“عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

مدة القراءة 6 د

انطلقت الحرب على إيران في 28 شباط من هذا العام. بعد 15 أسبوعاً، في 12 من حزيران الجاري، أُعلن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين طهران وواشنطن يعاد بموجبها فتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانيّة، وتضع إطاراً لمفاوضات خلال فترة 60 يوماً قابلة للتمديد للتوصّل إلى اتّفاق نهائيّ. خلال تلك الأسابيع مرّت المنطقة والعالم بتجربة قد تكون من دون سوابق في علم إدارة الحروب والعلاقات الدوليّة وتقنيّات التفاوض.

 

 

بغضّ النظر عن الإخراج الشكليّ للتوقيع على المذكّرة، باتت جائزةً مقارنة المواقف التي واكبت بداية الحرب مع النهايات المرحليّة التي تعبّر عنها المذكّرة الوليدة. بات سهلاً استنتاج أعراض المشهد الذي رست عليه “الحسبة” بين ورشة البيدر وغلال المحصول. بدا جليّاً أنّ الولايات المتّحدة برئاسة دونالد ترامب، بصفته أيضاً “مايسترو” الحرب، لم تستطع تحقيق الأهداف التي ذهبت إليها أو أوحت بها لشنّ حرب مؤجّلة كان يمكن لواشنطن شنّها قبل عقود، كردّ فعل مثلاً على قيام وكلاء إيران بتفجير مقرّ المارينز في بيروت عام 1983.

بغضّ النظر عن الإخراج الشكليّ للتوقيع على المذكّرة، باتت جائزةً مقارنة المواقف التي واكبت بداية الحرب مع النهايات المرحليّة التي تعبّر عنها المذكّرة الوليدة

عليّ وعلى أعدائي؟

لم نأتِ على ذكر هذه “الكارثة” الأميركيّة جزافاً. أثارها الرئيس الأميركيّ بالذات في الساعات التي تلت بدء الحرب لتسويقها لدى الرأي العامّ الأميركيّ. لم يقدّم الأمر حينها بصفته نزاعاً على ملفّات خلافيّة مهما كبر شأنها، بل كتصفية حساب قديم، ما يزال يوجع الذاكرة الجمعيّة للأميركيّين. كانت قوّات المارينز من بين القوّات المتعدّدة الجنسيّات التي كانت ترابط في لبنان ضمن إجراءات ما بعد الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982، لكنّ كارثة مفاجئة سدّدت صفعة مدوّية إلى واشنطن.

في 23 تشرين الأوّل 1983 اقتحمت شاحنة مفخّخة مقرّ كتيبة مشاة البحريّة الأميركيّة (المارينز) بالقرب من مطار بيروت الدوليّ. بعد ذلك بدقائق وقع هجوم ثانٍ استهدف مبنى “دراكار” المكوّن من 9 طوابق في منطقة الرملة البيضاء في بيروت، والذي كان يضمّ المظلّيّين الفرنسيّين.

أسفرت التفجيرات المزدوجة عن مقتل 241 عسكريّاً أميركيّاً و58 مظلّيّاً فرنسيّاً. أعلنت “منظّمة الجهاد الإسلاميّ” مسؤوليّتها، وهي واجهة عرفت باريس وواشنطن أنّ طهران وراءها. لاحقاً سحبت الولايات المتّحدة (في عهد رونالد ريغن) وفرنسا (في عهد فرانسوا ميتران) قوّاتهما من لبنان، وانسحبت معها كلّ القوّات الدوليّة عام 1984.

في استعادة ترامب للحدث، وتهكّمه على عدم قيام بلاده خلال 47 عاماً بالتصدّي لإيران، ما أوحى لطهران أنّ الحرب تستهدف وجود نظامها بعد 43 عاماً من حادثة بيروت. استنتجت أيضاً أنّ العناوين الأخرى للحرب، لا سيما “القنبلة النوويّة”، هي مغلّف يخفي المرامي الحقيقيّة للحملة التي تنشد الانتقام من “مذلّة” قديمة. صحيح أنّ ترامب لم يقدّم إسقاط النظام هدفاً رسميّاً، وقد تكون حكايته عن “مارينز” بيروت من ضمن الأبجديّات الشعبويّة التي يستخدمها في خطبه، غير أنّ طهران عجّلت في الانتقال الفوريّ إلى استراتيجية “عليّ وعلى أعدائي”.

قد يمكن الجزم أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل خاضتا حرباً انفعاليّة استندت إلى غطرسة فائض القوّة، ونهلت من معطيات استخباريّة عسكريّة وأمنيّة وسياسيّة متعجّلة. وفيما قلّة الكلام هي من قواعد الحرب إلّا ما هو لزوم البروباغندا المصاحبة، غير أنّ ما صدر عن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو من استعراضات كلاميّة ومن تخبّط في نسخها منح الجانب الإيرانيّ هامش تحرّك يائس استدعت به بلدان المنطقة (الخليج والأردن ولبنان خصوصاً) والعالم برمّته (عبر خنق مضيق هرمز) إلى حرب تستهدفها وحدها.

