يدّعي النظام الإيراني و”الحزب” تحقيق انتصار وهميّ عبر الضغط السياسيّ وممارسة بروباغاندا ممانعة ضدّ الدولة اللبنانيّة عبر الإيحاء أنّ هناك موافقة أميركيّة لبحث ورقة إيرانيّة تساوم عليها طهران ويضطرّ لبنان إلى قبولها… إلّا أنّ الواقع مختلف كليّاً.
لا بدّ من التوقّف عند مجموعة نقاط يروّج لها “الحزب” ومن ورائه النظام الإيرانيّ، وهي محض ادّعاءات تدحضها الوقائع:
1-مفاوضةُ “الشّيطان الأكبر”
إيران التي تروّج لانتصارها بـ”بقاء نظامها” ولو إلى حين، كسرت صورتها إلى غير رجعة بدخولها المفاوضات المباشرة مع من تسمّيه “الشيطان الأكبر”، في ما رأته فرصة حقيقيّة توقف الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب عند هذا الحدّ ولو لمهلة 60 يوماً بعد حرب ضروس وخسائر جمّة تكبّدتها إيران ونظامها على المستويات كافّة.
سقط إثر هذه الحرب اللقبُ السياسيّ الذي أطلقه المؤسّس “الإمام الخميني” عام 1979 على الولايات المتّحدة لتأكيد العداء للإمبرياليّة الغربيّة، ورفض الهيمنة الأميركيّة، وتبرير سياسات إيران الخارجيّة المناهضة للغرب.
جلس النظام الإيرانيّ (بإجازة من المرشد الجديد والحرس الثوريّ) على طاولة الحوار مع واشنطن لتغليب مصالحة “بقاء النظام” بعد تغيّر الموازين إثر الحرب ومواجهة نظام الملالي لضغوط سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة تجبره على التفاوض مع الخصم التاريخيّ.
فيما يثير هذا التفاوض تساؤلات وانتقادات داخليّة وخارجيّة حول كيفية جلوس نظام يرفع شعار “الموت لأمريكا” مع من يصفه بـ”الشيطان الأكبر”، إلّا أنّ لنتائج الحرب أثماناً وبينها جلوس الخاسر مع عدوّه للتفاوض. وهذا هو حال إيران التي يعلمها ترامب تماماً.
تراهن إيران و”الحزب” على تطرّف نتنياهو العسكريّ ويحثّانه بطرق غير مباشرة على استمرار تطرّفه، للاستفادة منه لتقويض أيّ اتّفاق
2- “الحزب” المنهزم يكابر
تدرك طهران تمام الإدراك ما تكبّده “الحزب” من خسائر سياسيّة وعسكريّة في لبنان منذ حرب الإسناد حتّى تاريخه. تُرجمت خسائر “الدويلة” إلى مكاسب لدولة لبنان بانتخاب رئيس لبنانيّ وطنيّ وسياديّ تلا خطاب قسم غير مسبوق منذ عقود، وبتأليف حكومة بدون حزبيّين ذات بيان وزاريّ وُضع موضع التنفيذ واستثنى ذكر “المقاومة”، وسطّر “حصريّة السلاح” كبند رئيس فيه، وأرسل الجيش إلى الجنوب بعد معاناة امتدّت من ولاية الياس الهراوي مروراً بعهد ميشال عون ووصولاً لبداية عهد جوزف عون.
أضف إلى ذلك إقرار خطّة للجيش على مراحل لحصر السلاح، وتقييد حركة الحزبيّين وسلاحهم ومنع الطائرات الإيرانيّة من الهبوط في مطار بيروت، ومنع منح سمات دخول للإيرانيّين، وعدم قبول أوراق اعتماد السفير الإيرانيّ، مروراً برفض طلب “الحزب” إقالة الوزير الشيعيّ الخامس محمد مكّي، ووصولاً إلى تشغيل مطار القليعات وإنهاء فكرة حصار مطار بيروت…
إذاً، كما تروّج طهران “الخاسرة” لانتصار وهميّ كذلك يفعل الحزب “المنهزم”: الأولى بعدم سقوط النظام، والثاني يروّج لمجموعة انتصارات وهميّة منها:
– الحديث عن مواجهة الجيش الإسرائيليّ ومنعه من إكمال مخطّطه، فيما وصل فعليّاً إلى النبطيّة وصور.
– يقول الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم إنّ “الخسائر الفادحة مهما كانت، تبقى أقلّ ضرراً من الاستسلام”، إلّا أنّه على أرض الواقع تمّت الموافقة على حصر السلاح أو احتوائه، بإصرار عربيّ وأوروبيّ وأميركيّ، وبذلك يفقد السلاح وظيفته الإقليميّة كنتيجة للحرب الأخيرة الخاسرة.
– حاولت إيران دعم “الحزب” لمقايضة شعار تحوّله إلى حزب سياسيّ، غير أنّ ميزان القوى الداخليّ قبل الإقليميّ والدوليّ رفض السماح لـ”الحزب” بالحصول على ثمن سياسيّ في المقابل.
خلاصة القول أنّ الملالي يعلمون ضمنيّاً كما “الحزب” بأنّها بداية النهاية، فالانتصارات الوهميّة مهما طال الترويج لها واتّسع صداها ستنكشف وتُفضح تحت وابل القصف. لإيران مهلة 60 يوماً للتنازل، ولـ”الحزب” مهلة مثيلة للتسليم… مصيراهما واحد.
يحاول النظام الإيرانيّ اللعب على التناقضات الحاليّة لشراء الوقت
3- مصير لبنان في محادثات واشنطن.. لا في سويسرا
في واشنطن لا في سويسرا يتحدّد مصير حرب إسرائيل على “الحزب” من بوّابة الشرعيّة والدبلوماسيّة اللبنانيّة. وفق المعطيات، ستنتهي مفاوضات واشنطن “إيجابيّاً” إلى منطقة تجريبيّة بتعاون لبنانيّ – أميركيّ عسكريّ تمهّد لانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ متى بدأت الدولة اللبنانيّة فعليّاً عملية حصر السلاح بيدها.

يعلم “الحزب” كلّ تلك الوقائع، ويحاول بالموازاة الترويج إعلاميّاً أنّ “الأميركيّ” باع ورقة لبنان مجدّداً مقابل “ثمن إيرانيّ ما” في محاولة منه للضغط على الدولة وإيقاف زخمها عبر محاولة إيهامها أنّ ميزان القوى يقترب من تغيير ما في مفاوضات سويسرا، وأنّ الأوراق عادت لتُخلط.
4- ورقة “الحزب” سُحبت في واشنطن
اعتبر الرئيس الأميركيّ أنّ الملفّ اللبنانيّ “ثانويّ” مقارنة بالاتّفاق النوويّ الأوسع مع إيران، وضغط لوقف النار مطالباً إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو باتّباع نهج أكثر “مسؤوليّة” وتجنّب مهاجمة المدن.
بحسب مصدر أميركيّ رفيع لـ”أساس ميديا”، يسعى ترامب في ضغطه على نتنياهو لـ”وقف النار إلى سحب الذريعة من “الحزب” ضمن مهلة تجريبيّة للتحقّق من صدقه في الموافقة على البدء بآليّة تسليم السلاح بالموازاة مع وقف الهجمات الإسرائيليّة وبدء الانسحاب التدريجيّ”. بحسب المصدر، “يرى ترامب وفق مستشاريه أنّ مواصلة نتنياهو الحرب يعطي ذريعة لـ”الحزب” وإيران للتمسّك بالسلاح فيما هناك فرصة أميركيّة أخيرة للنظام الإيرانيّ و”الحزب” لامتحان وعودهما، وهما يعلمان ذلك”.
يؤكّد المصدر أنّ “الرئيس الأميركيّ الذي يسعى إلى إنهاء الحرب قبيل الانتخابات لا يرى أنّ ورقة لبنان و”الحزب” هي ثمنٌ يمكن دفعه لإيران مقابل مكاسب أكبر”. يعلم ترامب أنّ الإيرانيّ “الخاسر” لا يمكنه أن يساوم على الميليشيات “في مفاوضات ذهب إليها مجبراً مهما حاول الاستكبار”.
يعلم “الحزب” كلّ تلك الوقائع، ويحاول بالموازاة الترويج إعلاميّاً أنّ “الأميركيّ” باع ورقة لبنان مجدّداً مقابل “ثمن إيرانيّ ما”
من هنا، فإنّ الاختلاف في التوقيت بين ترامب ونتنياهو، أي بين من يحتاج إلى الحرب لأسباب انتخابيّة ومن يحتاج إلى إنهائها لأسباب انتخابيّة أيضاً، يبقى تحت سقف أمن إسرائيل وما تمثّله من ثقل في السياسة الأميركيّة الداخليّة. يؤكّد المصدر جازماً أنّ “هدف ترامب لإنهاء الحرب يصطدم بسقف لن يتجاوزه، وهو أمن إسرائيل الذي لن يقبل بوجود “الحزب” على الحدود لا اليوم ولا غداً ولا بعد 10 سنوات”. يختم المصدر “ورقة “الحزب” سُحبت في واشنطن وتل أبيب”.
تأجيل يوم الحساب
يحاول النظام الإيرانيّ اللعب على التناقضات الحاليّة لشراء الوقت. منذ نشأته، يقتات على الأيديولوجية في استمراريّته وعلى تصدير الثورة في أدبيّاته وعلى “الممانعة” في علّة وجوده. أمّا اليوم، وبعد تاريخ 28 شباط، ومقتل خامنئي رفيق المؤسّس الخمينيّ، فيبحث النظام الإيرانيّ عن مخرج يؤجّل فيه “يوم الحساب” ويتمسّك ولو بدون جدوى بورقته الأقوى في مشروعه الإقليميّ “الحزب”.
سيكون تسليم الدرع الأوّل الدفاعيّ الاستراتيجيّ الورقة الأخيرة التي قد تلعبها إيران، ووحدها الدولة اللبنانيّة بقيامها تنسف علّة وجود “الحزب” بعدما دمّرته إسرائيل عسكريّاً. لذا يحاول تصوير مخرجات مفاوضات سويسرا على أنّ مصير لبنان ومصيره على طاولتها علّ الدولة اللبنانيّة تتراجع عن تنفيذ قرار حصريّة السلاح.
تدرك طهران تمام الإدراك ما تكبّده “الحزب” من خسائر سياسيّة وعسكريّة في لبنان منذ حرب الإسناد حتّى تاريخه
باتت هذه البروباغاندا مفضوحة، وقد دحضها ردّ نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس على رسالة رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع حين أكّد أنّ “المفاوضات مع طهران لا تهدف لإعطائها أيّ دور مستقبليّ بلبنان بل الضغط على “الحزب” لتنفيذ التعهّدات المطلوبة منه”. وتأتي هذه التصريحات المكتوبة متوافقة مع ما أعلنه وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو عن أنّ “ملفّ إيران منفصل عن ملفّ لبنان”.
بالخلاصة، يعلم النظام الإيرانيّ أنّ اليوم التالي هو “يوم الحساب” داخليّاً، ويعلم “الحزب” أنّ اليوم التالي للانسحاب الإسرائيليّ سيكون كذلك بالنسبة له مع مواجهته لبيئته التي ستطرح الأسئلة الكبيرة عن التهجير الواسع والدمار الكبير والخسائر البشريّة والمادّيّة.
إقرأ أيضاً: لبنان: ترامب يسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو
تراهن إيران و”الحزب” على تطرّف نتنياهو العسكريّ ويحثّانه بطرق غير مباشرة على استمرار تطرّفه، للاستفادة منه لتقويض أيّ اتّفاق وأيّ تنازل يفرضه ترامب على حكم الملالي. يعلم كلاهما في الوقت نفسه أنّ ترامب ليس باراك أوباما وأنّ اتّفاق 2015 دُفن، وما بعد تاريخ 28 شباط ليس كما قبله.
لمتابعة الكاتب على X:
