ساعات ثقيلة تمرّ على اللبنانيّين وهم يبحثون عن أجوبة حاسمة: أيّ مصير سيحمله اتّفاق إسلام آباد؟ في أيّ عمق أدرِج الملفّ اللبنانيّ في الاتّفاق العابر للقارّات؟ هل هو فعلاً اتّفاق إطار انتقاليّ قد يرسم معالم المنطقة لعقود من الزمن؟ أم تمديد للهدنة ومن بعدها يخلق الله ما لا تعلمون؟ هل تقف حدود حصّة لبنان من الوثيقة عند تثبيت وقف إطلاق النار أم ستفتح الباب أمام صفقة كبيرة نعرف ألفها ونجهل ياءها؟
يلفّ غموض كبير مندرجات هذا الاتّفاق حتّى اللحظة، لا سيما في شقّه اللبنانيّ. الأكيد، وفق تسريبات الجالسين إلى الطاولة من إيرانيّين وأميركيّين، وخلفهم الإسرائيليّون، أنّ لبنان سيكون حاضراً على الوثيقة، لكنّ الترجمة العملانيّة دونها عقبات وصعوبات جمّة، بسبب الالتباس المحيط بظروف وحسابات الأطراف المعنيّة، كما يقول بعض المعنيّين.
في الواقع، لا يشبه حزيران 2026 ما سبقه من محطّات مماثلة في وقائعها العسكريّة والأمنيّة. لا هو امتداد لآب 2006 حين كانت التوازنات تُصاغ على إيقاع الإقليم، ولا هو نسخة مخفّفة عن تشرين الثاني 2024 الذي بلغت فيه ذروة الاشتباك حدّ احتلال إسرائيل خمس نقاط لا أكثر!
يقف الاحتلال الإسرائيليّ لمساحات واسعة من الأراضي اللبنانيّة كحقيقة قاسية لم تكن موجودة بهذا الحجم في المحطّات السابقة
بين 2006 و2024 و2026
في صيف 2006، توقّفت الحرب فيما كانت رائحة الدمار لا تزال تملأ الجنوب والضاحية، فخرج “الحزب” من تحت الركام مثقلاً بالخسائر، لكنّه محاط بزخم إقليميّ سمح له بأن يتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه محطّة عبور نحو مرحلة جديدة. كانت إيران في موقع التمدّد لا الانكفاء، فيما كانت إسرائيل تخرج من الحرب وهي تحمل أسئلة أكثر ممّا تحمل أجوبة.
أمّا في تشرين الثاني 2024، فقد جاء وقف إطلاق النار على وقع حريق إقليميّ واسع. كانت الجبهات مترابطة، والخرائط تهتزّ تحت أقدام الجميع، فيما ظلّ الاعتقاد سائداً بأنّ الحرب لم تقُل كلمتها الأخيرة بعد. يومها لم يكن وقف النار سوى فاصلة قصيرة داخل نصّ لم يكتمل، وهدنة مؤقّتة في انتظار جولات أخرى من الصراع.
أمّا اليوم، في حزيران 2026، فإنّ المشهد مختلف تماماً. ليست المنطقة في لحظة صعود، بل في لحظة مراجعة. اللاعبون هم أنفسهم، لكنّ أحجامهم تغيّرت، حتّى طموحاتهم باتت أكثر تواضعاً. لم تعُد الأولويّة رسم خرائط نفوذ جديدة، بل الحدّ من الخسائر ومنع الانهيارات الكبرى.
فوق ذلك كلّه، يقف الاحتلال الإسرائيليّ لمساحات واسعة من الأراضي اللبنانيّة كحقيقة قاسية لم تكن موجودة بهذا الحجم في المحطّات السابقة. إنّه احتلال يُثقل أيّ تفاوض ويجعل أيّ هدنة ناقصة، لأنّ النار قد تصمت، لكنّ الأرض تفرض حسابات أكبر. ولذلك يبدو وقف إطلاق النار أقرب إلى استراحة ثقيلة لالتقاط الأنفاس على حافة مرحلة مجهولة.
تتمسّك الدولة اللبنانيّة بمسارها التفاوضيّ بمعزل عن مسار إسلام آباد، فيما يسعى الموفد السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان إلى توحيد الموقف اللبنانيّ من المفاوضات لكي لا يذهب لبنان إلى واشنطن بشكل “أعرج”
في هذا السياق المتبدّل، يبدو أنّ هامش المناورة يتقلّص تدريجاً، وأنّ ما كان يُطرح بوصفه معادلات مفتوحة بات أقرب إلى خيارات محدودة ومحكومة بميزان قاسٍ من الوقائع. أمّا “الحزب” فيجد نفسه أمام اختبار صعب بين خطاب لا يزال يحتفظ بسقفه العالي، وواقع يفرض عليه إدارة التراجع أو التكيّف مع الشروط الصعبة التي تفرضها المرحلة.
في هذا المشهد، عجزت إيران عن فرض معادلة شاملة أو إعادة رسم قواعد اللعبة. أقصى ما قد يتحقّق هو تثبيت وقف إطلاق النار، وهو أمر غير محسوم أيضاً، كهدنة سياسيّة وأمنيّة تُجمّد الاشتباك ولا تنهيه، وتفتح الباب أمام زمن معلّق، لا هو حرب مفتوحة ولا هو سلام مستقرّ، بل حالة انتظار طويلة لنتائج لم تنضج بعد.
يتبدّى هنا في مقاربة “الحزب” مشهدٌ يحمل قدراً من التناقض بين السقف السياسيّ المُعلن وبين الإيقاع العمليّ الذي تفرضه التطوّرات. في الخامس من حزيران، رسم الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم خطاباً حادّاً في مضمونه، حين طالب بـ”وقف شامل” للنار وانسحاب إسرائيليّ كامل من الأراضي اللبنانيّة، رافضاً أيّ تجزئة بين الجنوب وباقي الجغرافيا اللبنانيّة، ومؤكّداً أنّ المقاومة ستبقى قائمة ما دام الاحتلال قائماً.
غير أنّ المشهد الإقليميّ يثبت أنّ “الحزب” يتّجه عمليّاً نحو القبول بوقف إطلاق نار، من دون أن يترافق بالضرورة مع معالجة فوريّة لمسألة الاحتلال الإسرائيليّ الذي يقدَّر بأكثر من 600 كيلومتر مربّع داخل الأراضي اللبنانيّة.
مساحة معلّقة بين مصيرين
من هنا، تبدو مهلة الستّين يوماً التي يتيحها الاتّفاق الأميركيّ- الإيرانيّ كأنّها مساحة معلّقة بين مصيرين: إمّا ولادة شرق أوسط جديد، أو استراحة لترتيب الحرب المقبلة. وبالتالي نحن أمام احتمالين:
- تتحوّل الهدنة إلى جسر نحو صفقة كبرى تتجاوز لبنان إلى الإقليم بأسره. عندئذٍ ستجلس إسرائيل إلى طاولة المفاوضات وهي تمسك بورقة الاحتلال باعتباره أصلاً سياسيّاً وأمنيّاً تريد استثماره إلى أقصى الحدود، على أن يكون سلاح “الحزب” في مقدَّم الأثمان المطلوبة، لا باعتباره عبئاً تسعى إلى التخلّص منه.
- أن تكون هذه الهدنة سكوناً مؤقّتاً بين عاصفتين، وتكسر إسرائيل في لحظة ما الهدوء عندما ترى أنّ الظروف باتت أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافها بالقوّة. لكنّ المشهد لن يكون كما كان في السابق. بعدما تكون إيران قد ربطت جزءاً من مستقبلها السياسيّ والاستراتيجيّ بالاتّفاق مع واشنطن، قد تجد نفسها أسيرة التفاهم الذي وقّعته وعاجزة عن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة من دون أن تهدّد ما بنته على طاولة المفاوضات.
إقرأ أيضاً: واشنطن: اجتماعات أمنيّة بموازاة التّفاوض السّياسيّ
استنتاج سوداويّ
من هنا يقول بعض المعنيّين إنّ اتّصالات الساعات الأخيرة أفضت إلى استنتاج سوداويّ اللون: الشقّ اللبنانيّ في وثيقة إسلام آباد هشّ جدّاً ويُخشى أن يكون خاضعاً للتأويل ولا يتمتّع بمقوّمات الاستدامة، الأمر الذي سيدفع طهران للتدخّل عسكريّاً ضدّ إسرائيل إذا استمرّت الأخيرة باعتداءاتها، خصوصاً إذا اعتبرت إيران أنّ قرار وقف اطلاق النار يشمل كلّ لبنان وليس فقط الضاحية. من هنا كان تحذير إسرائيل، وفق “يديعوت أحرونوت”، بالردّ على إيران ورفض توحيد الساحات.
هذا مع العلم أنّ الثنائيّ الشيعيّ يعوّل تعويلاً كاملاً على مسار إسلام آباد لـ:
- وقف النار بشكل دائم.
- فرض الانسحاب على إسرائيل مقابل أثمان تتّصل بسلاحه ووجوده العسكريّ جنوب الليطاني.
- التمهيد لصفقة كبرى تأخذ بالاعتبارات منحه ضمانات دستوريّة تعزّز وضعيّته في التركيبة اللبنانيّة.
في المقابل، تتمسّك الدولة اللبنانيّة بمسارها التفاوضيّ بمعزل عن مسار إسلام آباد، فيما يسعى الموفد السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان إلى توحيد الموقف اللبنانيّ من المفاوضات لكي لا يذهب لبنان إلى واشنطن بشكل “أعرج”، مستكملاً بذلك ما بدأه في زيارته السابقة، ضمن إطار العمل على تقريب وجهات النظر بين الرؤساء الثلاثة وحماية مرتكزات “الطائف”، الأمر الذي توليه المملكة السعوديّة أهميّة قصوى.
لمتابعة الكاتب على X:
