حسمت الحرب، البادئة منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وصولاً إلى عمليّة “الغضب الملحميّ” ضدّ إيران، الكثير من الخلاصات العسكريّة. فُكّكت البنية العسكريّة المباشرة لطهران في عقر دارها، تفكيكاً حاسماً. جُرِّدت الجمهوريّة الإسلاميّة من منظومات دفاعها الجوّيّ، وترسانتها الصاروخيّة، وطبقة قيادتها العسكريّة، فضلاً عن الضرر الفادح المُعطِّل لمنشآتها النوويّة، وهو ما دفع طهران للتعويض عن ذلك باحتجاز مضيق هرمز كرهينة استراتيجيّة.
بيد أنّ البُعد الحضاريّ للمواجهة لا يزال معلّقاً، ويمثّل لبنان ساحة البتّ النهائيّ فيه. يُصنع هذا الحسم اليوم على ضفاف نهر الليطاني في جنوب لبنان، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على ترتيبات أمنيّة حدوديّة، بل تحوّلت إلى استفتاء استراتيجيّ حول مستقبل المشروع الإيرانيّ في المنطقة: هل يُدفن هذا المشروع مع الجسد الإيرانيّ المهشّم، أم تنجح روحه في البقاء داخل آخر معاقلها العربيّة عبر “الحزب”؟
كتبت مراراً أنّ أحداث السابع من أكتوبر شكّلت ذروة التصادم بين مشروعين متنازعين على هويّة الشرق الأوسط:
مشروع الانفتاح السياسيّ بالتفاوض مع إسرائيل، بكلّ صيغه المتفرّقة، ومشروع ما يسمّى المقاومة الدائمة الذي يستمدّ شرعيّته من استدامة النزاع والسلاح العابر لسيادة الدولة.
خرجت طهران في مواجهاتها العسكريّة الأخيرة بنتيجة سمحت للنظام الإيرانيّ بالحفاظ على هيكله، وأتاحت له إنجاز ترتيبات انتقال السلطة داخليّاً، عبر صعود مجتبى خامنئي، تحت وطأة النيران. لكن بإزاء النقص الفادح الذي يعتري هذه النتيجة، تراهن طهران على استراتيجية إعادة إحياء الجسد عبر العضو الوحيد الباقي، والمتمثّل في ذراعها الأقوى والأخير: “الحزب”.
البُعد الحضاريّ للمواجهة لا يزال معلّقاً، ويمثّل لبنان ساحة البتّ النهائيّ فيه
في بيروت تُدفن أدبيّات المحور
أصبح لبنان الساحة الأخيرة التي يُقرّر فيها مصير هذا النفوذ بأيدٍ لبنانيّة وعربيّة، ووفقاً لقرارات سياديّة من الداخل، وليس عبر تدخّل عسكريّ خارجيّ محض، أميركيّ أو إسرائيليّ. من هنا تكتسب بيروت قيمتها الرمزيّة. منها صُدِّرت أدبيّات “محور المقاومة”، وفيها يمكن أن تُدفن.

على مدى عقود، اقتاتت الحالة الميليشياويّة في لبنان على سرديّة “التحرير” عام 2000، وثُبِّتت ركائزها بعد حرب 2006 عبر تحويل الإخفاقات الإسرائيلية إلى انتصارات سياسيّة أسرت قرار الدولة اللبنانيّة. لا شيء من ذلك يبدو متاحاً الآن. تحوّل الجنوب إلى ركام، وستُحرم القرى والبلدات والمدن المرهونة للمحور من فرص إعادة الإعمار، وستجد بيئة المحور نفسها تدفع منفردةً كلفة حربٍ لم تكن شريكة في قرارها.
لحظة الحسم
وعليه، تتحرّك الوقائع الميدانيّة والسياسيّة الآنيّة نحو لحظة حسم ترعاها واشنطن، قد تنجح في استيلاد مسار سياسيّ وتحوّل بنيويّ في لبنان:
1- عزل الميليشيا: جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة تفاوض واحدة بمعزل عن “الحزب”.
2- الالتزام السياديّ: تعهّد حكومة جوزف عون ونوّاف سلام بحصر السلاح بيد الدولة، ووضع الجيش اللبنانيّ لجدول زمنيّ لنزع السلاح جنوب الليطاني.
3- القطيعة البنيويّة: طيّ صفحة النوايا العدوانية بين إسرائيل ولبنان بموجب البيان الثلاثيّ في حزيران، وهو ما يؤسّس لولادة الدولة من تحت ركام الحالة الميليشياويّة.
اختبار تاريخيّ
إنّ الانتقال من توقيع الاتّفاقات إلى التنفيذ الفعليّ يضع الجيش اللبنانيّ، المثقل بالصعوبات الاقتصاديّة والتوازنات الطائفيّة المعقّدة، أمام اختبار تاريخيّ لفرض احتكار القوّة، وهو ما عجزت عنه القرارات الدوليّة المتعاقبة (1559 و1701). لذلك يتطلّب الأمر غطاءً عربيّاً ودوليّاً صلباً، ودعماً ماليّاً مستداماً، وإرادة سياسيّة محلّيّة لا تتراجع عند الضغوط الأولى.
أصبح لبنان الساحة الأخيرة التي يُقرّر فيها مصير هذا النفوذ بأيدٍ لبنانيّة وعربيّة، ووفقاً لقرارات سياديّة من الداخل
في المقابل، جاءت مواقف الأمين العامّ لـ”الحزب”، نعيم قاسم، لتؤكّد حجم الرهان الإيرانيّ وما يتهدّده، حين اعتبر مطالب معالجة السلاح “استسلاماً وهزيمة”، وهو إقرار علنيّ بأنّ نزع السلاح يمثّل نهاية المشروع التوسّعيّ برمّته.
إنّ استعادة بيروت لسيادتها ودولتها بأدوات الشرعيّة تمثّل الدليل العمليّ الدامغ على تفكيك بقايا المحور في المنطقة، وتعزيز مسار يقوم على إحلال اقتصاد السلم وعوائد التنمية مكان ريع الحرب، وإعلاء الهويّة الوطنيّة على الولاءات الأيديولوجيّة العابرة للحدود.
هنا يكمن الرابط المباشر مع استقرار منطقة الخليج العربيّ. فالنموذج القائم على تدفّق رؤوس الأموال وسلاسة الأسواق المفتوحة يحتاج إلى أن تكون بيروت هي العنوان الذي يتأكّد فيه إنهاء ظاهرة الدول المخطوفة لحماية خاصرة المشروع العربيّ الجديد.
لئن كانت تسوية النزاع مع إيران تتّجه نحو صيغة “إدارة أزمة”، يتحتّم عدم القبول بما يسمح لإيران بإعادة الاندماج الدوليّ بالتزامن مع الاحتفاظ بسلاح “الحزب”، لأنّ ذلك يعني تأجيل المواجهة الحضاريّة لجولات قادمة وأكثر كلفة. إمّا احتكار الدولة اللبنانيّة للقوّة ودفن أسطورة السلاح خارج الشرعيّة، وبذلك يكتمل النصر الحضاريّ، وإمّا نجاة الميليشيا، وهو ما يعني اضطرار المنطقة إلى تعايش طويل المدى مع إيران منهكة عسكريّاً ولكنّها قادرة على المناورة واستعادة نفوذها.
إقرأ أيضاً: كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان
يحتاج الحسم إلى جراحة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة داخليّة بالغة التعقيد، تبدّد المخاطر المترتّبة على نجاة الميليشيا بالتعادل أو وهم الصمود.
الكلمة الأخيرة في هذه المعادلة الاستراتيجيّة تُكتب اليوم على ضفاف الليطاني، وبحبر لبنانيّ يصيغ هويّة الشرق الأوسط الجديد: إمّا “الضاحية” وإمّا “دبي”…
لمتابعة الكاتب على X:
