ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

مدة القراءة 6 د

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ واستيعابه. ما لن يحتاج، لا إلى أيّام ولا إلى أسابيع، الحكم على فشل رهان دونالد ترامب على تدخّل سوريا في لبنان عسكريّاً من أجل ضبط “الحزب.

 

ليس مفهوماً، في أيّ شكل أو منطق، إصرار الرئيس الأميركيّ على دفع الرئيس أحمد الشرع إلى الدخول إلى لبنان عسكريّاً والاصطدام بـ”الحزب”، استناداً إلى ما ارتكبته إيران في حقّ الشعب السوريّ، مباشرة أو عبر أداتها اللبنانيّة.

لا تفسير منطقيّاً لتصرّف دونالد ترامب مع أحمد الشرع غير الجهل بالشرق الأوسط والوضع السوريّ. لا يبشّر هذا التصرّف بالخير. لا يعرف الرئيس الأميركيّ أنّ أجندة النظام السوريّ الجديد مختلفة تماماً عن تفكيره ذي الطابع التبسيطيّ الذي يقوم على تجربة دخول الجيش السوريّ إلى لبنان في العام 1976، بغطاء عربيّ وإسرائيليّ، من أجل وضع اليد على القواعد التابعة للمنظّمات الفلسطينيّة في لبنان.

افتعال كمّيّة من الدّخان

في أواخر العام 1975 أرسل هنري كيسينجر، وزير الخارجيّة الأميركيّ وقتذاك، الديبلوماسي المحترف دين براون إلى لبنان. استناداً إلى الديبلوماسي الوحيد الذي رافق دين براون والذي كانت مهمّته تسجيل محاضر الاجتماعات التي سيعقدها المبعوث الأميركيّ، كانت مهمّة دين براون محدّدة بتمرير الوقت ليس إلّا. قال لي هذا الديبلوماسي، الذي كان في 1975، في بداية حياته المهنيّة، إنّ كيسينجر طلب من دين براون “افتعال أكبر كمّيّة من الدخّان” كي تظهر الإدارة الأميركيّة في مظهر من يحاول إيجاد حلّ للأزمة اللبنانيّة التي بدأت في 13 نيسان من تلك السنة (بوسطة عين الرمّانة).

دخل حافظ الأسد إلى لبنان بغطاء أميركيّ وشروط إسرائيليّة معروفة. لا يستطيع دونالد ترامب استعادة تلك التجربة

اكتشف كيسينجر، بعد مرور أشهر قليلة على اندلاع الأزمة اللبنانيّة وعودة دين براون إلى واشنطن، أنّ الحلّ الوحيد لمنع هذه الأزمة من أن تصبح نزاعاً إقليميّاً، يتمثّل في دخول الجيش السوريّ إلى لبنان وسيطرته على القواعد الفلسطينيّة.

كان حافظ الأسد أعدّ نفسه لتلك المهمّة منذ ما قبل احتكاره للسلطة في تشرين الثاني 1970… ثمّ تولّيه الرئاسة في بداية 1971. كان أحكم قبضته على الجيش السوريّ وحوّله إلى جيش يسيطر عليه الضبّاط العلويّون. في الوقت ذاته، قدّم الأسد الأب أوراق اعتماده إلى إسرائيل عندما توصّل في 1974 إلى “نقاط تفاهم” مع كيسينجر نفسه في شأن ضمان أمن الدولة العبريّة في الجولان المحتلّ. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ حافظ الأسد وجد، قبل ذلك، في “حرب تشرين” 1973 غطاء شرعيّاً لنظامه الذي أخذ على عاتقه رفع شعارات مقاومة إسرائيل والوقوف في وجهها.

دخل الأسد بغطاء أميركيّ

دخل حافظ الأسد إلى لبنان بغطاء أميركيّ وشروط إسرائيليّة معروفة. لا يستطيع دونالد ترامب استعادة تلك التجربة التي يزيد عمرها على نصف قرن في وقت لا يزال أحمد الشرع يعمل لتثبيت نظامه، ولا يزال يحاول بناء جيش عقائديّ يحلّ مكان الجيش العلويّ الذي بناه حافظ الأسد، والذي مكّنه من توريث السلطة إلى نجله بشّار. لا تزال الحاجة إلى سنوات طويلة لبناء جيش سوريّ لا يكون مجرّد مجموعة من الفصائل والميليشيات التي قاتلت النظام السوري السابق وهزمته بفضل الدعم التركيّ أوّلاً وقرار حكومة بنيامين نتنياهو القاضي بسحب غطائها عن نظام بشّار الأسد ثانياً وأخيراً.

يثير موقف ترامب كلّ المخاوف في منطقة بات هناك شكّ في ما إذا كان الرئيس الأميركيّ في مستوى الأحداث التي تدور في عالمنا وفي امتلاكه القدرة على فهم أبعادها

فوق ذلك كلّه، ليس ما يشير إلى أنّ ترامب يدرك الانعكاسات الإقليميّة لأيّ تدخّل عسكريّ سوريّ في لبنان في وقت لن يكون مستبعداً أن يؤدّي ذلك إلى تدخّل في سوريا لميليشيات “الحشد الشعبيّ” في العراق. تلك ميليشيات معبّأة مذهبيّاً ولن تجد سبباً يدعو إلى تفادي الضغط على سوريا في حال أيّ مواجهة بينها وبين “الحزب” وقسم من شيعة لبنان. لا شكّ أنّ إسرائيل تحلم بذلك اليوم الذي تندلع فيه حرب سنّيّة – شيعيّة، ذات امتداد عراقيّ، مسرحها سوريا ولبنان.

ترامب

في نهاية 1975، كان المسرح اللبنانيّ معدّاً لدخول عسكريّ سوريّ إلى لبنان، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار رغبة حافظ الأسد في وضع يده على القرار الفلسطينيّ المستقلّ من جهة، والعداء الشخصيّ الذي كان يكنّه لياسر عرفات من جهة أخرى. عرف هنري كيسينجر، بما كان يمتلك من عبقريّة سياسيّة وعقل استراتيجيّ، توظيف التناقضات الإقليميّة في مصلحة تفادي تحوّل أزمة لبنان والحروب الصغيرة والكبيرة الدائرة على أرضه، إلى نزاع إقليميّ في عالم كان يعيش في ظلّ الحرب الباردة.

الإدارة الأميركيّة في حيرة من أمرها

في منتصف 2026، توجد إدارة أميركيّة في حيرة من أمرها في ما يخصّ كيفيّة التعاطي مع إيران. لا يعبّر عن هذه الحيرة أكثر من نصّ مذكّرة التفاهم التي توصّلت إليها واشنطن مع طهران، وهو نصّ يفسّره المسؤولون الإيرانيّون على طريقتهم. لا تنمّ تلك المذكّرة سوى عن جهل تامّ بإيران وغياب من هو قادر في واشنطن، من داخل الإدارة، على فهم في العمق لطبيعة النظام الإيرانيّ ورهانه على الوقت وعلى أن لا مجال للتخلّي عن شعار “تصدير الثورة”.

لا تفسير منطقيّاً لتصرّف دونالد ترامب مع أحمد الشرع غير الجهل بالشرق الأوسط والوضع السوريّ

يمكن الأخذ والردّ في ما يتعلّق بمذكّرة التفاهم التي فتحت مضيق هرمز في مقابل تنازلات كبيرة حصلت عليها “الجمهوريّة الإسلاميّة” بينها الإفراج عن أموال مجمّدة ليست معروفة وجهة استخدامها. في المقابل، لا مجال لأخذ وردّ في ما يتعلّق بالتدخّل السوريّ، المطلوب أميركيّاً في لبنان، لا لشيء سوى لأنّ ترامب يطلب من أحمد الشرع القيام بما لا يبدو مستعدّاً للقيام به أو قادراً عليه.

إقرأ أيضاً: “عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

يثير موقف ترامب كلّ المخاوف في منطقة بات هناك شكّ في ما إذا كان الرئيس الأميركيّ في مستوى الأحداث التي تدور في عالمنا وفي امتلاكه القدرة على فهم أبعادها وتعقيداتها…

 

لمتابعة الكاتب على X:

@khairallahkhai5

مواضيع ذات صلة

هل باع ترامب ورقة لبنان؟

يدّعي النظام الإيراني و”الحزب” تحقيق انتصار وهميّ عبر الضغط السياسيّ وممارسة بروباغاندا ممانعة ضدّ الدولة اللبنانيّة عبر الإيحاء أنّ هناك موافقة أميركيّة لبحث ورقة إيرانيّة…

تعيينات الخارجيّة السّوريّة: 4 سيدات وتأكيد مركزية القرار..

تكشف التعيينات الجديدة في وزارة الخارجيّة والمغتربين السوريّة، المعلنة في 21 حزيران 2026، عن محاولة لإعادة تشكيل صورة الوزارة بعد نحو عام من تعيينات 28…

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…

الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة…