يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة ثانية، وقف الحرب على جبهة لبنان، استناداً إلى الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ.
أدّت تجربة هؤلاء الماضية مع “حرس الثورة” إلى هدر فرص عدّة برفض “الحزب” التزام وقف النار. أمّا نتنياهو فالقناعة اللبنانيّة أنّه سيتحرّك بين حدّين: مواصلة الحرب للذهاب إلى الانتخابات الخريف المقبل كـ”إله الحرب”، وبقاء جيشه في المناطق التي احتلّها للحؤول دون عودة النازحين.
يقرّ مصدر دبلوماسيّ لصيق بالمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة بأنّ ما حقّقه لبنان بالجولة الأخيرة الرابعة (الثاني والثالث من حزيران)، أي وقف النار وتطبيق المناطق التجريبيّة، يبقى محدوداً.
هاتان النقطتان لم تنفَّذا ميدانيّاً، ويأمل الوفد اللبنانيّ الإفادة من الدعم الأميركيّ لترجمتهما على الأرض في الجولة الخامسة المنتظرة في 22 حزيران. لكنّ هذا الرهان قائم من دون أوهام على ثبات التحالف الأميركيّ الإسرائيليّ.
انطلق الاهتمام الأميركيّ بوقف الحرب في لبنان من حرص واشنطن على إنجاح وقف النار الأوّل في الحرب مع إيران في أيّار الماضي، والذي كان يفترض أن يترافق مع قبول “الحزب” بوقفه جرّاء التفاهم الأميركيّ اللبنانيّ عليه عبر مسار واشنطن. لو قبل “الحزب” به لكان حصل من دون شروط، من جهة، ولكان استبق التوسّع الإسرائيلي شمال الليطاني وصولاً إلى مشارف النبطيّة من جهة ثانية. وكان ليتجنّب المراعاة الأميركيّة لاشتراط إسرائيل في الجولة الرابعة للتفاوض انسحاب “الحزب” من جنوب الليطاني. ينوي نتنياهو استباق توقيع الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ رسميّاً بتحقيق مكاسب ميدانيّة بعد احتلاله تلّة عليّ الطاهر المشرفة على مدينة النبطيّة ومناطق حيويّة محيطة بها.
يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة ثانية
عودة إلى سحب سلاح “الحزب”؟
مع التباينات بين دونالد ترامب ونتنياهو، التي دفعت الأوّل إلى انتقاد تصرّفات الثاني وقصفه الضاحية الجنوبيّة لبيروت، يشكّل موضوع سحب سلاح “الحزب” نقطة تقاطع أكيدة بينهما. كانت هذه التباينات دفعت واشنطن إلى فرض وقف النار على إسرائيل، الذي رفضته طهران و”الحزب”. رأى مصدر قريب من المفاوضات أنّ إصرار “الحزب” على الالتحاق بالموقف الإيرانيّ أجهض، في حينها، فرصة اختبار الدعم الأميركيّ لتثبيت وقف النار على جبهة لبنان. فقد رفض “الحزب” إصدار إعلان بقبول وقف النار كان مطلباً أميركيّاً يساعد على ممارسة ضغوط على إسرائيل كي تعالَج العناوين الباقية عبر التفاوض.
ما ستكشفه الأيّام المقبلة بعد توقيع الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ هو مدى التجاوب الأميركيّ في مفاوضات 22 حزيران مع إطلاق الآليّة التطبيقيّة لفكرة المناطق التجريبيّة التي تقود إلى انسحاب إسرائيليّ منها لينتشر الجيش ويعود النازحون، وكيف ستوفّق إدارة دونالد ترامب بين ابتعاد “الحزب” عن هذه المناطق وسحب سلاحه وبين الانسحاب الإسرائيليّ.
رهان على تباين ترامب ونتنياهو مجدّداً
مع رفض نتنياهو وقف عمليّاته في جنوب لبنان أو انسحاب قوّاته وإبلاغه ترامب بذلك، كان معبّراً ربط رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير بقاء قوّاته بالترتيبات الأمنيّة التي يفترض التوصّل إليها في المفاوضات مع لبنان. واعتبر أنّ البقاء في الجنوب يعزّز مطالب تل أبيب في هذه المفاوضات، التي ترتكز على مطلب تفكيك البنية العسكريّة لـ”الحزب”.
ما يخشاه الفريق اللبنانيّ المفاوض أن يتيح استمرار إيران و”الحزب” في رفض مخرجات مفاوضات واشنطن لنتنياهو أن يواصل حربه، وأن يعود ترامب إلى تفهّم حاجات الدولة العبريّة.
يعود التفهّم الأميركيّ للموقف اللبنانيّ الرسميّ إلى الاستقلال الكامل للقرار اللبنانيّ عن مسار التفاوض الإيرانيّ الأميركيّ. هذا إضافة إلى إصراره على الحاجة إلى وقف النار من أجل مقاربة عودة الجيش إلى المناطق التي انكفأ عنها لبسط سيادة الدولة. يذكر المصدر اللبنانيّ المعنيّ بالمفاوضات أنّ استقلاليّة موقف لبنان تهدف إلى التعويض عن مسار استمرار ربط الحرب عليه بقرار إيران، وما تسبّبه من نكبة التهجير والقتل والتدمير بفعل الاختلال الكبير في ميزان القوى العسكريّة.
يسجّل المؤيّدون للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل أنّ رفض “الحزب” رهان السلطة على الدعم الأميركيّ بوجه التصلّب الإسرائيليّ يناقض الرهان الإيرانيّ على ترامب للجم نتنياهو. استجابت طهران نفسها لترامب بعدم قصف شمال إسرائيل بناءً على طلبه، وذلك ردّاً على ضرب إسرائيل للضاحية الجنوبيّة قبل ساعات من إعلان الاتّفاق.
ما ستكشفه الأيّام المقبلة هو مدى التجاوب الأميركيّ في مفاوضات 22 حزيران مع إطلاق الآليّة التطبيقيّة لفكرة المناطق التجريبيّة التي تقود إلى انسحاب إسرائيليّ منها لينتشر الجيش ويعود النازحون
واشنطن ودور إيران بلبنان
يؤكّد المصدر الدبلوماسيّ أنّ الجانب اللبنانيّ فهم بوضوح في واشنطن أنّ حصر الاتّفاق على وقف الحرب على البلد بالاتّفاق مع إيران غير وارد. ودفع إمساك السلطة اللبنانيّة بالتفاوض واشنطن إلى ممارسة ضغوطها على تل أبيب كي تقبل بوقف النار، على قاعدة التوافق الدوليّ العربيّ الأميركيّ والأوروبيّ الرافض لاستمرار الدور الإيرانيّ في لبنان. لكنّ المشكلة تبقى في امتناع إسرائيل عن التجاوب مع ما تريد أميركا من تمكين السلطة اللبنانيّة من الإمساك بالقرار في الجنوب.
يذهب المصدر نفسه إلى القول إنّ استقلال الموقف اللبنانيّ وإعلان النيّات الذي صدر عن الجولة الرابعة من المفاوضات فجّر الخلافات في إسرائيل، لاعتبار معارضي نتنياهو، سواء داخل الحكومة أو خارجها، أنّ قبول وقف النار والمناطق التجريبيّة تنازلٌ عن أهداف الحملة العسكريّة.
الاحتياط لعودة الحرب وإطالة التّهجير
في مقابل التطلّعات نحو تثبيت وقف النار واستعادة الدولة سيادتها بعد الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ، يعتقد قطب سياسيّ أن إسرائيل لن تتوقّف عند حدود في إقامتها منطقة أمنيّة خالية من السكّان في الجنوب عبر مواصلتها تهجير الجنوبيّين، فنتنياهو سيواصل الحرب.
إقرأ أيضاً: اللّيطاني يحوِّل لبنان… الضاحية أو دبي
يستبعد القطب نفسه نجاح المراهنات على التفهّم الأميركيّ لمطالب لبنان، نظراً إلى عمق التحالف مع إسرائيل. والدليل على ذلك أنّ إعلان النيّات الذي صدر عن مفاوضات واشنطن لم يذكر أيّ نصّ عن الانسحاب الإسرائيليّ. ويشكّ هذا القطب في أن تسمح إسرائيل بعودة النازحين في إطار المناطق التجريبيّة.
يدعو القطب نفسه إلى الاحتياط للأسوأ، وهو إمكان استئناف إسرائيل الحرب، وإصرارها على منع عودة النازحين. فالتطوّرات الدراماتيكيّة المحتملة تستوجب استباق إطالة أمد التهجير، وهو ما يتطلب تنظيم إقامة النازحين في مناطق على المسؤولين تحديدها بأيّ ثمن.
لمتابعة الكاتب على X:
