كلّما تعقّدت الأزمة اللبنانيّة أو دخلت البلاد مرحلة مفصليّة، يعود الحديث تلقائيّاً عن إمكان عقد مؤتمر دوليّ أو إقليميّ يشبه مؤتمر الدوحة الذي انعقد عام 2008 وأنتج تسوية سياسيّة أنهت آنذاك أحداث السابع من أيّار وفتحت الباب أمام انتخاب رئيس للجمهوريّة وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة، وافتعلت ثلثاً معطّلاً في الحكومة لمصلحة “الحزب” وحلفائه.
عادت بعض الأوساط السياسيّة والإعلاميّة خلال الأيّام الماضية إلى تداول معلومات عن احتمال انعقاد “الدوحة 2″ لمعالجة الملفّات اللبنانيّة العالقة، ولا سيما ملفّ السلاح وتنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار على الحدود الجنوبيّة والعلاقة بين الدولة اللبنانيّة و”الحزب”. إلّا أنّ مصادر قطريّة مطّلعة تؤكّد أنّ هذه الأحاديث لا تستند إلى أيّ معطيات عمليّة أو سياسيّة جدّيّة.
تقول المصادر إنّ الدوحة لا تعمل حاليّاً على الإعداد لأيّ مؤتمر خاصّ بلبنان، ولا توجد اتّصالات دوليّة أو إقليميّة من أجل عقد مؤتمر مشابه لمؤتمر عام 2008، بل إنّ الأولويّة القطريّة تنحصر في متابعة تثبيت وقف إطلاق النار جنوب لبنان ومنع انهيار التفاهمات الأمنيّة القائمة.
قطر في موقع المساند لا الرّاعي
بحسب المعلومات، يجري الحضور القطريّ في الملفّ اللبنانيّ بالتنسيق الكامل مع المملكة العربيّة السعوديّة، ولا سيما بعد انتخاب رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون وتشكيل حكومة الرئيس نوّاف سلام.
تشير المعطيات إلى أنّ التواصل بين رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجيّة القطريّ الشيخ محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني والمسؤولين السعوديّين لم ينقطع خلال الأشهر الماضية، وأنّ الملفّ اللبنانيّ يحضر بصورة دائمة في المشاورات الثنائيّة بين البلدين.
تكشف مصادر مطّلعة أنّ وزير الدولة في وزارة الخارجيّة القطريّة محمّد بن عبدالعزيز الخليفي عقد خلال الفترة الماضية اجتماعاً مطوّلاً في الرياض مع المسؤول عن متابعة الملفّ اللبنانيّ مستشار وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان، وجرى استعراض التطوّرات اللبنانيّة والبحث في كيفيّة دعم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ ومواكبة المرحلة المقبلة.
بحسب مصادر متابعة للحراك الدبلوماسيّ الإقليميّ، يقوم جزء مهمّ من النقاش الجاري بين العواصم العربيّة والغربيّة على فكرة إدخال طهران في مسار الحلّ
تؤكّد المصادر أنّ هذا التنسيق يعكس واقعاً جديداً في إدارة الملفّ اللبنانيّ يقوم على توزيع أدوار خليجيّ متفاهم عليه، تلعب فيه المملكة السعوديّة الدور السياسيّ الرئيس فيما تتولّى قطر أدواراً داعمة ومساندة في بعض الملفّات المشتركة.
لماذا لا ترغب قطر في تكرار تجربة 2008؟
أحد الأسباب الرئيسة التي تدفع قطر إلى الابتعاد عن فكرة “الدوحة 2” يعود إلى القراءة القطريّة لتجربة عام 2008 نفسها.
في الدوحة يوجد اقتناع بأنّ الاتّفاق الذي أُنجز يومها نجح في وقف الانفجار الداخليّ اللبنانيّ وأعاد إطلاق المؤسّسات الدستوريّة، لكنّه لم يتمكّن من معالجة الأسباب العميقة للأزمة اللبنانيّة، بل إنّ بعض بنوده ساهمت لاحقاً في تكريس أعراف سياسيّة جديدة سمحت باستمرار الانقسام على قضايا أساسيّة في مقدَّمها سلاح “الحزب”.
تعرّضت قطر خلال السنوات اللاحقة لانتقادات عربيّة ولبنانيّة اعتبرت أنّ اتّفاق الدوحة منح قوى السلاح غير الشرعيّ مكاسب سياسيّة كبيرة على حساب الدولة، وهو ما جعل القيادة القطريّة أكثر حذراً تجاه أيّ مبادرة يمكن أن تُفسَّر على أنّها إعادة إنتاج للتجربة نفسها.

