في انتظار معرفة من يجب أن نصدّق في ما يخصّ نصّ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، يمكن ملاحظة ذلك التركيز الإيراني على لبنان وكونه جزءًا لا يتجزّأ من تلك المذكرة. اتصل عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني بالرئيس جوزف عون للتحدّث إليه عن مذكرة التفاهم وإقناعه بأن إيران لم تتجاهل لبنان. نسي عراقجي كل الحملة التي شنّها شخصيًا، إلى جانب مسؤولين إيرانيين آخرين وتابعين لهم في لبنان، على رئيس الجمهورية اللبنانية. في أساس الحملة على جوزف عون رفضه تدخل “الحرس الثوري” الإيراني في الشؤون الداخلية اللبنانية من جهة، والإصرار اللبناني على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن من جهة أخرى.
يوجد من يسمّي تصرّف عراقجي “خبثًا” إيرانيًا، ويوجد من يفسّره بـ”الدهاء الإيراني” الذي مكّن “الجمهورية الإسلامية” من الوصول إلى مذكرة التفاهم التي تعني، بين ما تعنيه، وجود سياسة أميركية مختلفة عن السياسة الإسرائيلية في شأن إيران. نجحت إيران في الفصل بين أميركا وإسرائيل. هذا واقع لا يمكن تجاهله إذا أخذنا في الاعتبار تصريحات دونالد ترامب نفسه وردود فعل بنيامين نتنياهو على مذكرة التفاهم التي تشير إلى تقدّم جناح في الإدارة بقيادة نائب الرئيس جي. دي. فانس. وضع هذا الجناح يده على الملف الإيراني مع ميل إلى جعل لبنان، بطريقة أو بأخرى، مشمولًا بالعلاقة الأميركية – الإيرانية.
أفضل ما فعله لبنان في هذه المرحلة، يتمثل في المحافظة على الفصل بين مساره والمسار الإيراني، خصوصًا في وجود إدارة أميركية يقول رئيسها الشيء وعكسه في اليوم نفسه
مخرجٌ من المأساة؟
لا بدّ من الاعتراف بأنّ إيران حققت، وإن مؤقتًا، اختراقًا مع إدارة ترامب. ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أنّ لهذا الاختراق حدودًا يفهمها لبنان جيدًا. إذا كان هناك تاريخ الثاني من آذار (2026) الذي يقول نعيم قاسم الأمين العام لـ”الحزب” إن لا عودة إلى ما قبله، فإن لدى الدولة اللبنانية تواريخ عدة لا يمكن العودة إلى ما قبلها، بينها تاريخ إعلان حكومة نواف سلام رفض وجود سلاح “الحزب”، ثم إعلان بيروت “منزوعة السلاح”.
يظلّ التاريخ الأهم بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية تاريخ بدء المفاوضات مع إسرائيل من أجل معرفة ما الذي تريده. صحيح أن إيران تمتلك جزءًا من القرار في لبنان، لكن الصحيح أنّ إسرائيل باتت، منذ إطلاق “الحرس الثوري” صواريخه الستة من جنوب لبنان انتقامًا لاغتيال علي خامنئي، تحتل ما يقارب عشرة في المئة من مساحة الأرض اللبنانية. لا حاجة إلى سرد كل ما ارتكبته إسرائيل في جنوب لبنان وحتى في البقاع بفضل المبررات التي وفّرتها لها إيران، عبر “الحرس الثوري” و”الحزب”. الحاجة أكثر من أي وقت، في المقابل، إلى مخرج للبنان من المأساة التي أوصلته إليها إيران…
ما حصل في سوريا، في نهاية 2024، كان تغييرًا ذا طابع إقليمي، هو الأول من نوعه منذ ما يزيد على نصف قرن، وهو تغيير ليس برسم شيعة لبنان فحسب، بل برسم “الجمهورية الإسلامية” ودورها الإقليمي أولًا وأخيرًا
تستطيع إيران قول كل الكلام الذي تريده عن دعم لبنان وعن قدرتها على تأمين انسحاب إسرائيلي، عبر مفاوضاتها مع واشنطن. لكن كل لبناني يعرف أنّ لا انسحاب إسرائيليًا، في يوم من الأيام، من دون العودة إلى الدولة اللبنانية. أقصى ما تستطيع “الجمهورية الإسلامية” عمله هو بيع الجنوبيين الأوهام. غدًا، أو بعد غد، سيجد النازحون أنفسهم أمام الاستحقاق الحقيقي. يتمثل هذا الاستحقاق في “حق العودة” إلى قراهم، وهو حق ينادي به فلسطينيون منذ نكبة 1948!
لعلّ أفضل ما تعمل عليه الدولة اللبنانية في هذه المرحلة، يتمثل في المحافظة على الفصل بين مساره والمسار الإيراني، خصوصًا في وجود إدارة أميركية يقول رئيسها الشيء وعكسه في اليوم نفسه. الأخطر من ذلك كله أنّ دونالد ترامب يتحدث، في أحيان كثيرة، في مواضيع لا يفقه فيها. على سبيل المثال، وليس الحصر، كيف يمكن لشخص يمتلك حدًا أدنى من الفهم السياسي للأمور في الشرق الأوسط أن يقول: “إنّ الرئيس السوري أحمد الشرع قام بعمل مذهل. اقترحت على إسرائيل أن تتولى سوريا أمر الحزب في لبنان”. من الواضح أنّ ترامب يرفض سماع أي كلام مسبق عن هموم الشرع هذه الأيام. أكثر من ذلك، يرفض سماع تأكيداته بالنسبة إلى رفض أي تدخل سوري في لبنان.
أين الجيش؟
يثير مثل هذا الكلام عن سوريا ودورها المحتمل في لبنان شكوكًا في ما إذا كان دونالد ترامب يعرف ما الذي يتحدث عنه عندما يتعلّق الأمر بإيران أيضًا. يدفع مثل هذا الكلام الرئاسي الأميركي ذي الطابع التبسيطي إلى تمسّك لبنان أكثر بقراره المستقل، بعيدًا عن تاجر السجاد الإيراني وحساباته القائمة على المتاجرة بالجنوب وأهله، وبعيدًا عن الشعارات التي سترفع عن “انتصارات” تحققت في جنوب لبنان. إذا كان من انتصار حققه “الحزب”، فهذا الانتصار كان على الجنوب وشيعة الجنوب الذين لن يعيدهم إلى أرضهم غير ما تقوم به الحكومة اللبنانية التي تسعى إلى معرفة ما الذي تريده إسرائيل بدقة.
إقرأ أيضاً: هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟
الأكيد أن السؤال المتعلق بالدور الذي سيلعبه الجيش اللبناني وبقدراته سيطرح نفسه عاجلًا أم آجلًا. لن يكون أسهل على المفاوض الإسرائيلي التساؤل: أين الجيش اللبناني؟ الأكيد أيضًا أنّ ما يمكن أن يساعد لبنان، ليس الكلام اللامنطقي وغير المفهوم لترامب عن دور سوري في لبنان.
ما حصل في سوريا، في نهاية 2024، كان تغييرًا ذا طابع إقليمي، هو الأول من نوعه منذ ما يزيد على نصف قرن، وهو تغيير ليس برسم شيعة لبنان فحسب، بل برسم “الجمهورية الإسلامية” ودورها الإقليمي أولًا وأخيرًا.