سيكون عسيراً على إيران التصديق بأنّ واشنطن ستكتفي بالمذكّرة والتفاوض سبيلاً وحيداً للاتّفاق

عقدة لبنان؟

كان واضحاً أنّ ترامب ونتنياهو وما يمثّلانه من عقائد وطباع متقاطعة تواطآ على صناعة حدث من وراء ظهر العالم. حين عرفنا في العقود الأخيرة حروباً كبرى ذات أبعاد دوليّة، مثل حرب تحرير الكويت (1991) أو ضدّ نظام طالبان في أفغانستان (2001) أو ضدّ نظام صدّام حسين في العراق (2003) أو حتّى ضد صربيا وليبيا… إلخ، قامت تحالفات إقليميّة – دوليّة، وبعضها استند إلى قرارات من مجلس الأمن الدوليّ. غير أنّ الحرب الأخيرة شُنّت من دون بيئة إقليميّة ودوليّة مواكبة، إذا لم تكن حاضنة، وهو ما ولّد تشقّقاً وشللاً في عمل النظام الدوليّ، وأحال الحرب شأناً لا يريد العالم الانخراط فيه.

بين حرد أوروبا وحرج دول المنطقة وتحفّز دول كبرى أساسيّة (مثل روسيا والصين)، تمكّنت إيران من جعل الحرب أكثر كلفة للعالم واقتصاده. تمكّنت أيضاً من جعل عامل الوقت، على الرغم من آثاره المدمّرة في إيران، ضاغطاً أيضاً على أجندة ترامب داخل الولايات المتّحدة. لم يتأخّر الرئيس الأميركيّ في استنتاج هذه الحقيقة، وراح يسقط أوراقاً ويؤجّل أخرى، مركّزاً على تحقيق هدف واحد هو منع إيران من اقتناء قنبلة نوويّة.

إقرأ أيضاً: لبنان رهينة “الحرس” ونتنياهو: من يوقف الحرب؟

لم يعد ترامب يتحدّث عن البرنامج الصاروخيّ وعلاقة طهران بوكلائها في المنطقة، حتّى إنّه أسقط وعده بـ”الاستيلاء” على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتدميره في الولايات المتّحدة. بدا أنّ الحجّة الداهمة الوحيدة لتبرير شنّ حرب كان قد وعد ناخبيه بأنّها ليست من شيمه، هي تدمير سلاح دمار شامل سيستهدف الولايات المتّحدة يوماً ما. احتوت مذكّرة التفاهم شيئاً ما عن ذلك الهدف، وأسقطت أيّ أهداف أخرى. وإذا ما كانت إيران تعتبر في ثنايا الفعل منذ عقود أنّ “القنبلة” ضمان وحيد لبقاء النظام، يصعب على أيّ مراقب الإيمان بأنّ طهران ستقبل، عبر التفاوض والدبلوماسيّة فقط، تسليم الضمان الوحيد لبقاء نظامها.

ما تحقّق هو نتاج مفاجآت الميدان في العسكر والسياسة والدبلوماسيّة الدوليّة. سيكون عسيراً على إيران التصديق بأنّ واشنطن ستكتفي بالمذكّرة والتفاوض سبيلاً وحيداً للاتّفاق. فإذا ما سعى ترامب إلى تبشير الأميركيّين بتخليصهم من “مذلّة” ارتكبها ريغن وبعده رؤساء أميركا، بما فيهم باراك أوباما خصوصاً، فإنّ أمام ترامب مواجهة وابل من الأسئلة والتحدّيات، بعضها في واشنطن، وبعضها في إسرائيل، وبعضها الثالث في المنطقة والعالم، بشأن حرب لم تنتهِ، وقد تكون مؤجّلة، يراقبها العالم من على مقاعد المتفرّجين. وإذا باشر ترامب حربه متّكئاً على “عقدة بيروت”، فإنّ مصير الاتّفاق الحاليّ بات رهن “عقدة لبنان” من جديد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تخطف “أرض الصومال” في عتمة الحرب

في خضمّ الانشغال بإيجاد مخارج للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة وإيجاد حلّ لأزمة مضيق هرمز، مرّ حدثٌ استراتيجيّ بالغ الأهميّة من دون أن يحظى بالقدر الكافي من…

“الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

على الرغم من دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، لا يزال “الحزب” متمسّكاً بلغته القديمة. تغيّر كلّ شيء في “الحزب”. لم يبقَ شيء من…

هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على…

لبنان رهينة “الحرس” ونتنياهو: من يوقف الحرب؟

يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة…