بن سلمان إلى واشنطن: النووي الإيراني ورسم التّوازنات

مدة القراءة 5 د

قبل أيّام من وصول وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان إلى واشنطن، تتّجه الأنظار إلى البيت الأبيض حيث يُنتظر أن تشكّل الزيارة محطّة مفصليّة في إعادة رسم التوازنات الإقليميّة واستشراف المرحلة المقبلة. يأتي الحدث في لحظة دقيقة يتصاعد فيها القلق من مستقبل البرنامج النوويّ الإيرانيّ بعد الضربات الأميركيّة – الإسرائيليّة الواسعة في حزيران الماضي، وما تبعها من مؤشّرات إلى محاولات إيرانيّة لإعادة تموضع منشآتها النوويّة داخل مواقع أكثر تحصيناً تحت الأرض.

 

تأمل الإدارة الأميركيّة أن تقود المحادثات المرتقبة مع وليّ العهد إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجيّة مع الرياض في مجالات الدفاع والاستثمار والطاقة، إلى جانب دفع مسار التطبيع الإقليميّ. غير أنّ الملفّ الإيرانيّ يبقى حاضراً بقوّة خلف هذه الأجندة، وسط تساؤلات عن كيفيّة انعكاس التقارب السعوديّ – الأميركيّ على حسابات طهران، وعن قدرة الرياض على التأثير في مسار التصعيد أو التهدئة بين الخصمين التقليديَّين.

السّعوديّة أكثر هدوءاً

تكتسب الزيارة بُعداً إضافيّاً عند مقارنتها بزيارة الأمير الأولى لواشنطن عام 2018، حين كان الخطاب السعوديّ بشأن إيران أكثر صراحةً وحدّة. حذّر الأمير حينها من أنّ المملكة “ستسعى من دون شكّ إلى امتلاك سلاح نوويّ” إذا طوّرته طهران، في وقت كانت المواجهة الإقليميّة بين الطرفين في ذروتها.

أمّا اليوم، بعد سبع سنوات تغيّرت خلالها خرائط النفوذ الإقليميّ وأُعيد وصل العلاقات الدبلوماسيّة بين الرياض وطهران برعاية صينيّة، فقد أصبحت المقاربة السعوديّة أكثر هدوءاً، لكنّها ما تزال مشروطة بضمانات واضحة تتعلّق بالملفّين النوويّ والصاروخيّ الإيرانيَّين وبقدرة إيران على التأثير في ساحات الصراع المرتبطة بالأمن الإقليميّ.

تدرك واشنطن والرياض في الوقت نفسه أنّ الحسابات الإسرائيليّة تمثّل عاملاً ضاغطاً في أيّ نقاش يتعلّق بمستقبل الملفّ النوويّ

على الجانب الإيرانيّ، ما تزال حاضرةً بقوّة تداعياتُ “حرب الاثني عشر يوماً” التي استهدفت نطنز وأصفهان وفوردو. تسبّبت الهجمات بضرر كبير لقدرات التخصيب، وفق المدير العامّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية رافاييل غروسي، لكنّها لم تعطّل البرنامج بالكامل. أظهرت صور أقمار اصطناعيّة لاحقة نشاطاً متزايداً لإعادة تأهيل المنشآت المتضرّرة وتوسيع العمل في مجمّعات محصّنة داخل الجبال، أبرزها موقع يُعرف إعلاميّاً باسم “جبل المعول”. ترافق ذلك مع تقليص إيران وصول مفتّشي الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية إلى المواقع المستهدَفة، وهو ما أثار شكوكاً في طبيعة الأنشطة الجارية خلف الأبواب المغلقة.

الضّربة نجحت لكن…

في موازاة ذلك، برزت الزاوية الإسرائيليّة عاملاً لا يمكن تجاهله في حسابات المرحلة المقبلة. في تل أبيب، يسود إجماع سياسيّ وأمنيّ على أنّ الضربة التي نُفّذت في حزيران نجحت في إحداث تراجع ملموس في البرنامج النوويّ الإيرانيّ، لكنّها لم تُنهِ الخطر. يحرص مسؤولون إسرائيليّون على تأكيد أنّ “خطّاً أحمر” جديداً رُسِم بعد الضربة، وأنّ إسرائيل ستتحرّك إذا تبيّن أنّ طهران تقترب من إعادة بناء قدراتها إلى مستوى يسمح بالوصول إلى العتبة النوويّة. لهذا تبقى إسرائيل خلال هذه الفترة في حالة استعداد مرتفع، تراقب عبر الأقمار الاصطناعيّة وتوسِّع التعاون الاستخباريّ مع واشنطن، وسط قناعة بأنّ الهدوء الحاليّ “مؤقّت” ومرشّح للانفجار إذا واصلت إيران بناء منشآت عميقة خارج نطاق الاستهداف التقليديّ.

واشنطن

تدرك واشنطن والرياض في الوقت نفسه أنّ الحسابات الإسرائيليّة تمثّل عاملاً ضاغطاً في أيّ نقاش يتعلّق بمستقبل الملفّ النوويّ. ليست إسرائيل متابعاً للملفّ وحسب، بل طرف يملك قدرة على تغيير قواعد اللعبة عبر تنفيذ ضربة جديدة قد تفتح باب مواجهة واسعة، بينما تحاول الولايات المتّحدة إدارة التوتّر بحيث لا يتحوّل إلى صراع إقليميّ يصعب احتواؤه.

تبرز زيارة وليّ العهد السعوديّ لواشنطن بصفتها اختباراً مهمّاً لمعادلة القوّة في الشرق الأوسط

أمّا الرياض فتدرك أنّ أيّ تصعيد بين إسرائيل وإيران لن يمرّ من دون تأثير مباشر على أمن الخليج، وهو ما يجعل مقاربة وليّ العهد خلال الزيارة أكثر دقّة وتوازناً بين ضرورة الردع وضرورة تجنّب الحرب.

على المستوى الدبلوماسيّ، لا تبدو العودة إلى اتّفاق 2015 قابلة للتحقّق في الوقت الراهن. ترى طهران الاتّفاق جزءاً من الماضي، وترفض أيّ تفاوض يتناول برنامجها الصاروخيّ أو نفوذها الإقليميّ، بينما تشترط واشنطن خفض مستويات التخصيب وفتح جميع المواقع أمام التفتيش. يأتي موقف المرشد الأعلى علي خامنئي ليزيد المشهد صلابة، إذ يرفض أيّ حوار مع الولايات المتّحدة ما دامت الضغوط والعقوبات مستمرّة.

اختبار معادلة القوّة

وسط هذا التشابك، تبرز زيارة وليّ العهد السعوديّ لواشنطن بصفتها اختباراً مهمّاً لمعادلة القوّة في الشرق الأوسط. تسعى الولايات المتّحدة إلى إعادة تثبيت دورها في المنطقة من خلال شراكات استراتيجيّة جديدة، وتعمل السعوديّة على بناء منظومة أمنيّة واقتصاديّة متينة معها وتواصل إيران إعادة بناء برنامجها النوويّ بوتيرة محسوبة، بينما تبقى إسرائيل مستعدّة للتحرّك إذا شعرت بأنّ الوقت يضيق أمام منع طهران من الوصول إلى هدفها النوويّ.

إقرأ أيضاً: الشّرع في واشنطن: بين الأمل والمخاطر

عليه، تأتي الزيارة في سياق يتجاوز بعدها الثنائيّ السعوديّ– الأميركيّ لتصبح جزءاً من لحظة يُعاد فيها رسم موازين القوى في الشرق الأوسط على وقع سباق نوويّ محتمل، وضغوط إسرائيليّة متزايدة، وتردّد أميركيّ بين الاحتواء والردع، وطموحات سعوديّة لبناء نظام إقليميّ أكثر استقراراً. بين هذه المسارات المتشابكة، تبدو الزيارة المرتقبة قادرة بالفعل على تحديد ملامح المرحلة المقبلة ورسم حدود المواجهة أو التهدئة في ظلال طهران وما خلف جبالها المحصّنة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ…

هل باع ترامب ورقة لبنان؟

يدّعي النظام الإيراني و”الحزب” تحقيق انتصار وهميّ عبر الضغط السياسيّ وممارسة بروباغاندا ممانعة ضدّ الدولة اللبنانيّة عبر الإيحاء أنّ هناك موافقة أميركيّة لبحث ورقة إيرانيّة…

تعيينات الخارجيّة السّوريّة: 4 سيدات وتأكيد مركزية القرار..

تكشف التعيينات الجديدة في وزارة الخارجيّة والمغتربين السوريّة، المعلنة في 21 حزيران 2026، عن محاولة لإعادة تشكيل صورة الوزارة بعد نحو عام من تعيينات 28…

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…