المحكمة الجنائية الدولية: المدّعي العامّ هو المتّهم؟

مدة القراءة 6 د

في السياسة الدوليّة، لا توجد صدف كثيرة. هناك وقائع، وهناك توقيت، وهناك دائماً سؤال مشروع: من المستفيد؟

قبل أقلّ من عامين، كان المدّعي العامّ للمحكمة الجنائيّة الدوليّة كريم خان واحداً من أكثر الشخصيّات نفوذاً وإثارة للجدل في النظام القضائيّ الدوليّ. لم يكن يملك جيشاً ولا اقتصاداً ولا حقّ النقض في مجلس الأمن. كانت قوّته الوحيدة تكمن في القانون. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ القانون، عندما يقترب من أصحاب النفوذ، يصبح بدوره ساحة صراع.

 

في تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائيّة الدوليّة مذكّرة توقيف بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيليّ السابق يوآف غالانت بتهم تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة في غزّة. كان ذلك واحداً من أكثر القرارات جرأة وإثارة للانقسام في تاريخ المحكمة.

وُلدت المؤسّسة بعد الحرب الباردة على أمل أن تكون رمزاً للعدالة العابرة للحدود، لكن وجدت نفسها فجأة في مواجهة مباشرة مع دولة تحظى بدعم أميركيّ واسع ونفوذ سياسيّ ودبلوماسيّ كبير في الغرب.

منذ تلك اللحظة، لم يعد الملفّ قانونيّاً فقط. رفضت إسرائيل القرار واعتبرته مسيّساً. أمّا الولايات المتّحدة فتعاملت معه باعتباره تجاوزاً لحدود المحكمة وصلاحيّاتها. وبينما كانت دول عديدة تشيد بما اعتبرته انتصاراً لمبدأ المساءلة الدوليّة، كانت واشنطن وحلفاؤها ينظرون إلى الأمر من زاوية مختلفة تماماً: هل يحقّ لمؤسّسة دوليّة غير منتخبة أن تلاحق قادة دولة حليفة للولايات المتّحدة أثناء خوضها حرباً تعتبرها دفاعاً عن النفس؟

في عالم السياسة الدوليّة، قد تكون هذه المفارقة أكثر تعبيراً من أيّ حكم قضائيّ

صراع بين رؤيتين

لم يكن هذا الخلاف تقنيّاً أو قانونيّاً فحسب، بل كان صراعاً بين رؤيتين للعالم:

1- ترى إحداهما أنّ العدالة يجب أن تطال الجميع بلا استثناء.

2- ترى الأخرى أنّ القانون الدوليّ لا يمكن أن ينفصل عن اعتبارات السيادة والأمن القوميّ وموازين القوى.

في خضمّ هذه المعركة، أصبح كريم خان الوجه الأبرز للمواجهة. واليوم يجد نفسه في قلب أزمة مختلفة تماماً. اتّهامات بسوء السلوك الجنسيّ، ينفيها بشكل قاطع، دفعت الهيئة الرقابيّة للمحكمة إلى تعليق مهامّه مؤقّتاً وإحالته إلى إجراءات تأديبيّة وتحقيقات مستقلّة. من حيث المبدأ، لا يجوز لأيّ شخص أن يتمتّع بحصانة من المساءلة. وإذا ثبتت الاتّهامات، فإنّ محاسبته تصبح ضرورة قانونيّة وأخلاقيّة لا علاقة لها بملفّ غزّة ولا بأيّ ملفّ آخر.

السّياسة لا تعيش في فراغ

يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: هل كان كريم خان سيتحوّل إلى هذه الدرجة من الجدل العالميّ لو لم يكن الرجل الذي وقّع على مذكّرات توقيف نتنياهو وغالانت؟

لا يجوز القفز إلى استنتاجات غير مثبتة. لكنّ من الصعب أيضاً تجاهل أنّ المحكمة الجنائيّة الدوليّة تعرّضت منذ ملفّ غزّة لحملة سياسيّة وضغوط غير مسبوقة.

لم تُخفِ إدارة الرئيس دونالد ترامب عداءها للمحكمة. بل إنّ المواجهة بين الطرفين تعود إلى سنوات، حين اعتبرت واشنطن أنّ المحكمة تحاول فرض ولاية قضائيّة على الولايات المتّحدة وحلفائها من دون موافقتهم. وفي أكثر من محطّة، استخدمت الإدارات الأميركيّة العقوبات والضغوط السياسيّة والماليّة لمحاصرة المحكمة أو الحدّ من قدرتها على التحرّك.

تثبت التحقيقات أنّ كريم خان مذنب. وقد تثبت براءته الكاملة

بالنسبة لمنتقدي المحكمة، كانت هذه الإجراءات دفاعاً مشروعاً عن السيادة الوطنيّة. أمّا بالنسبة لمؤيّديها، فكانت محاولة واضحة لترهيب مؤسّسة قضائيّة دوليّة عندما تقترب من ملفّات حسّاسة. بين هاتين الروايتين، تقف المحكمة اليوم أمام امتحان وجوديّ.

المفارقة أنّ المؤسّسة التي أرادت محاسبة قادة دول أصبحت مضطرّة إلى الدفاع عن نفسها وعن صدقيّتها. والأخطر أنّ النقاش العالمي بدأ يتحوّل تدريجاً من مضمون الاتّهامات الموجّهة إلى نتنياهو وغالانت إلى شخصيّة المدّعي العامّ نفسه.

هنا يكمن الخطر الحقيقيّ، فالعدالة الدوليّة تصبح هشّة عندما يتحوّل التركيز من الأفعال إلى الأشخاص. وعندما يصبح إسقاط المدّعي العامّ أكثر تأثيراً من مناقشة القضيّة التي يحقّق فيها، فإنّ المؤسّسة كلّها تدخل دائرة الخطر.

أمّا مستقبل كريم خان فقد أصبح جزءاً من هذه المعركة، فحتّى لو انتهت التحقيقات إلى تبرئته بالكامل، فإنّ الضرر السياسيّ والمعنويّ قد يكون وقع بالفعل، فالشكوك، حتّى عندما لا تثبَت، تترك آثاراً يصعب محوها في عالم القضاء والسياسة.

قد يعود خان إلى منصبه مبرّأً قانونيّاً، لكنّه سيواجه تحدّياً أكبر يتمثّل في استعادة الثقة والهيبة والقدرة على قيادة مؤسّسة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسيّة. وقد  يحدث العكس إذا ما ثبتت الاتهامات.

درس للخلف

لكنّ السؤال الأهمّ لا يتعلّق بخان نفسه، بل بمن سيأتي بعده. فكلّ مدّعٍ عامّ جديد سيتابع ما جرى ويستخلص درساً واضحاً: الاقتراب من الملفّات المرتبطة بالقوى الكبرى ليس كأيّ ملفّ آخر.

هناك فرق بين ملاحقة قائد ميليشيا في دولة منهارة، وبين ملاحقة مسؤولين في دول تملك نفوذاً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً هائلاً. وهنا تكمن المعضلة التي تواجه المحكمة الجنائيّة الدوليّة منذ تأسيسها، فهي أُنشئت على أساس فكرة نبيلة تقول إنّه لا أحد فوق القانون. لكنّ العالم الذي تعمل فيه ما يزال محكوماً بمنطق مختلف: ليست كلّ الدول متساوية في النفوذ، وليست كلّ الملفّات متساوية في كلفتها السياسيّة.

من الصعب أيضاً تجاهل أنّ المحكمة الجنائيّة الدوليّة تعرّضت منذ ملفّ غزّة لحملة سياسيّة وضغوط غير مسبوقة

لهذا السبب لا تتعلّق قضيّة كريم خان بمستقبل رجل أو بمصير تحقيق فقط. إنّها تتعلّق بالسؤال الذي يرافق العدالة الدوليّة منذ ولادتها: هل تستطيع المحاكم الدوليّة أن تطبّق القانون على الأقوياء كما تطبّقه على الضعفاء؟ هل يمكن للقاضي أن يبقى مستقلّاً عندما يصطدم بأكثر الملفّات حساسيّة في العالم؟ هل العدالة الدوليّة مشروع حقيقيّ للمساءلة العالميّة، أم تصطدم دائماً بالسقف الذي ترسمه موازين القوى؟

قد تثبت التحقيقات أنّ كريم خان مذنب. وقد تثبت براءته الكاملة. لكنّ المؤكّد أنّ الرجل الذي حاول أن يضع نتنياهو في قفص الاتّهام وجد نفسه هو أيضاً فجأة داخل قفص اتهام من نوع آخر.

إقرأ أيضاً: ترامب يُفكّك الدّولة العميقة: الولاء قبل الكفاءة؟

في عالم السياسة الدوليّة، قد تكون هذه المفارقة أكثر تعبيراً من أيّ حكم قضائيّ. فما نشهده اليوم قد لا يكون قضيّة سلوك شخصيّ تخصّ مدّعياً عامّاً، بل فصل جديد من الصراع المستمرّ بين العدالة والقوّة، بين القانون والسياسة، وبين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل. والتاريخ، كما جرت العادة، لن يكتفي بالحكم على الأشخاص، بل سيحكم أيضاً على المؤسّسات التي اختبرت قدرتها على مواجهة الأقوياء.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

الرسالة السياسية من وراء فتح الأسواق السعوديّة للبنان؟

تفتح المملكة السعوديّة أسواقها أمام الصادرات اللبنانيّة، بتوجيه من وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان بناء على طلب رئيس الجمهوريّة جوزف عون. في الخبر…

عزيزي السّيّد وحيدي.. الغرور مقبرة الإمبراطوريّات!

حتّى ليلة السابع من حزيران 2026، ليلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كانت إيران “منتصرة“ لأنّها صمدت وأفشلت أهداف الحرب. بقي النظام بما بقي من نوويّه…

استقلال المفاوض اللّبنانيّ: تقدير سعوديّ وتفهّم أميركيّ؟

تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ…

من سايروس إلى ترامب: أسطورة التكليف الإلهي

يروي الإنجيل المقدس في القسم 45 من كتاب النبي إشعيا، كيف أنّ الله اختار الملك سايروس، ملك إيران – وكان ملحداً – للقيام بمهمة دينية…