اتّفاق الإطار… حين أنهت الدبلوماسيّة ما عجزت عنه الحرب

مدة القراءة 6 د

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم يكن الجيش الإسرائيليّ يحتلّ مواقع داخل الأراضي اللبنانيّة كما هو الحال اليوم. ما استدعى هذا الواقع لم يكن قراراً لبنانيّاً جامعاً، بل خيار أحاديّ اتّخذه “الحزب” بالانخراط في “حرب إسناد غزّة”، خارج مؤسّسات الدولة وخارج أيّ توافق وطنيّ على قرار الحرب والسلم. وكان واضحاً منذ اللحظة الأولى أنّ تلك الحرب لن تبدّل مسار العمليّات في قطاع غزّة، لكنّها ستفتح لبنان على مواجهة واسعة يدفع وحده أثمانها السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة.

ما تلا ذلك أصبح جزءاً من الوقائع. توسّع الوجود العسكريّ الإسرائيليّ داخل الجنوب، وامتدّت العمليّات إلى مناطق لبنانيّة أخرى بعد انتقال “الحزب” إلى ما سمّاه “إسناد إيران” و”ثأراً لخامنئي”. وفي المقابل، لم ينجح “الحزب” في تحقيق الأهداف التي برّر بها دخول الحرب، فلم يمنع التوسّع الإسرائيليّ في أعماق الجنوب، ولم يحُل دون سقوط قياداته وتدمير بيئته، وأخفق في إنهاء الاحتلال الذي كان تدخّله أحد أبرز أسباب استعادته.

 

 

من هذه الخلاصة العسكريّة، لا من أيّ تحوّل سياسيّ مفاجئ، وُلدت المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة في واشنطن. لم تكن خياراً نظريّاً بقدر ما كانت نتيجة منطقيّة لانهيار الرهان على القوّة المسلّحة، ومحاولة الدولة اللبنانيّة استعادة زمام المبادرة بعد سنوات طويلة من مصادرة قرارها السياديّ، في مواجهة إسرائيل التي خرجت من الحرب وهي تسعى إلى تحويل تفوّقها العسكريّ إلى مكاسب سياسيّة تفاوضيّة.

لذلك يصعب تجاوز حقيقة أنّ المسار الذي انتهى إلى “اتّفاق الإطار” هو ذاته الذي كانت القيادة الإسرائيليّة تسعى إليه منذ اندلاع الحرب. فلو لم يُزجّ بلبنان في مواجهة لا يملك قرارها ولا القدرة على تحمّل تبعاتها، لما وجد نفسه اليوم أمام مفاوضات مباشرة هدفها معالجة نتائج تلك الحرب. ولم يؤدِّ الإصرار على التمسّك بالخيار العسكريّ، على الرغم من اتّضاح كلفته وفشل رهاناته، إلّا إلى إطالة أمد المواجهة ومنح حكومة بنيامين نتنياهو الذريعة التي احتاجت إليها لتوسيع عمليّاتها داخل لبنان.

بعد كلّ ذلك، لم يبقَ أمام الدولة سوى المسار الدبلوماسيّ. فالسياسة كثيراً ما تبدأ من حيث تنتهي الحروب، وحين تفشل القوّة في فرض الوقائع، يصبح التفاوض الوسيلة الوحيدة لاحتواء خسائرها.

بين روايتين متناقضتَين

كشفت ردود الفعل على الاتّفاق حجم الارتباك داخل المحور الإيرانيّ أكثر ممّا عكست موقفاً موحّداً منه. ففي الوقت الذي خرجت فيه مجموعات محدودة العدد من أنصار “الحزب” إلى الشوارع في بيروت احتجاجاً على ما وصفته بـ”اتّفاق الذلّ”، كان وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي يسارع إلى تقديم الاتّفاق بوصفه ثمرة للمباحثات الإيرانيّة مع الولايات المتّحدة، محاولاً إظهاره كإنجاز دبلوماسيّ يُحسب لطهران.

لا يعكس هذا التناقض اختلافاً في القراءة فحسب، بل يكشف أزمة رواية داخل المحور نفسه، فالاتّفاق الذي يُقدَّم في بيروت باعتباره تنازلاً تحاول طهران تسويقه باعتباره مكسباً سياسيّاً. أمّا بالنسبة إلى لبنان، لا تكمن أهميّته في السجال الدائر حول توصيفه، بل في كونه يشير إلى بداية انتقال القرار الوطنيّ من منطق المحاور الإقليميّة إلى منطق الدولة ومؤسّساتها.

يبدو “اتّفاق الإطار” تتويجاً لفشل الرهان على القوّة المسلّحة أكثر ممّا هو انتصار لها. وما حقّقته الدبلوماسيّة اللبنانيّة عبر التفاوض عجزت عنه سنوات من المواجهات التي أضعفت الدولة

استعادة الدّولة

دخلت الدولة اللبنانيّة المفاوضات استناداً إلى رؤية أعلنها رئيس الجمهوريّة جوزف عون، قوامها أنّ احتكار الدولة وحدها للسلاح هو المدخل الطبيعيّ لاستعادة السيادة، وأنّ الجيش اللبنانيّ يجب أن يكون الجهة الوحيدة المخوّلة حماية الحدود وإدارة الأمن، وأنّ الحروب أثبتت عجزها عن إنتاج حلول مستدامة، فيما يبقى المسار الدبلوماسيّ الطريق الوحيد لإنهاء الصراع.

انعكست هذه الرؤية بوضوح في “اتّفاق الإطار”، الذي قام على مجموعة من المبادئ المتكاملة: إنهاء حالة الحرب ومعالجة القضايا العالقة عبر الوساطة الأميركيّة، إعادة بسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها، انسحاب إسرائيل تدريجاً بالتوازي مع انتشار الجيش اللبنانيّ، حصر استخدام القوّة بالمؤسّسات الشرعيّة، نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، إطلاق إعادة الإعمار وعودة المدنيّين، وتأكيد مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة وحدها عن أمنها ودفاعها، بما ينهي عملياًّ أيّ شرعيّة لقيام قوى مسلّحة تعمل بالوكالة عن دول أو محاور خارجيّة.

تضمّن الاتّفاق أيضاً تأكيداً إسرائيليّاً لعدم وجود أطماع إقليميّة في لبنان، وربط أيّ وجود عسكريّ إسرائيليّ مستقبليّ بوجود تهديدات مسلّحة عابرة لسلطة الدولة، بما يجعل تنفيذ الالتزامات اللبنانيّة مدخلاً لإنهاء الاحتلال بصورة كاملة.

ما الذي أوصل لبنان إلى هذه اللّحظة؟

يصعب فصل الاتّفاق الإطاريّ عن المسار الذي سبقَه. فمنذ سنوات، دفع لبنان أثمان احتكار “الحزب” قرار الحرب والسلم وربط الجبهة اللبنانيّة بحسابات طهران الإقليميّة. وجاءت حرب الإسناد لتدفع هذا المسار إلى ذروته، بعدما انتهت إلى خسائر بشريّة ومادّيّة هائلة، وأعادت إسرائيل إلى عمق الجنوب اللبنانيّ، قبل أن تفرض على الجميع العودة إلى طاولة المفاوضات.

إقرأ أيضاً: الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

إذا كانت إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى توسيع دائرة التسويات الإقليميّة، فإنّ سياسات “الحزب” عجّلت، من حيث النتيجة، بوصول لبنان إلى هذا المسار. لذلك جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في توصيف الاتّفاق بأنّه “تطبيع” أو “خيانة”، بل في الاعتراف بأنّه جاء لمعالجة واقع فرضته مغامرات عسكريّة أغلقت جميع البدائل الأخرى ولم تترك للدولة سوى خيار التفاوض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

في المحصّلة، يبدو “اتّفاق الإطار” تتويجاً لفشل الرهان على القوّة المسلّحة أكثر ممّا هو انتصار لها. وما حقّقته الدبلوماسيّة اللبنانيّة عبر التفاوض عجزت عنه سنوات من المواجهات التي أضعفت الدولة واستنزفت المجتمع ومنحت إسرائيل فرصاً متتالية لتعزيز موقعها. فإذا كان بنيامين نتنياهو لا يريد السلام، فإنّ الدبلوماسيّة فرضت عليه مساراً لم يكن يفضّله. أمّا إذا كان يسعى إلى ترتيبات سياسيّة جديدة، فإنّ السياسات التي انتهجها “الحزب” كانت، في نهاية المطاف، العامل الذي عجّل بوصول لبنان إليها. وبين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الأبرز أنّ الدولة استعادت موقعها التفاوضيّ، وأنّ منطق المؤسّسات عاد، ولو متأخّراً، ليحلّ محلّ منطق السلاح.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@BadihYounes

مواضيع ذات صلة

الاتفاق الإطاري: الجيش ساحة الاشتباك السّياسيّ؟

في موازاة الانقسام السياسيّ بين المرجعيّات في رأس هرم السلطات وبين الأفرقاء على الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ، جرجر أذياله أخيراً إلى حيث يقتضي أن لا…

العراق: “حالة الاستثناء” مدخل لاستعادة هيبة الدّولة

في عشرينيات القرن الماضي، ألّف المفكّر السياسي والفقيه القانوني الألماني كارل شميث كتاباً بعنوان “اللاهوت السياسي”، تناول فيه السيادة بوصفها مفهوماً نظرياً مجرداً، ورأى أن…

النّاتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

لم يعُد حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، الذي أُسّس في منتصف القرن العشرين ليكون تحالفاً واضح الوظيفة والخصومة، يتحرّك اليوم داخل التوازنات الكلاسيكيّة التي رسمت معالمه…

وردة روزينا لاذقاني: “فداء حماه” في حديقة مجلس  الشعب

تقول روزينا لاذقاني في تصريحات سابقة إنها دخلت مجال التمثيل والفن من باب الصدفة، ولكنها حققت فيه نجاحاً ونجوميةً بارزةً وواعدة. اليوم تدخل أول مجلس…