء أساسيّ من مفاوضات إيران
يقول عزيزي إنّه في مقدَّم هذه الأوراق يأتي لبنان. فقد أصرّت إيران على إدراجه ضمن مذكّرة التفاهم لأنّها كانت ترى أنّ أيّ وقف لإطلاق النار يقتصر على إيران سيترك “الحزب” عرضة لاستمرار العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة، ويقوّض أحد أهمّ عناصر الردع والنفوذ الإقليميّ الإيرانيّ.
تتمثّل الورقة الثالثة، بحسب عزيزي، في الغموض الذي يحيط بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ
من خلال ربط لبنان بالاتّفاق، سعت طهران إلى ضمان أن تُعدّ أيّ عمليّات إسرائيليّة ضدّ “الحزب” انتهاكاً لوقف إطلاق النار الأوسع، لا نزاعاً منفصلاً يمكن التعامل معه خارج إطار التفاهم الأميركيّ – الإيرانيّ. وبذلك، لم يعد لبنان، وفقاً للرؤية الإيرانيّة، ساحة للتنافس الإقليميّ وحسب، بل تحوّل إلى جزءٍ أساسيّ من الموقع التفاوضيّ الإيرانيّ، وإحدى أهمّ أوراق القوّة التي تعتقد طهران أنّها خرجت بها من الحرب.
يشير عزيزي إلى أنّ إيران تنظر إلى “اتّفاق الإطار” الذي أُعلن بين إسرائيل ولبنان في 26 حزيران بوصفه محاولة لإعادة صياغة هذا الترتيب عبر مسار دبلوماسيّ موازٍ، من دون المساس رسميّاً بمذكّرة التفاهم. ويفسّر البند الذي يمنع أيّ دولة أو جهة غير حكوميّة من ادّعاء العمل نيابة عن الحكومة اللبنانيّة بأنّه يستهدف بصورة مباشرة علاقتها بـ”الحزب”. بعد أن تبنت الدولة اللبنانيّة هذا المبدأ، فإنّ قدرة إيران على اعتبار أيّ عمليّات إسرائيليّة مستقبليّة ضدّ “الحزب” انتهاكاً لوقف إطلاق النار تصبح أضعف لأنّ الحكومة اللبنانيّة تكون قد نزعت الشرعيّة عن أيّ دور خارجيّ يُمارَس باسمها.
يرى عزيزي أيضاً أنّ رفض “الحزب” لاتّفاق الإطار أو نزع سلاحه يحمل تبعات استراتيجيّة إضافيّة، إذ يتيح لإسرائيل مواصلة عمليّاتها العسكريّة في لبنان تحت مبرّر الدفاع عن النفس، مع التأكيد أنّها تتحرّك ضمن الإطار الدبلوماسيّ القائم. ويعتبر أنّ التقارير التي تتحدّث عن احتمال تقديم دعم خارجيّ للجيش اللبنانيّ، بما في ذلك تكهّنات بشأن الدعم عبر سوريا، تعزّز التصوّر الإيرانيّ بأنّ موازين القوى داخل لبنان يعاد تشكيلها قبل أن تتمكّن طهران من تحويل مكاسبها العسكريّة إلى نفوذ سياسيّ مستدام.
من هذا المنطلق، يخلص عزيزي إلى أنّ لبنان لم يعد ملفّاً إقليميّاً، بل أصبح إحدى الساحات الرئيسة التي يتحدّد فيها مستقبل ميزان القوى الإقليميّ، وأنّ أيّ ترتيبات سياسيّة أو أمنيّة تخصّه تُعدّ، في نظر طهران، جزءاً من الصراع الأوسع من أجل الحفاظ على أوراق القوّة التي اكتسبتها خلال الحرب.
يخلص عزيزي إلى أنّ لبنان لم يعد ملفّاً إقليميّاً، بل أصبح إحدى الساحات الرئيسة التي يتحدّد فيها مستقبل ميزان القوى الإقليميّ
إيران أحد الأطراف الرّئيسة في إدارة مضيق هرمز
يقول عزيزي: أمّا الورقة الثانية فتتمثّل في مضيق هرمز، حيث تعتقد إيران أنّها أثبتت خلال الحرب قدرتها على التأثير في أمن الملاحة البحريّة وفرض كلفة سياسيّة واقتصاديّة على خصومها. ولم يكن هدفها بعد الحرب الاحتفاظ بإمكانيّة تعطيل الملاحة، بل ترسيخ واقع جديد يعترف بأنّ إيران طرف لا غنى عنه في إدارة أمن المضيق، بما يحوّل هذه القدرة إلى ورقة تفاوضيّة دائمة.
تتمثّل الورقة الثالثة، بحسب عزيزي، في الغموض الذي يحيط بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ. لا يزال الموقع الدقيق وحالة مخزون اليورانيوم العالي التخصيب غير معروفين بصورة كاملة للقوى الخارجيّة، وهو ما تعتبره طهران أحد أهمّ عناصر قوّتها التفاوضيّة، وترى أنّ الكشف عن هذه المعلومات قبل الحصول على تخفيف للعقوبات ومكاسب سياسيّة سيؤدّي إلى خسارة إحدى أهمّ أوراقها، علاوة على تعريض ما بقي من برنامجها النوويّ لاحتمال الاستهداف إذا انهارت المفاوضات.
أمّا عن الورقة الرابعة، فيقول عزيزي إنّها المكاسب الاقتصاديّة التي توقّعت إيران تحقيقها من مذكّرة التفاهم، بما يشمل تخفيف العقوبات، الوصول إلى الأصول المجمّدة، توسيع التجارة، والمشاركة في صندوق استثماريّ مقترح بقيمة 300 مليار دولار. وينظر القادة الإيرانيّون، بحسب عزيزي، إلى هذه المكاسب باعتبارها جزءاً أساسيّاً من تسوية ما بعد الحرب، وليست فوائد اقتصاديّة منفصلة.
قوّة إيران تتآكل عبر سلسلة مبادرات دبلوماسيّة
يعتبر عزيزي أنّ طهران تعتقد أنّ أوراق القوّة الأربع التي خرجت بها من الحرب تتعرّض جميعها للتآكل تدريجاً عبر سلسلة من المبادرات الدبلوماسيّة المترابطة، ولبنان هو المثال الأبرز على هذا المسار. ويشير إلى أنّ النمط نفسه يتكرّر في الملفّات الأخرى، وإن اختلفت أدواته. ففي مضيق هرمز، تُفسَّر طرق الشحن البديلة التي طوّرتها سلطنة عُمان بدعم من شركاء دوليّين على أنّها تقلّل تدريجاً من أهمّية إحدى أبرز أوراق القوّة الإيرانيّة.
من خلال ربط لبنان بالاتّفاق، سعت طهران إلى ضمان أن تُعدّ أيّ عمليّات إسرائيليّة ضدّ “الحزب” انتهاكاً لوقف إطلاق النار الأوسع
في الخليج، ربطت البيانات الأميركيّة وبيانات مجلس التعاون الخليجيّ مستقبل التجارة والاستثمار بإجراء تغييرات في برنامج الصواريخ الإيرانيّ، وأنشطة الطائرات المسيّرة، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميّين، وهي شروط لم تكن واردة في مذكّرة التفاهم الأصليّة. أمّا في الملفّ النوويّ فتسعى واشنطن إلى توسيع عمليّات التفتيش قبل تقديم مكاسب اقتصاديّة كبيرة، في حين تصرّ طهران على أنّ تنفيذ الالتزامات المتعلّقة بتخفيف العقوبات، وترتيبات مضيق هرمز، وإحراز تقدّم في الملفّ اللبنانيّ يجب أن تسبق أيّ تنازلات نوويّة جوهريّة.
ترى إيران، بحسب عزيزي، أنّ في جميع هذه الملفّات مساراً واحداً يهدف إلى تقليص أوراق القوّة التي خرجت بها من الحرب قبل بدء المفاوضات النهائيّة. وتفسّر التطوّرات العسكريّة الأخيرة باعتبارها عاملاً يعزّز هذه المخاوف. فالتبادل المحدود للضربات بين القوّات الأميركيّة والإيرانيّة، واستمرار الانتشار العسكريّ الأميركيّ، والهجمات الإلكترونيّة، ونشاط الجماعات المسلّحة، والتحذيرات الإسرائيليّة بشأن عمليّات مستقبليّة، كلّها تُفسَّر داخل إيران بأنّها مؤشّرات إلى أنّ واشنطن تواصل الانخراط في الدبلوماسيّة مع الاستمرار بالخيار العسكري.
إقرأ أيضاً: إيران تدفن خامنئي… و”الجمهوريّة الأولى”
في رأي عزيزي، تواجه إيران معضلة معقّدة، فهي تسعى إلى الحفاظ على أوراقها التفاوضيّة من دون اتّخاذ خطوات قد تُحمَّل مسؤوليّة إفشال المسار الدبلوماسيّ. لذلك يرجّح أن تواصل اعتماد سياسة تقوم على ممارسة ضغوط محسوبة، بالتوازي مع الإبقاء على المفاوضات، وتأجيل تقديم تنازلات نوويّة كبيرة، والدفاع عن موقعها في لبنان ومضيق هرمز، ومقاومة الشروط السياسيّة الجديدة المرتبطة بالتطبيع الاقتصاديّ. لم يعد السؤال الأساسيّ بالنسبة إلى طهران ما إذا كانت الدبلوماسيّة ستستمرّ، بل ما إذا كانت إيران قادرة على الحفاظ على ما يكفي من أوراق القوّة داخل العمليّة الدبلوماسيّة لجعل أيّ تسوية نهائيّة مقبولة.
