لبنان: ترامب يسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو

مدة القراءة 6 د

تفرض مذكّرة التفاهم واقعها على لبنان. بات مصير البلد ركناً من تفاهمات واشنطن وطهران، وبات على أطراف الصراع أخذ ذلك بالاعتبار. قد يشعل الأمر في الرؤوس أوهام تغيّر في موازين داخليّة ستتّضح أعراضها، لكنّ الأمر نفسه داهم إسرائيل ووضعها في موقع حرج بعدما ثبت أنّ ملفّ لبنان بات على مكتب الرئيس في البيت الأبيض.

 

تدفع إسرائيل ثمن “تفاهم” الولايات المتّحدة وإيران. كثرت في الأسابيع الأخيرة الانتقادات الشخصيّة الموجّهة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، وتعدّدت تصريحات ترامب في انتقاد سلوك إسرائيل في لبنان والغمز من قناة محاولة نتنياهو النيل من مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة من خلال قصف الضاحية قبل ساعات من توقيع المذكّرة.

يعلن ترامب، ويكاد جهاراً، أنّ حسابات الاتّفاق مع إيران انقلبت على حسابات الحرب معها، وأنّ إسرائيل شريكة الولايات المتّحدة في الحرب على إيران ليست كذلك في مواسم السلم معها. كان نتنياهو حاضراً بشدّة في غرف العمليّات الحربيّة المشتركة مع ترامب، لكنّه غاب عن غرف التفاوض، إن لم نقُل أُقصي تماماً وأُجبر على الجلوس في مقاعد المتفرّجين على العرض الكبير. بدا ترامب أنّه يريد نهاية نتنياهو ونهاية حقبة في إسرائيل من أجل فتح أخرى بطاقم حاكم جديد، إلى حدّ قول الرئيس الأميركي بالأمس أنه لولا الولايات المتحدة لما كانت إسرائيل موجودة.

تجنّب الكأس المرّ؟

تشكّك ترامب في استمرار نتنياهو في الحكم، فسارع الأخير إلى إعلان ترشّحه لانتخابات الكنيست المقبلة والنهل من موقف ترامب الضاغط مادّة انتخابيّة دسمة. قال: هو رئيس الولايات المتّحدة وأنا رئيس وزراء إسرائيل مسؤول عن أمن إسرائيل. بدا أنّ نتنياهو باشر حملته الانتخابيّة من بوّابة “مقاومة” الولايات المتّحدة ورفض “وصايتها” استجابة لانتقادات داخليّة من قبل اليمين المتطرّف الإسرائيليّ الذي أخذ على نتنياهو “خضوعه” لرغبات الرئيس الأميركيّ. وإذا ما أمكن مداراة السجال الأبجديّ بصيغ أبجديّة، فسيكون لبنان سيفاً “أصدق إنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب”.

تعدّدت تصريحات ترامب في انتقاد سلوك إسرائيل في لبنان والغمز من قناة محاولة نتنياهو النيل من مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة

أما وأنّ وقف الحرب في لبنان هو بند من بنود وقف الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، فإنّ إسرائيل باتت طرفاً في “الخضوع” لمذكّرة تفاهم لم تكن شريكةً في صنعها ولا حتّى طرفاً تمّت استشارته بشأنها. وفيما تتحدّث منابر طهران ومسؤولوها (وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي) عن أنّ “التفاهم” يملي أيضاً انسحاباً إسرائيليّاً كاملاً من لبنان، تعترف صحافة إسرائيل ضمناً بحقيقة تلك الشروط في النصّ أو في ثناياه، من خلال ترويجها لحراكٍ لنتنياهو يقترح فيه على واشنطن تقليصاً لحجم القوّات دفعاً لكأس الانسحاب المرّ.

لطالما اعتبرت الولايات المتّحدة والغرب عامّة أنّ لبنان وسوريا ملفّ أمنيّ إسرائيليّ بامتياز تتموضع العواصم وفق ما تمليه حاجات إسرائيل الأمنيّة من قواعد يدعمها الحلفاء أو يتقيّدون بها. تغيّرت هذه المعادلة المسلَّمة. فإسرائيل غير مرتاحة أبداً إلى تحويل ملفّ إسرائيليّ حصريّ إلى ملفّ أميركيّ بات يحظى بمكانة إحدى أولويّات الإدارة في واشنطن. تكفي مراقبة “صلية” تصريحات ترامب الأخيرة عن لبنان، لا سيما على هامش قمّة الدول السبع في فرنسا، لاستنتاج أنّ الرجل يسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو.

