الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في واشنطن. إنّه رقم صادر عن وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد، بما يشير إلى أنّ الاتّفاق انعكس إيجاباً على الوضع الداخليّ اللبنانيّ، وإن في حدود معيّنة.
إنّها بداية جيّدة لاتّفاق يستهدف في نهاية المطاف استعادة لبنان أرضه المحتلّة وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم في ظلّ علاقة سلميّة مع إسرائيل.
الأكيد أنّ الاتّفاق ليس مثاليّاً، لكنّ الأكيد أيضاً أنّه أفضل ما يستطيع لبنان الحصول عليه في ظروف في غاية التعقيد. في مقدّم هذه الظروف توازن القوى القائم الذي يعبّر عنه تدمير إسرائيل بشكل كامل أو شبه كامل لنحو 90 قرية لبنانيّة واحتلال ما بين 7 و10 في المئة من الأرض اللبنانيّة.
لا لإضاعة الفرص
من أعاد 400 ألف نازح، من أصل ما يزيد على مليون و200 ألف، إلى الجنوب كان الوفد اللبنانيّ الذي فاوض إسرائيل في واشنطن، أي سيمون كرم وندى حمادة معوّض، وليس “الثنائيّ الشيعيّ” الذي يلعن الاتّفاق وصولاً إلى قول الرئيس نبيه برّي: “عشر مرّات 17 أيّار ولا هيدا الاتّفاق”. حسناً، لماذا وقف برّي وآخرون في حينه ضدّ اتّفاق 17 أيّار وعملوا على إسقاطه؟ لماذا الترحّم على اتّفاق 17 أيّار الذي وُقّع في العام 1983؟ أليس مناسباً استخلاص العبر من الظروف التي رافقت إسقاط 17 أيّار؟
إنّها بداية جيّدة لاتّفاق يستهدف في نهاية المطاف استعادة لبنان أرضه المحتلّة وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم في ظلّ علاقة سلميّة مع إسرائيل
في تسعينيّات القرن الماضي، التقيت العاهل الأردنيّ الراحل الملك حسين مرّات عدّة. كان يقول لي في كلّ مرّة، تقريباً، إنّ علينا أن نتذكّر دائماً أنّ العرب لم يدخلوا يوماً جولة مفاوضات مع إسرائيل وكانوا في وضع أفضل من الذي كانوا عليه في جولة المفاوضات السابقة. كان يعود في الذاكرة إلى قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتّحدة في تشرين الثاني 1947. كان يستعرض المراحل التي مرّ فيها العرب عموماً منذ قرار التقسيم وصولاً إلى توقيع اتّفاق أوسلو في العام 1993 في حديقة البيت الأبيض.
خلص الملك حسين في معظم اللقاءات إلى تأكيد أهميّة التوقيت وعدم إضاعة الفرص المتاحة. أشار في هذا الصدد إلى أنّ الأردن لم يوقّع اتّفاق سلام مع إسرائيل في وادي عربة في تشرين الأوّل 1994 إلّا بعدما أصرّ الفلسطينيّون على السير في أوسلو… من دون أيّ تنسيق، من أيّ نوع، مع المملكة الأردنيّة الهاشميّة.
من المهمّ، في الظروف الراهنة، عدم إضاعة الفرصة المتاحة في وقت توجد إدارة أميركيّة، على الرغم من التجاذبات الداخليّة التي تعاني منها، مستعدّة للمساعدة في بدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيليّ. يدلّ على الجدّيّة الأميركيّة مجيء الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزيّة (سنتكوم)، إلى بيروت بغية اتّخاذ خطوات عمليّة على صعيد “المناطق التجريبيّة”.
مرّة أخرى، أمام لبنان فرصة عليه تفادي إضاعتها. لو انتظر أنور السادات انسحاب إسرائيل من سيناء كي يوقّع اتّفاق سلام معها قبل 47 عاماً، نعم 47 عاماً، لكانت سيناء بما فيها من ثروات من نفط وغاز وأماكن سياحيّة محتلّة إلى يومنا هذا.
كشف الاتّفاق الإطار أنّ في لبنان دولة جدّيّة تمتلك الجرأة. دولة تعرف كيف تحمي مصالحها بدءاً برفض أن يكون البلد تابعاً لإيران. يؤكّد هذا الرفض استيعاباً لتعقيدات الوضع الإقليميّ، بما في ذلك حال العداء، من جانب واحد، بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” ودول مجلس التعاون الخليجيّ الستّ التي تتعرّض بين الحين والآخر لاعتداءات إيرانيّة. تريد “الجمهوريّة الإسلاميّة” تأكيد أنّ استهداف دول مجلس التعاون الستّ ورقة في يدها مثل ورقة مضيق هرمز ومثل ورقة لبنان، حيث لا يهمّها مصير الجنوب والجنوبيّين…
كذلك، هناك استيعاب لبنانيّ لما يدور داخل الإدارة الأميركيّة التي ربطت بين إيران ولبنان في مذكّرة التفاهم التي وقّعتها مع طهران، فيما تعمل في الوقت ذاته على فكّ هذا الارتباط عبر المفاوضات التي دارت في واشنطن!
لو انتظر أنور السادات انسحاب إسرائيل من سيناء كي يوقّع اتّفاق سلام معها قبل 47 عاماً، نعم 47 عاماً، لكانت سيناء بما فيها من ثروات من نفط وغاز وأماكن سياحيّة محتلّة إلى يومنا هذا
لم يكن بالإمكان أفضل ممّا كان
ينتمي من يرفض الاتّفاق الإطار إلى مدرسة حافظ الأسد الذي سلّم الجولان إلى إسرائيل، عندما كان وزيراً للدفاع في 1967، وراح يتاجر به سياسيّاً لدى احتكاره السلطة في سوريا ابتداءً من تشرين الثاني 1970. رفض الأسد الأب في كلّ وقت استعادة الجولان ودفع ثمن ذلك. وافق على وديعة إسحق رابين ولم يوافق عليها في الوقت ذاته. عرض عليه رئيس الوزراء الإسرائيليّ الراحل في 1995 الانسحاب من الهضبة السوريّة المحتلّة كلّها في مقابل ضمانات معيّنة، من بينها إقامة سفارة إسرائيليّة في دمشق. كان ردّ حافظ الأسد أنّ سوريا تقيم علاقات دبلوماسيّة مع دول عدّة لا سفارات لديها في دمشق. أعطى كازاخستان مثلاً على ذلك. كان ردّ رابين، استناداً إلى مسؤول أميركيّ كان في عداد الوفد الذي نقل الرسائل بين الرئيس السوريّ الراحل ورئيس الوزراء الإسرائيليّ: “إذاً، لتعِد له كازاخستان الجولان”!.
إقرأ أيضاً: “القوميّة اللّبنانيّة” وسؤال الهويّة واتّفاق الطّائف
ليس أمام لبنان غير تحمّل مسؤوليّاته بدءاً بالاعتراف بأنّه كان وراء إسقاط اتّفاق الهدنة مع إسرائيل. يوجد بين اللبنانيّين حالياً من يتذكّر اتّفاق الهدنة، لكنّ على من يتذكّر اتّفاق الهدنة الموقّع في 1949، أن يتذكّر أيضاً أنّ اتّفاق القاهرة الذي صوّت عليه مجلس النوّاب اللبناني في 1969 كان تخلّياً من جانب واحد عن اتّفاق الهدنة…
في واشنطن، لم يكن في الإمكان أفضل ممّا كان. ذلك هو شعار المرحلة الذي عمل، في ظلّه، الوفد اللبنانيّ المفاوض. كان لبنان يريد بالفعل الانتهاء من الاحتلال الإسرائيليّ وتأمين عودة النازحين من جهة، وتفادي مصير شبيه بالجولان لجنوب لبنان من جهة أخرى. لن تعيد الشعارات والتمسّك بالسلاح نازحاً واحداً. لن يعيد النازحين والأرض سوى وفاء لبنان بالتزاماته بدل الترحّم على اتّفاق 17 أيّار واتّفاق الهدنة وما شابه ذلك.
