في الشكل والمضمون تختلف مناخات جولة التفاوض الخامسة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن عمّا سبقها من جولات، وسط تأكيد رئيس الجمهوريّة جوزف عون أنّه “على الرغم من الضغوط لن ننسحب من المفاوضات”، قاصداً الضغط العلنيّ والمتكرّر من جانب “الحزب” لإنهاء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
في الشكل سيُصار إلى اعتماد مسار لاجتماعات موازية للاجتماعات بين الوفود السياسيّة والعسكريّة، وفي مرحلة لاحقة ربّما دمج الوفود، بعد جلسة يتيمة للوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في البنتاغون في 29 أيّار الماضي.
كرّس الاجتماع، وفق مصادر مطّلعة، الهوّة العميقة بين مطالب وشروط الطرفين، وخرج منه الوفد اللبنانيّ العسكريّ باستنتاج أساسيّ يفيد بأنّ الجيش الإسرائيليّ معنيّ باستكمال تنفيذ أجندته العسكريّة على أرض الجنوب، بعيداً عن أيّ ضوابط قد يفرضها مسار المفاوضات، إضافة إلى رفضه المطلق لمطلبَي وقف النار الشامل والانسحاب ولو المتدرّج.
هنا تقول المعلومات إنّه في الاجتماع نفسه طَرح الوفد العسكريّ مقاربة “المناطق التجريبيّة”، على أن تبدأ من بلدة بنت جبيل الحدوديّة المحتلّة بالكامل. وكان السفير سيمون كرم، بُعيد تعيينه رئيساً للوفد اللبنانيّ، طرح للمرّة الأولى خلال مشاركته في اجتماعات لجنة “الميكانيزم” مقترح “المناطق التجريبيّة” الذي لاقى رفضاً إسرائيليّاً تامّاً. ثمّ أُعيد طرحه مجدّداً في اجتماعات البنتاغون ووزارة الخارجيّة الأميركيّة، لكنّ الرئيس عون غيّر مقاربته طارحاً أن تشكّل بلدات زوطر الشرقيّة والغربيّة ويحمر وقلعة الشقيف النموذج الأوّل للمنطقة التجريبيّة، وهي مسألة سيُعاد طرحها على طاولة التفاوض المقبل.
في الشكل أيضاً قد تمتدّ اجتماعات واشنطن في 22 الجاري لأكثر من يومين، تسريعاً لوتيرة التفاوض أوّلاً، وبناءً على طلب لبنانيّ بسبب صعوبة انتقاله
في الشكل أيضاً قد تمتدّ اجتماعات واشنطن في 22 الجاري لأكثر من يومين، تسريعاً لوتيرة التفاوض أوّلاً، وبناءً على طلب لبنانيّ بسبب صعوبة انتقاله بصورة متكرّرة بين بيروت وواشنطن، بحيث تكثَّف الاجتماعات تمهيداً للخروج بإعلان نيّات. وسيغادر الوفد اللبنانيّ قبل أيّام عدّة من الاجتماع المرتقب لعقد لقاءات تمهيديّة.
لقاءٌ لم يحصل
أمّا في المضمون فتُعقد اجتماعات حزيران المقبلة وسط تطوّرين كبيرين دوليّ وداخليّ:
– إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قرب إعلان اتّفاق مع إيران، واصفاً إيّاه بـ”التسوية العظيمة”، وقد يجري التوقيع عليه في دولة أوروبيّة، مقابل إعلان طهران للمرّة الأولى “موافقة الولايات المتّحدة على المسوّدة التي أرسلتها إيران”، وهو ما يعني أوّلاً إنهاء الحرب بشكل كامل وتامّ في المنطقة. أما الإصرار الإيرانيّ على إدراج لبنان ضمن بنود الاتّفاق لم تُعرف حدود ترجمته بعد، خصوصاً أنّ لبنان الرسميّ يصرّ على فصل المسارات.
– في الأيّام الماضية شَهدت الكواليس السياسيّة اجتماعات غير مسبوقة وُصِفَت بالمهمّة، وضمّت ثلاثة أطراف ممثّلين لـ”أمل” و”الحزب” ورئيس الجمهوريّة. في هذه الاجتماعات حصل نقاش في العمق في “ما يريده “الحزب” من خيار الحرب”، وكادت في مرحلة معيّنة، وفق مصدر مطّلع، أن تقود إلى زيارة يقوم بها النائب حسن فضل الله لبعبدا، لكنّ التصعيد العسكريّ المُفاجِئ الذي كاد أن يؤجّج الحرب على خطّ واشنطن- طهران، واستهداف الضاحية مجدّداً ربطاً باهتزاز معادلة “الضاحية مقابل مستوطنات الشمال”، “دَفَشَا” الموعد بعيداً، إضافة إلى المواقف العالية السقف لقيادات “الحزب” ضدّ رئيس الجمهوريّة.
المؤكّد، وفق المعلومات، أنّ جولة التفاوض الخامسة تُعقد وسط عجز من كلّ الأطراف عن الوصول إلى نقاط مشتركة
جرى في هذه الاجتماعات بحث اقتراح المناطق التجريبيّة، وجرى تداول عدّة سيناريوهات، منها إجراء تقسيم ليس على أساس المناطق بل القطاعات، أي اقتراح القطاع الغربيّ أو الأوسط أو الشرقيّ مثلاً منطقة تجريبيّة أولى. لكنّ الحدّ الذي لم يتراجع عنه “الحزب” و”أمل” هو وقف كلّ الأعمال العسكريّة وهدم القرى والجرف فوراً، وتزامن انسحاب “الحزب” من جنوب الليطاني بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيليّ من المناطق التي احتلّها. وهي الصيغة التي وردت في بيان برّي، ووافق عليها “الحزب”.
الخرق السعودي
المؤكّد، وفق المعلومات، أنّ جولة التفاوض الخامسة تُعقد وسط عجز من كلّ الأطراف عن الوصول إلى نقاط مشتركة، مع رهان من جانب جهات رئاسيّة لبنانيّة على أن يُحدث خرقاً ما الدخول السعوديّ المتجدّد على الخطّ. الدخول السعودي المتجدٌد على الخط والذي ترجم من خلال الحراك البارز للموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، لا سيما اجتماعه مع الرئيس بري، ووصول السفير السعودي الجديد إلى لبنان فهد الدوسري، في ظل معطيات عن ضغط سعودي بكافة الاتجاهات للتوصل إلى اتفاق نار شامل، وتطبيق الطائف لجهة حصر السلاح بيد الدولة.
سُرّبت معطيات من جانب السفير كرم نفسه تؤكّد أنّ إسرائيل سيقت إلى مفاوضات لا تريدها، وليس وقتها، والدليل أنّها حتّى الآن لم تُقدِم على خطوة واحدة يُفهم منها تجاوبٌ مع المطالب اللبنانيّة. تؤكّد مصادر رسميّة لبنانيّة لـ”أساس”: “موقف لبنان على حاله لا يمكن لأيّ مقترح أن يكون قابلاً للنقاش قبل وقف كلّ الأعمال العسكريّة من الجانبين”.
في المقابل، من الآن حتّى موعد الاجتماع في 22 حزيران ستكون المهلة الفاصلة فرصة للرئيس عون لـ”الاستثمار” في الحوار مع “أمل” و”الحزب”، للخروج بما يمكن أن يجعل أيّ مطلب لبنانيّ مرتبط بوقف النار الشامل والانسحاب المتبادل قابلاً للتطبيق، وهو الأمر غير المتوافر حتّى الآن، ربطاً بموقف “الحزب” تحديداً.
محاولات حثيثة للتوصّل إلى “تسوية” داخليّة قبل جلسة 22 حزيران
الهدف النّبطيّة؟
في المقابل، تمضي إسرائيل في مخطّطها للقضم التدريجيّ. يقول مصدر عسكريّ لـ”أساس” إنّ هناك محاولات متكرّرة من الجانب الإسرائيليّ للتقدّم من زوطر باتّجاه ميفدون (لا تزال خارج بقعة الاحتلال)، وأخرى من أرنون باتّجاه كفرتبنيت، والهدف الاقتراب من تلّة عليّ الطاهر، وهو ما يعني الوصول إلى مشارف النبطيّة.
وفق المعلومات، يبتعد الإسرائيليّ مسافة نحو 7 كلم من النبطيّة، ولم يُعرف بعد هل محاولاته لا تزال ضمن إطار جسّ النبض أم تتعرقل بفعل استهدافات “الحزب” له أم يعتمد التقدّم البطيء لتخفيف الخسائر؟
إقرأ أيضاً: هل ينجح برّي بتضييق المسافة مع بعبدا؟
يقول المصدر: “إذا أراد العدوّ التقدّم باتّجاه عليّ الطاهر والنبطيّة، أي الانتقال من مقلب إلى آخر، يحتاج إلى حشود عسكريّة كبيرة، لا تدلّ المعطيات على أنّها متوافرة راهناً بهذا الحجم، مع العلم أنّ قصف محيط النبطيّة والنبطيّة وصور لم يتوقّف طوال الفترة الماضية”.
لمتابعة الكاتب على X:
