إسرائيل تتشدّد: “إزالة” تهديدات “الحزب” أوّلاً

مدة القراءة 7 د

أثبتت التطوّرات الميدانيّة التي أعقبت دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، بالتزامن مع انطلاق جولة التفاوض الخامسة بين لبنان وإسرائيل، والتي تنتهي غداً، أنّ “الآليّة التنفيذيّة” لخفض التصعيد في لبنان، المتفّق عليها في لقاءات سويسرا، لا تزال قيد الاختبار لجهة أركانها، ومهامّها، وقدرتها على فرض الاستقرار على الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة.

 

على الرغم من كلّ التسريبات التي تحدّثت عن “انسحابات إسرائيليّة محدودة ورمزيّة” من جنوب لبنان، بالتزامن مع إعلان “تفاهم  لوسيرن”، واستئناف مفاوضات واشنطن، تؤكّد مصادر ميدانيّة لـ”أساس” أنّ الجيش الإسرائيليّ لم يتراجع عمليّاً من أيّ موقع تقدّم باتّجاهه، بقوّاته العسكريّة، شمال نهر الليطاني وجنوبه، فيما تمارس واشنطن ضغوطاً واضحة على حليفها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لبدء الانسحاب “وتقديم اقتراحات عمليّة وموثوقة تسهّل هذا الأمر في اجتماعات واشنطن بحضور الوفدين، العسكريّ والسياسيّ، للبنان وإسرائيل”.

“اختبار” عليّ الطّاهر

قدّمت مرتفعات عليّ الطاهر، المشرفة على النبطيّة، نموذجاً عن الضغط الإسرائيليّ الذي تمارسه تل أبيب على واشنطن ولبنان، والوسطاء، عبر محاولة فرض شروطها على الأرض لاستثمارها على طاولة التفاوض.

التلّة الاستراتيجيّة التي لم تتمكّن قوّات العدوّ من السيطرة عليها، حوّلت إسرائيل كلّ محيطها، ومن ضمنه كفرتبنيت، إلى منطقة عسكريّة أباحت لنفسها، تحت سقف اتّفاق وقف النار، فرض “حرّيّة الحركة” فيها باستهداف أيّ تحرّك مشبوه، إضافة إلى الخروقات الإسرائيليّة المتعدّدة للقرار الأميركيّ – الإيرانيّ، من خلال التصرّف بذهنيّة “ما قبل 2 آذار”. هذا ما دفع الجيش اللبنانيّ منذ يوم الثلاثاء إلى إقفال الطريق باتّجاه كفرتبنيت حفاظاً على سلامة المواطنين، وبوصفها منطقة عسكريّة خاضعة لسيطرة العدوّ الإسرائيليّ بالنار.

تقول المعلومات إنّ “الحزب” في حال أبقت إسرائيل على الوتيرة نفسها من التصعيد، فلن يكتفي بالتفرّج

عمليّاً، سيُشكّل محيط التلّة (محيط عليّ الطاهر، كفرتبنيت، زوطر الغربيّة والشرقيّة وقلعة الشقيف) الاختبار الأهمّ لامتحان الانسحاب “المتزامن” بين الجيش الإسرائيليّ وعناصر “الحزب”، مع سلاحه، وانتشار الجيش وفق ترتيبات أمنيّة يجري البحث فيها على طاولة واشنطن، من ضمن “الكادر” الأوسع المرتبط بمشروع المناطق التجريبيّة.

تشّكل المنطقة على قدر أهمّيّتها العسكريّة للإسرائيليّ، عبئاً لوجستيّاً لصعوبة وصول الإمدادات العسكريّة إليها، بحكم الواقع الجغرافيّ.

هل يردّ “الحزب”؟

تقول المعلومات إنّ “الحزب” في حال أبقت إسرائيل على الوتيرة نفسها من التصعيد، بما يحمي احتلالها للمواقع الموجودة فيها أو المسيطرة عليها، فلن يكتفي بالتفرّج، وسيردّ، كما أوحى في بيانه الأوّل بعد توقيع الاتّفاق، الذي حذّر فيه من الخروقات الإسرائيليّة الفاضحة لوقف إطلاق النار “الذي التزمه “الحزب” حتّى الآن”.

الحزب

لن يكون ردّ “الحزب”، وفق المطّلعين، منفصلاً عن مسار المفاوضات التي لا تزال إيران تخوضها مع واشنطن. هذا مع العلم أنّ “الحزب”، وفق تصريحات علنيّة صدرت عن النائب محمّد رعد، أعطى مهلة 60 يوماً (نصّ عليها تفاهم إسلام آباد) لتثبيت وقف النار والانسحاب.

على ما يبدو، تحوّلت نقطة النزاع الأساسيّة، التي تُطرح بتفاصيلها على مدى ثلاثة أيّام على طاولة واشنطن، من فرض الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ، المطلب اللبنانيّ الثابت المدعوم أميركيّاً، إلى الآليّة الجديدة التي ستحكم بقاء الاحتلال الإسرائيليّ، وهي المطلب الإسرائيليّ الثابت أيضاً، أقلّه إلى حدّ تيقّن تل أبيب من “التخلّص من خطر الحزب”.

بانتظار الرّدّ الإسرائيليّ

على هذا الإساس، يخوض الوفد اللبنانيّ مفاوضات صعبة جدّاً، خصوصاً لجهة “المناطق التجريبيّة”، لأنّ الإسرائيليّ لا يضع في حسبانه الانسحاب النهائيّ، بل كيفيّة إرساء المعادلة الأمنيّة التي تسمح له بالبقاء في جنوب لبنان إلى حين زوال تهديد “الحزب”.

يخوض الوفد اللبنانيّ مفاوضات صعبة جدّاً، خصوصاً لجهة “المناطق التجريبيّة”، لأنّ الإسرائيليّ لا يضع في حسبانه الانسحاب النهائيّ

هذا ما قد يستغرق أشهراً وربّما سنوات، ربطاً بالمعادلة الكبرى على مستوى التفاهمات الأميركيّة – الإيرانيّة. وكرّس رئيس الوفد الإيرانيّ رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف أمس تلازم المسارين من خلال التأكيد أنّ “وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان بالأهمّيّة نفسها لإنهاء الحرب على إيران”.

من جهته، كشف الرئيس جوزف عون أمس أنّ “تحديد “المناطق النموذجيّة” (التسمية التي استبدلت بـ”التجريبيّة”) لا يزال موضع بحث في انتظار موافقة الجانب الإسرائيليّ عليها”، وذلك بعد تقديم الوفد اللبنانيّ، وفق المعلومات، خارطة جديدة لهذه المناطق، بالتنسيق مع الرئيس نبيه برّي.

خليّة سويسرا

حتّى الساعة لم تتّضح عمليّاً نقاط التقاطع بين ما قد يتمّ الاتّفاق عليه في مفاوضات واشنطن لجهة تثبيت وقف إطلاق النار وبدء الانسحاب، وبين آليّة خفض التصعيد التي أنتجتها مفاوضات لوسيرن في سويسرا، وهل يؤجّل حسمها حتّى انعقاد جولة التفاوض التقنيّ المقبلة بين واشنطن وإيران.

صدرت آخر التصريحات الرسميّة في شأن مصير هذه الآليّة عن نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس ووزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، خلال اتّصالَيهما برئيس الجمهوريّة جوزف عون، وتضمّنت “تأكيد تنفيذ ما اتّفق عليه في اجتماعات سويسرا، ومنه تشكيل خليّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة ولبنان لتثبيت وقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة بذلك”، وكشفت عن أنّه “تجري حاليّاً دراسة الترتيبات المتعلّقة بعمل الخليّة وطريقة تشكيلها”.

من جهتها أكّدت قطر، من خلال حديث رئيس مجلس الوزراء محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني لـ”فايننشيل تايمز”، أنّ “هناك آليّة لمنع التصعيد تشمل التحقّق من وقف إطلاق النار”.

مُهمّة مفتوحة

تشير مصادر مقرّبة من الثنائيّ الشيعيّ إلى المعطيات الآتية في ما يخصّ آليّة خفض التصعيد التي لا تزال قيد “التشكيل” وتحديد مهامّها:

لن يكون ردّ “الحزب”، وفق المطّلعين، منفصلاً عن مسار المفاوضات التي لا تزال إيران تخوضها مع واشنطن

– ليست معنيّة فقط بمراقبة خروقات وقف إطلاق النار، بما يُشبه مهامّ “ميكانيزم الناقورة”، بل تتوسّع مهامّها لتواكب مراحل الانسحاب، وتزامنه، ودور الجيش، وهو ما يعني أنّ مهمّتها مفتوحة.

أدخلت الآليّة بحدّ ذاتها إيران طرفاً مباشراً وعلنيّاً، وموافقاً عليه أميركيّاً، في “المعادلة الأمنيّة والعسكريّة” جنوباً. وهذا ما استدعى توضيحات أميركيّة لرئيس الجمهوريّة في شأن حدود هذا الدور، والنتائج المتوخّاة منه.

– تريد السلطة في لبنان الاستفادة قدر الإمكان من التباينات الأميركيّة-الإسرائيليّة، لا سيّما أنّ تل أبيب لم تتقبّل تقدّم الدور الإيرانيّ في المعادلة اللبنانيّة، وتجدّد محاولاتها لفصل جبهة لبنان-إسرائيل عن أيّ تفاهمات في المنطقة.

إقرأ أيضاً: مفاوضات واشنطن على “الساعة السّويسريّة”

يقول مصدر مطّلع لـ”أساس”: “في العلن تُكرّر السلطة اللبنانيّة مقولة فصل المسارات، لكن في العمق تدرك حجم الترابط، أقلّه لأنّها تعلم أنّ السلاح وظيفته ليست فقط محليّة بل إقليميّة”.

في السياق نفسه، كرّر عون أمس أنّ “التفاوض في واشنطن مستمرّ، ومنفصل عمّا صدر في اجتماعات سويسرا بين الولايات المتّحدة وإيران، بمتابعة قطريّة وباكستانيّة”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

مفاوضات واشنطن على “الساعة السّويسريّة”

منذ يوم أمس انضبطت مفاوضات واشنطن اللبنانيّة- الإسرائيليّة تحت سقف لم يعد بالإمكان تجاوزه، كرّسه مسار مفاوضات Lucerne في سويسرا، لجهة معطيَين أساسيَّين: الأوّل، إنشاء…

مواجهات لبنان تحسم توازنات مفاوضات سويسرا

لا شيء يحدث صدفة في عالم السياسة الدوليّة، حيث تعكس الوقائع الميدانيّة والتحرّكات الدبلوماسيّة هندسة استراتيجيّة معقّدة تتجاوز حدود الجغرافيا. ليس المشهد الحاليّ، الذي يوزّع…

حصار أميركيّ – إيرانيّ على إسرائيل!

للمرّة الأولى منذ بدء “حياكة” البنود التفصيليّة للاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ثمّ الإعلان الرسميّ لدخوله حيّز التنفيذ يوم الجمعة الماضي بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان…

هندسة “الدولة الصّلبة”: هل ينجح انقلاب الزّيديّ؟

لا يمكن قراءة التغييرات الهيكليّة الجسيمة التي أجراها رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ في بنية الدولة ومراكز ثقلها السياديّ، بمعزل عن “المعادلة الإقليميّة” التي تتشكّل…