الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

مدة القراءة 7 د

يستعرض الجزء الثاني واقع التأييد الإسرائيلي لبقاء قوات الدولة العبرية في جنوب لبنان وتأثيره على فرص تنفيذ الاتفاق الإطاري، حيث يظهر استطلاع أن 73% من الإسرائيليين يعارضون الانسحاب. يتناول هذا الجزء أيضاً الأبعاد الداخلية اللبنانية: التمثيل النيابي للحزب وتحالفاته التي قد تعرقل المسار التشريعي وتوظيف آليات “الميثاقية” لتعطيل التنفيذ، فضلاً عن الضغوط الأميركية على تل أبيب ولبنان والرهان الإيراني على إطالة الزمن لأهداف استراتيجية. كما يبرز الحاجة إلى ضمانات وتمويل لإعادة الإعمار وأن أي تقدم مرهون بإرادة سياسية لبنانية واضحة، ودور دولي حاسم للدعم والرقابة على التنفيذ.

 

 

أظهر استطلاع نشرته صحيفة “معاريف” أن 73% من المستطلعين في إسرائيل يعارضون الانسحاب من جنوب لبنان ويرغبون في بقاء الجيش هناك، وصولاً إلى طول نهر الليطاني، معتبرين أن وجود القوات الإسرائيلية في لبنان ضروري لأمن البلدات الشمالية.

تعكس هذه النسبة رفضًا شعبيًا للضغوط الأميركية التي تدفع نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي وتسليم المواقع للجيش اللبناني. إسرائيل تسيطر على مساحة تتراوح بين 500 و1,000 كيلومتر مربع من الجنوب، ولا يمتلك الحزب القدرة العسكرية لاسترجاع هذه المساحات بمفرده، وهو بدوره يصرح أحيانًا بأن الدولة غير قادرة على ذلك أو يعتمد على إيران في هذا الإطار.

مواقف الحزب توضح أن جهوده في هذا الصدد تخدم بالأساس أهدافًا إيرانية أكثر منها مصلحة لبنانية.

الاتفاق الإطاري يشكل بداية لمسار طويل يتطلب مفاوضات تنفيذية إضافية تبدو شاقة وطويلة واتفاقات تفصيلية معقدة لاستعادة السيادة الكاملة للبنان، مع عراقيل وعقبات رئيسية داخلية برلمانية

الأبعاد السياسية والشرعية المحلية والدولية 

ما ورد في الاتفاق الإطاري ليس إملاءً أميركيًا أو إسرائيليًا كما يروج الحزب، إذ لا يتعارض فحواه مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية ولا مع مضمون البيان الوزاري لحكومة نواف سلام ولا مع مقررات مجلس الوزراء في آب 2025، التي تتقاطع جميعها على استعادة سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها كما قرارات الحرب والسلم.

كما أظهر الاتفاق انخراط الولايات المتحدة في مواكبة تطبيق ما تم التوافق عليه، ما يفند ادعاءات من يسوّقون لفكرة تسليم مفاتيح السيادة لواشنطن وتل أبيب. وتجدر الإشارة أن إسرائيل كانت رافضة تماماً لفكرة أي تفاوض مع لبنان طيلة العامين السابقين، إذ حاول موفدون أوروبيون بعيداً عن الأضواء إيجاد سبل لإحياء إتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل الموقعة في علم 1949 بصيغة جديدة طالما ما زال لبنان متمسك بها وحظيت هذه الفكرة بموافقة لبنانية من جهات رسمية وتحمست لها مجموعات فكرية لبنانية وأوروبية، وشملت مساعي هؤلاء الموفدين مسؤولين في كلا البلدين ولكنها اصطدمت برفض إسرائيلي، وهذا يدل على مدى فعالية الضغط الأميركي على تل أبيب لدفعها للجلوس على طاولة المفاوضات، خلافاُ لكل ما يشاع  خلافاً لذلك.

مسؤولية الدولة اللبنانية وتداعيات الموقف الداخلي

تقع على الدولة اللبنانية بكامل مؤسساتها مسؤولية تنفيذ الاتفاق، وليس على الجيش وحده. وتجدر الإشارة أن لدى الحزب تمثيل وزاري ونيابي (وزيران و13 نائبًا، وتحالفات مع حركة أمل وغيرها قد تصل إلى أكثر من 40 نائبًا)، ما يمنحه أدوات سياسية قد تعرقل التطبيق إذا قرر الاعتراض داخل البرلمان أو الحكومة.

في هذا الإطار من المرجـّح جداً أن يلجأ الحزب لسلاح “الميثاقية” وتعطيل الجلسات إذ يمتلك حليفه رئيس حركة أمل ورئيس المجلس النيابي نبيه بري الصلاحية الدستورية الحصرية للدعوة لعقد الجلسات وتحديد جدول أعمالها. وبناءً على موقفه المعلن، لن يوجّه بري دعوة لعقد أي جلسة برلمانية للتصويت على الاتفاق الإطاري، مما يجمّد المسار التشريعي للاتفاق تماماً ويفقده “الميثاقية الطائفية”.

الخروج إلى الشارع خيارٌ مطروح لكنه مستبعد نجاحه في إسقاط الحكومة حسب التجارب السابقة، إذ فشلت محاولات مماثلة في الماضي مثل محاولة إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة طيلة العامين 2005 و2006 رغم تطويقها من قبل جماعة الحزب وحركة أمل والتيار الوطني الحر في الشارع.

إلى ذلك، فإن حماية الجيش سياسيًا لتنفيذ بنود المناطق النموذجية يتطلبان حد أدنى من الدعم السياسي الداخلي للسلطة التنفيذية وقدرة على إدارة الضغوط.

ما ورد في الاتفاق الإطاري ليس إملاءً أميركيًا أو إسرائيليًا كما يروج الحزب، إذ لا يتعارض فحواه مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية ولا مع مضمون البيان الوزاري لحكومة نواف سلام

إعادة الإعمار والضمانات المالية 

الولايات المتحدة مارست ضغوطًا على الطرفين اللبناني والإسرائيلي، لكنها ركّزت ضغوطها بشكل أكبر على الجانب الإسرائيلي لدفعه نحو قبول الانسحاب المشروط وتسليم المواقع للجيش اللبناني. في المقابل، الضغط الأميركي على لبنان ظهر مرتبطًا بمطالبات بتعزيز صلاحيات الجيش وتجربة تنفيذ المناطق النموذجية.

تسعى إيران إلى كسب الوقت واستغلال الوضع اللبناني لتأمين مكاسب اقتصادية واستراتيجية عن طريق تنازلات من قبل الولايات المتحدة، بما في ذلك عوائد نفطية أو مالية، وهي تترقب نتائج الانتخابات الأميركية النصفية لتقييم مواقفها. مفاوضات بورغنستوك بينها وبين واشنطن والإطار الإقليمي معقدان، والعالم العربي غير مستعد للتخلي عن الضمانات الأميركية، مما لا يسهل الأمور على طهران. أخيراً يبقى دور المجتمع الدولي مرهوناً بإرادة السلطة اللبنانية الجادة بالتنفيذ، فالمساعدات والضمانات الدولية تُمنح عندما تقوم الدولة بواجباتها وتظهر قدرة على التطبيق.

إعادة الإعمار والضمانات المالية

قضية التمويل لإعادة الإعمار تطرح نفسها بقوة: من أين ستأتي الأموال؟ وهل الدول العربية التي لم تقصّر تجاه لبنان في الدعم المالي في ظروفه الصعبة، مستعدة للمساعدة إذا لم تكن هناك ضمانات كافية لعدم عودة القتال؟ وهل هي مستعدة لدعم ومساعدة إعادة الإعمار لجمهور يكن لها العداء ويدعم إيران التي أمطرت هذه الدول بالصواريخ؟

لذلك فإن الدولة اللبنانية هي الجهة الأساسية المسؤولة في عملية الإعمار، والضامنة له شرط فرض نفسها في عملية وقف حالة الحرب مع إسرائيل والسير نحو السلام، لأن الحل المستدام يقوم على عمل مؤسسات الدولة وتوفير الحماية القانونية والإدارية للجهات الداعمة وربما المستثمرة وللمستفيدين من الدعم على السواء وضمان أمن العائدين إلى المدن والقرى المدمرة ومنع تجيير إعادة الإعمار لغايات سياسية إقليمية مضرّة للدول الداعمة.

إقرأ أيضاً: اتفاق الإطار: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (1/2)

مسؤولية التنفيذ 

الاتفاق الإطاري يشكل بداية لمسار طويل يتطلب مفاوضات تنفيذية إضافية تبدو شاقة وطويلة واتفاقات تفصيلية معقدة لاستعادة السيادة الكاملة للبنان، مع عراقيل وعقبات رئيسية داخلية برلمانية متناغمة مع العراقيل التي تضعها إيران إقليمياً ودولياً.

إذن المفاوضات المقبلة والملحوظة في الإتفاق الإطاري سترسم معالم المراحل المقبلة سواءً فيما يخص حصر السلاح بيد الدولة أو الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية وبعدها الانتقال من حالة الحرب إلى السلام عبر إتفاق شامل. هذا المسار ممكن شرط أن تتحمل الدولة مسؤولياتها، ويؤدي كل طرف واجباته: الدولة، الجيش، السياسيون، على أمل أن تؤدي النتائج إلى خدمة سيادة لبنان واستعادة دوره.

 

مواضيع ذات صلة

لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في…

إسرائيل تختبر قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟

أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد…

إيران – أميركا: أول الغيث 300 طائرة بوينغ لإيران

صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل…

“القوميّة اللّبنانيّة” وسؤال الهويّة واتّفاق الطّائف

في كلّ مرّة يدخل لبنان مرحلة تحوّل كبرى، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة. من نحن؟ وما هو هذا البلد الصغير المعلّق بين الجغرافيا والتاريخ؟ وأين…