كيف توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق إطاري ثلاثي برعاية أميركية؟ وكيف وضع الاتفاق إطارًا لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وإرساء سلطة الدولة عبر «مناطق نموذجية» ولجان إشرافية؟ وما هي التحديات الجسيمة التي تواجه الاتفاق؟ وماذا عن نزع سلاح الحزب، وتداخل النفوذ الإيراني، واشتراطات إسرائيل الأمنية؟
بعد خمسة جولات تفاوضية في واشنطن، وقّع ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة اتفاقًا إطاريًا في 26 حزيران 2026 أعلن عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بهدف إرساء أساس لوقف طويل الأمد للقتال رغم التحديات الميدانية والسياسية. تضمن الاتفاق بنودًا رئيسية لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي وإرساء سلطة الدولة في الجنوب، وربط جهود إعادة الإعمار بالتقدم في بسط سلطة الدولة وتطبيق بنود الاتفاق، كما أكد انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان بعد تسليم الحزب سلاحه للدولة.
في التفاصيل، الاتفاق الإطاري ليس “اتفاقًا” بالمعنى المتعارف عليه في العلاقات الدولية الذي يحمل أبعادًا قانونية ملزمة للطرفين. فعلى سبيل المثال، اتفاق 17 أيار 1983 التزم فيه لبنان وإسرائيل بخطوات تنفيذية واضحة، بينما اتفاق 26 حزيران 2026 لا يحتوي على خطوات تنفيذية محددة، بل هو إطار للتفاوض على كل بند من بنوده التي كانت موضع جدال ونقاش وتجاذب بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي واستلزمت تدخلًا أميركيًا للخروج بصياغات تلبي مطالب الطرفين.
إذن، يتطلب التطبيق مفاوضات إضافية واتفاقات متعددة لتحقيق استعادة السيادة الكاملة للبنان، سواءً من حيث حصر السلاح بيد الدولة أو من حيث الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي ثم الانتقال إلى إنهاء حالة الحرب بين البلدين كما تنص المادة الأولى من الاتفاق، ومن ثم السلام كما تنص المادة 12.
الاتفاق الإطاري ليس “اتفاقًا” بالمعنى المتعارف عليه في العلاقات الدولية الذي يحمل أبعادًا قانونية ملزمة للطرفين
المناطق النموذجية وآليات تنفيذها
في سياق المفاوضات الإضافية، تنص المادتان على ذلك، لا سيما المادة 12 التي ورد فيها: «سيعمل البلدان على تشكيل مجموعات عمل لصياغة الاتفاقية الشاملة والكاملة للسلام والأمن، وعلاوة على ذلك… ستنشئ الحكومتان على الفور مسارات تكميلية للتواصل المباشر والمستمر بتيسير من الولايات المتحدة. وتلتزم الحكومتان بالمضي قدمًا بحسن نية حتى يتحقق سلام كامل ودائم…».
من جهة أخرى، وخلافًا لمزاعم الحزب وحلفائه بأن لبنان تنازل عن سيادته، تؤكد المواد 1 و2 و4 و6 و8 و9 تكرارًا على سيادة لبنان على كامل أراضيه، وتؤكد المادة 13 العمل على تحرير الأسرى اللبنانيين في إسرائيل، وتؤكد المادة 5 أنه لا مطامع إقليمية لإسرائيل في لبنان، بما يعني أن احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية ارتبط بتهديد يمثله الحزب، وأنه إذا زال هذا التهديد فلن يبقَ سبب للاحتلال الإسرائيلي.
طرحت فكرة المناطق النموذجية على طاولة المفاوضات بشكل مشترك بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل. طلب لبنان أن يبدأ التنفيذ في أكثر من منطقة، وجرى نقاش حول أن تكون بنت جبيل أو الناقورة بوابة للبدء. تقضي الفكرة بإنشاء منطقتين نموذجيتين في جنوب لبنان يتولى فيهما الجيش اللبناني السيطرة الأمنية الحصرية مع استبعاد جماعات الحزب المسلحة، على أن يبدأ الجيش الإسرائيلي إعادة الانتشار والانسحاب تدريجيًا من تلك المناطق بالتوازي مع تفكيك البنية العسكرية للحزب. هذه المناطق يجب أن تخضع بالكامل لسلطة الدولة سياسيًا وإداريًا وعسكريًا، وأن تتمتع بحماية سياسية رفيعة المستوى، ما يتطلب وضوح وحزم في مواقف رئيس الجمهورية والحكومة والكتل والأحزاب الداعمة للإتفاق وحماية سياسية لمهمة الجيش بدعمها من خلال المجلس الأعلى للدفاع ولجنة الدفاع النيابية وتجاوز العراقيل التي قد يضعها رئيس مجلس النواب بضغط من إيران.
ينص الاتفاق على تشكيل لجنة إشراف ومراقبة عسكرية تضم لبنان وإسرائيل وتترأسها الولايات المتحدة لضمان تنفيذ الترتيبات الأمنية ومتابعة الالتزامات الميدانية. ويطرح السؤال حول كيفية التنسيق بين هذه اللجنة الثلاثية واللجنة الرباعية الباكستانية‑القطرية‑الإيرانية‑اللبنانية برعاية أميركية، ومدى انسجام الأدوار والآليات بينهما.
طرحت فكرة المناطق النموذجية على طاولة المفاوضات بشكل مشترك بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل. طلب لبنان أن يبدأ التنفيذ في أكثر من منطقة، وجرى نقاش حول أن تكون بنت جبيل أو الناقورة بوابة للبدء
التحديات والعقدة الأساسية
تكمن العقدة الأساسية في رفض الحزب نزع سلاحه، وهو الذي لم يشارك في المفاوضات ولم يوقّع على الاتفاق، ورفضه الانسحاب المشروط لإسرائيل الذي يرتبط بتسليم سلاح الحزب للدولة. وتدخل إيران الدائم واليومي لدى رئيس مجلس النواب وسيطرتها الفعلية على قرار حزب الله لتأكيد نفوذها في لبنان ولكسب الوقت وتأخير تنفيذ إلتزاماتها فيما يخص ورقة التفاهم بين طهران وواشنطن، وبمعنى آخر إن إصرارها على ربط مسارها مع واشنطن بالمسار اللبناني الإسرائيلي سيصعب تنفيذ الإتفاق.
كما أن استمرار وجود قوات إسرائيلية في أجزاء من الجنوب يمثل عقبة عملية تحول دون تحويل التهدئة الهشة إلى وقف دائم ومستقر لإطلاق النار، وتُصرّ إسرائيل على بقاء قواتها في جنوب لبنان طالما احتفظ الحزب بسلاحه. وتجدر الإشارة أن إيران عجزت طيلة عامين ونصف عن ردع إسرائيل لا بل خسرت حربها المباشرة معها. إن إسرائيل انسحبت من لبنان في العام 2000 بعد مفاوضات بينها وبين الحزب وإيران في برلين، وفي العامين 2006 و2024 إنسحبت بفعل ضغوط دولية ومفاوضات شملت إيران وقرار مجلس الأمن رقم 1701 ولن يتم أي إنسحاب إسرائيلي بالقوة هذه المرّة أيضاُ ووفقاً لقاعدة التفاوض ولكن إيران نفسها فقدت عناصر القوة التي كانت تتمتع بها سابقاً.
إقرأ أيضاً: اتّفاق واشنطن… ضباط أميركيون في الميدان
لكل هذه الأسباب يظل الدور الأميركي والدعْم الإقليمي العربي حاسمًا لتأمين جداول زمنية ومقاييس قابلة للتحقيق وآليات مراقبة دولية. سيناريوهات التطبيق تتراوح بين تنفيذ تدريجي منظم مدعوم بضغوط دولية وحوافز مالية، واتفاقات جزئية بطيئة التنفيذ مع رقابة دولية مطوَّلة، إلى تعثر كامل يؤدي إلى تجميد البنود. ولتسريع التنفيذ يتطلب الأمر خطة زمنية واضحة، وضمانات سياسية لحماية الجيش والقوى الأمنية محليًا، وحوافز مالية مشروطة بإنجاز المراحل، وآليات رصد مستقل وشفافية؛ من دون ذلك سيبقى الانتقال من إطار التفاوض إلى خطوات تنفيذية، عمليةً شاقة وطويلة.