تضيف المصادر أنّ الدوحة تدرك أنّ الأزمة اللبنانيّة الحاليّة تختلف جذريّاً عن أزمة عام 2008، وبالتالي أدوات المعالجة يجب أن تكون مختلفة أيضاً.
ليست المشكلة الأساسيّة اليوم، وفق مصادر دبلوماسيّة عربيّة، في غياب المؤتمرات أو الحوارات، بل في كيفيّة تنفيذ الالتزامات القائمة أصلاً.
يمتلك لبنان اتّفاق الطائف والقرارات الدوليّة، وفي مقدَّمها القرار 1701، إضافة إلى التفاهمات التي رافقت وقف إطلاق النار الأخير، وبالتالي لا ترى العواصم المعنيّة حاجة إلى مؤتمر جديد بقدر ما ترى حاجة إلى تنفيذ ما تمّ الاتّفاق عليه سابقاً.
من هنا تتركّز الجهود الحاليّة على دعم الجيش اللبنانيّ وتعزيز سلطة الدولة في الجنوب ومواكبة تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار ومنع أيّ عودة إلى التصعيد العسكريّ.
أحد الأسباب الرئيسة التي تدفع قطر إلى الابتعاد عن فكرة “الدوحة 2” يعود إلى القراءة القطريّة لتجربة عام 2008 نفسها
إيران جزء من الحلّ أم جزء من المشكلة؟
تتعلّق النقطة الأبرز في المقاربة الجديدة للملفّ اللبنانيّ بالتعامل مع إيران.
بحسب مصادر متابعة للحراك الدبلوماسيّ الإقليميّ، يقوم جزء مهمّ من النقاش الجاري بين العواصم العربيّة والغربيّة على فكرة إدخال طهران في مسار الحلّ بدلاً من إبقائها خارج أيّ تسوية.
تقوم هذه المقاربة على فرضيّة مفادها أنّ أيّ معالجة حقيقيّة لملفّ السلاح غير الشرعيّ في لبنان تحتاج إلى تفاهمات إقليميّة أوسع، وأنّ الضغط على الداخل اللبنانيّ وحده لن يكون كافياً لتحقيق نتائج مستدامة.
لذلك يجري الحديث عن إمكان الحصول على التزامات إيرانيّة ضمن التفاهمات الإقليميّة الجارية حاليّاً تساهم في تسهيل الانتقال التدريجيّ نحو حصريّة السلاح بيد الدولة اللبنانيّة وتعزيز دور المؤسّسات الشرعيّة.
ماذا عن واشنطن؟
تشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ الولايات المتّحدة لا تدفع باتّجاه مؤتمر دوليّ جديد من أجل لبنان، بل تركّز على ثلاثة عناوين رئيسة:
- تثبيت وقف إطلاق النار على الحدود الجنوبيّة.
- دعم الجيش اللبنانيّ والمؤسّسات الأمنيّة.
- دفع الدولة اللبنانيّة نحو تعزيز حصريّة السلاح وتنفيذ القرارات الدوليّة.
تعتبر واشنطن أنّ أيّ تقدّم في هذه الملفّات سيكون أكثر فاعليّة من أيّ مؤتمر سياسيّ جديد قد ينتج تفاهمات نظريّة يصعب تطبيقها لاحقاً.
تقول المصادر إنّ الدوحة لا تعمل حاليّاً على الإعداد لأيّ مؤتمر خاصّ بلبنان، ولا توجد اتّصالات دوليّة أو إقليميّة من أجل عقد مؤتمر مشابه لمؤتمر عام 2008
مرحلة ما بعد الحرب
في المحصّلة، تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقت اتّفاق الدوحة عام 2008، فالأولويّة الإقليميّة والدوليّة اليوم ليست إنتاج تسوية سياسيّة جديدة بين اللبنانيّين بقدر ما هي تثبيت توازنات ما بعد الحرب ومنع عودة المواجهة العسكريّة وتهيئة الظروف لقيام دولة لبنانيّة أكثر قدرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها.
إقرأ أيضاً: رباعيّة العَلمين: ولادة محور استقرار جديد
من هذا المنطلق، تؤكّد مصادر قطريّة أنّ الحديث عن “الدوحة 2” أقرب إلى التداول الإعلاميّ منه إلى الواقع السياسيّ، فيما ينصبّ الجهد الفعليّ على تثبيت وقف إطلاق النار، تعزيز التنسيق السعوديّ – القطريّ، ومواكبة التفاهمات الإقليميّة الجارية التي قد تحدّد مستقبل لبنان خلال السنوات المقبلة أكثر ممّا قد يفعله أيّ مؤتمر جديد.