ترامب

لا تحبّ إسرائيل وعد ترامب بإنهاء الحرب في لبنان. لا تحبّ “شماتته” بعجز إسرائيل عن “إنهاء المهمّة ضدّ “الحزب” سريعاً”. لا تحبّ تكراره اقتراح تدخّل سوريا في لبنان وذهابه إلى مهاتفة رئيسها أحمد الشرع من أجل ذلك لأنّها “الأقدر على تنفيذ المهمّة” ضدّ “الحزب” (مع ما يعنيه الأمر من قفز على لبنان-الدولة). ولا تحبّ إسرائيل ضغوط ترامب التي أجبرت نتنياهو على قبول المفاوضات المباشرة التي لم يكن يريدها مع لبنان، وجعلها بديلاً عن استراتيجية الأرض المحروقة التي استحسنها مستنسخاً التجربة الغزّيّة.

يعلن ترامب، ويكاد جهاراً، أنّ حسابات الاتّفاق مع إيران انقلبت على حسابات الحرب معها، وأنّ إسرائيل شريكة الولايات المتّحدة في الحرب

المفاوضات خيارٌ وحيد؟

يستنتج نتنياهو عاصفة سيسعى إلى التعامل معها بخفض الرأس حيناً أو التحايل عليها واستيعابها حيناً آخر. يبدو لبنان حجر الأساس داخل مذكّرة التفاهم لجهة أنّ فشل تنفيذ “البند اللبنانيّ” داخل المذكّرة من شأنه تهديد سلامة المذكّرة نفسها. هذا يعني أنّ ضغوط ترامب جدّيّة، وقد تتصاعد على نتنياهو في لبنان دفاعاً عن “مُنجز” قال عند توقيعه في قصر فرساي إنّ تحقيقه كان مضنياً. وما دامت جبهة لبنان هي حجر الأساس، فإنّ الأمر يوفّر أيضاً لإسرائيل هامش مناورة عسكريّاً وسياسيّاً تحت عنوان “حقّ الدفاع عن النفس” لجعل ذلك الأساس خاصرة رخوة دائمة لتفاهمات واشنطن وطهران.

قد تجبر تلك الأقدار نتنياهو مكرهاً على النفاذ من خلال المفاوضات مع لبنان التي مقتها. ما تزال بيروت والرئيس جوزف عون وحكومة لبنان على خطّ التمسّك بحقّ لبنان وحده بالتفاوض وعقد الاتّفاقات. بمعنى أنّ ما قد يُفهم تغيّراً في المعادلات رمّم اختلالاً لمصلحة إيران وحزبها لم يغيّر من قرار الدولة اللبنانيّة، بدعم ورعاية كاملين من الولايات المتّحدة ورئيسها، المضيّ قدماً في مفاوضات تريدها بيروت أن تستقرّ على وقفٍ للحرب وانسحاب إسرائيليّ كامل.

إقرأ أيضاً: “عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

تنقل صحف إسرائيل صدمة انتابت حكومتها من حملة التأنيب التي وجّهها نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس إلى قادة في إسرائيل. فيما ترامب وجّه ما يشبه التوجيهات إلى نتنياهو: “عليه أن يكون أكثر عقلانيّة”. أما وأنّ إيران تكرّر من خلال “الحزب”، بعد “التفاهم” مع واشنطن، رفض المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة، فإنّ أمام نتنياهو خيار استمرار الحرب على إيران من خلال لبنان، فإن اضطرّته إكراهات واشنطن إلى وقف الحرب فلن يبقى أمامه إلّا المفاوضات “المقيتة”، لعلها تجرّ ماءً إلى طواحينه الانتخابيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

الشّرعيّات أساس نجاح التّسويات

لو لم يكن في مصر شرعيّةٌ مستقرّة لما تمكّن الرئيس الراحل أنور السادات من الإقلاع بطائرته من مطار القاهرة لتهبط به في مطار بن غوريون…

بيننا وبينكم خيط رفيع أسمه الدولة

ثمة مشكلة مزمنة في السلوك السياسي للحزب، تكمن في أنه لا يتعلم من تجاربه، ولا يبدو مستعداً لاستخلاص العبر من التحولات التي تعصف بالمنطقة ولبنان…

لبنان ومفاتيح الشرق الأوسط الجديد

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بحجم التغييرات التي تفرضها على الخرائط السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. ومن…

إقحام ترامب دمشق: أفكار “تجريبيّة” عن لبنان

ما تناولته مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة بشأن وقف النار في لبنان، حوّله إلى ميدان التحدّي الأوّل لإنجاح أو فشل ما يليها من تفاوض. الستّون يوماً…