ترامب يُفكّك الدّولة العميقة: الولاء قبل الكفاءة؟

مدة القراءة 9 د

منذ عقود، يدور في واشنطن نقاش لا ينتهي: من يحكم الولايات المتّحدة فعلاً؟ الرئيس المنتخب الذي يمنحه الناخبون الشرعيّة أم البيروقراطيّة الدائمة التي تبقى في مواقعها فيما تتعاقب الإدارات والجماعات السياسيّة على البيت الأبيض؟

 

يعتقد دونالد ترامب أنّه يعرف الجواب. ومنذ عودته إلى السلطة، يخوض ما يعتبره معركة وجوديّة لاستعادة القرار من مؤسّسات يرى أنّها تحوّلت إلى دولة داخل الدولة. وآخر فصول هذه المواجهة كان تعيين ويليام “بيل” بولتي قائماً بأعمال مدير الاستخبارات الوطنيّة، على الرغم من افتقاره إلى أيّ خبرة استخباريّة أو أمنيّة تُذكر.

لو تخيّل أحد أنّ مدير وكالة الضمان الاجتماعيّ أصبح رئيساً لأركان الجيش، أو أنّ مسؤول الإسكان بات يشرف على أخطر أجهزة الاستخبارات في العالم، لاعتبر الأمر ضرباً من الخيال السياسيّ. لكن بالنسبة إلى ترامب، لا يتعلّق الأمر بالخبرة التقليديّة بقدر ما يتعلّق بالثقة والولاء. ومن هنا جاءت الرسالة السياسيّة التي التقطها الجميع في واشنطن: الولاء قبل الخبرة، والطاعة قبل الكفاءة.

لقد قام النظام الأميركيّ طويلاً على توازن دقيق بين الإرادة الشعبيّة والخبرة المؤسّسيّة. واليوم يختبر ترامب حدود هذا التوازن كما لم يفعل أيّ رئيس حديث قبله

نفوذ متجذّر

حين أنشأ الكونغرس منصب مدير الاستخبارات الوطنيّة عام 2004، اشترط أن يتمتّع شاغله بخبرة واسعة في قضايا الأمن القوميّ. بولتي لا يملك هذا السجلّ. لكنّه يملك، وفق المعيار الترامبيّ، ما هو أكثر أهميّة: سجلّ طويل في الدفاع عن الرئيس ومواجهة خصومه.

سرعان ما وصفه منتقدوه بأنّه أحد “كلاب الهجوم” (attack dog)  في إدارة ترامب، بعدما لعب أدواراً بارزة في ملاحقة خصوم سياسيّين للرئيس خلال عمله السابق في الوكالة الفدراليّة لتمويل الإسكان. واليوم ينتقل الرجل من إدارة ملفّات الرهن العقاريّ والإسكان إلى الإشراف على مجتمع استخباريّ يضمّ ثماني عشرة وكالة أمنيّة واستخباريّة تشكّل العمود الفقريّ للأمن القوميّ الأميركيّ.

ما يجري في واشنطن يتجاوز التعيينات الفرديّة. إنّه جزء من مشروع سياسيّ متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الرئيس والمؤسّسات الدائمة للدولة الأميركيّة.

في الخطاب الترامبيّ، لا تعني “الدولة العميقة” مؤامرة سرّيّة تدير البلاد من خلف الستار، بقدر ما تشير إلى شبكة واسعة من الموظّفين والخبراء والمؤسّسات التي تستمرّ في العمل بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات وتبدّل الإدارات. ويعتقد أنصار ترامب أنّ هذه الشبكة اكتسبت مع الوقت نفوذاً يسمح لها أحياناً بتوجيه السياسات أو تعطيلها أو التأثير فيها بعيداً عن إرادة الناخبين.

من هنا جاءت سلسلة القرارات التي اتّخذها الرئيس منذ بداية ولايته الثانية. فقد أقال رئيس وكالة الأمن القوميّ وقيادة العمليّات الإلكترونيّة الجنرال تيموثي هو، على الرغم من تمتّعه بدعم واسع داخل المؤسّسة العسكريّة. وشهدت وكالة استخبارات الدفاع وعدد من المؤسّسات الأمنيّة موجات متتالية من الإقالات وإعادة الهيكلة طالت شخصيّات بارزة في مجتمع الاستخبارات.

جاءت بعض هذه الخطوات بعد خلافات على تقويمات استخباريّة تتعلّق بإيران وملفّات أمنيّة أخرى، وهو ما عزّز الانطباع لدى المنتقدين بأنّ البيت الأبيض لم يعد يكتفي بإدارة الأجهزة الأمنيّة، بل يسعى إلى إعادة تشكيلها وفق رؤية سياسيّة جديدة.

في الوقت نفسه، غادر أكثر من مئة ألف موظّف فدراليّ الخدمة المدنيّة خلال العام الأوّل من الإدارة الجديدة، سواء عبر برامج التقاعد والاستقالة أو من خلال إجراءات تقليص الجهاز الحكوميّ، في واحدة من أكبر عمليّات إعادة هيكلة الدولة الفدراليّة منذ عقود.

في الواقع، ليست هذه أوّل مواجهة بين رئيس أميركيّ والمؤسّسات الأمنيّة والاستخباريّة. فبعد فشل عمليّة خليج الخنازير عام 1961، دخل الرئيس جون كينيدي في صدام حادّ مع وكالة الاستخبارات المركزيّة. وأمضى ريتشارد نيكسون سنوات يشكو ممّا كان يسمّيه “الحكومة الدائمة”. وحتّى باراك أوباما اشتكى مراراً من بطء البيروقراطيّة الاتّحاديّة وصعوبة تغييرها.

لكنّ الفارق أنّ معظم الرؤساء سعوا إلى إدارة هذه المؤسّسات أو التأثير عليها، بينما يبدو أنّ ترامب يحاول إعادة هندستها من الأساس، عبر تغيير الأشخاص والثقافة المؤسّسيّة وقواعد اللعبة في آن واحد.

لفهم ما يجري لا يكفي الاستماع إلى منتقدي ترامب فقط. فجزء كبير من الأميركيّين يرى الأمور بطريقة مختلفة تماماً.

بعد حرب العراق، سلسلة الإخفاقات الاستخباريّة، أزمة الحدود الجنوبيّة، وجائحة كورونا، تراجعت ثقة ملايين الأميركيّين بالمؤسّسات الفدراليّة بصورة غير مسبوقة. وبالنسبة لهؤلاء، ليست المشكلة في ترامب بل في النخب البيروقراطيّة التي أخطأت مراراً من دون أن تُحاسَب.

ما يجري في واشنطن يتجاوز التعيينات الفرديّة. إنّه جزء من مشروع سياسيّ متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الرئيس والمؤسّسات الدائمة للدولة الأميركيّة

الخشية من قول الحقيقة؟

يعتقد أنصار الرئيس أنّ الأجهزة الحكوميّة تحوّلت مع الوقت إلى طبقة مستقلّة عن المزاج الشعبيّ، تمتلك نفوذاً واسعاً وقدرة على مقاومة التغيير حتّى عندما يقرّر الناخبون اختيار مسار سياسيّ مختلف.

من هذا المنظور، لا تبدو عمليّة إعادة الهيكلة اعتداءً على المؤسّسات، بل محاولة لاستعادة الرقابة الديمقراطيّة عليها وإخضاعها لإرادة الناخب الذي انتخب الرئيس.

لكنّ المنتقدين يرون الصورة بطريقة مختلفة تماماً. فبالنسبة لهم، تكمن قوّة الدولة الأميركيّة في استقلال مؤسّساتها المهنيّة عن الولاءات السياسيّة العابرة. وهم يحذّرون من أنّ تحويل المناصب الأمنيّة والاستخباريّة إلى مواقع تُمنح على أساس الولاء الشخصيّ قد يضعف قدرة هذه المؤسّسات على تقديم تقويمات موضوعيّة للرئيس عندما تكون الحقائق غير مريحة سياسيّاً.

عبّر عن هذا القلق مسؤولون سابقون من الحزبين، بينهم جون بولتون، الذي وصف بعض هذه التعيينات بأنّها غير قابلة للتفسير مهنيّاً، معتبراً أنّ معيار الولاء بات يتقدّم على معيار الكفاءة.

تتجاوز المخاوف البعد السياسيّ إلى الجانب العمليّاتيّ. فالأجهزة الاستخباريّة تبني على مدى سنوات طويلة شبكات من المصادر والعلاقات والشراكات الدوليّة، وأيّ اضطراب كبير في هياكلها القياديّة قد يخلق فجوات مؤقّتة في الأداء أو يضعف الثقة المتبادلة مع الحلفاء.

لكنّ أهميّة هذه المعركة لا تتعلّق فقط ببنية الدولة الأميركيّة أو التوازن بين الرئيس والمؤسّسات. فالعالم اليوم يقف أمام مرحلة تُعدّ من أكثر المراحل خطورة منذ نهاية الحرب الباردة. فالولايات المتّحدة تواجه منافسة استراتيجيّة متصاعدة مع الصين، ومواجهة مفتوحة مع روسيا في أوكرانيا، وصراعاً مستمرّاً مع إيران وشبكات نفوذها في الشرق الأوسط، إضافة إلى سباق عالميّ محموم في مجالات الذكاء الاصطناعيّ والأمن السيبرانيّ والتكنولوجيا المتقدّمة.

في مثل هذا المناخ، تصبح كفاءة أجهزة الاستخبارات عاملاً حاسماً في اتّخاذ القرار. فالرؤساء لا يملكون رفاهية إدارة الأزمات بالحدس أو بالانطباعات الشخصيّة. بل يعتمدون على تدفّق مستمرّ من المعلومات الدقيقة والتقويمات المهنيّة التي قد تكون أحياناً متعارضة مع قناعاتهم السياسيّة.

هنا يكمن جوهر النقاش. فأنصار ترامب يرون أنّ المؤسّسات الاستخباريّة يجب أن تكون أكثر خضوعاً للقيادة المنتخَبة. أمّا خصومه فيخشون أن يؤدّي تسييس هذه المؤسّسات إلى تآكل قدرتها على قول الحقيقة عندما تكون الحقيقة غير مريحة للرئيس. فإذا اندلعت أزمة تتعلّق بتايوان، أو وقع هجوم سيبرانيّ واسع على البنية التحتيّة الأميركيّة، أو دخلت واشنطن في مواجهة جديدة مع إيران، فلن يكون السؤال: مَن يشغل المنصب؟ بل أما تزال المؤسّسات قادرة على إنتاج معلومات موثوقة ومستقلّة تساعد صانع القرار على تجنّب الأخطاء الكارثيّة؟

تمكّن ترامب من إعادة تشكيل المؤسّسات الأمنيّة والاستخباريّة على النحو الذي يريده، فلن يغيّر فقط طريقة عمل هذه الأجهزة، بل سيؤسّس لسابقة قد يستفيد منها كلّ رئيس يأتي بعده

هل يمكن لترامب أن ينجح؟

ليس السؤال الحقيقيّ: هل يريد ترامب تغيير الدولة الأميركيّة؟ بل هل يستطيع ذلك فعلاً؟

يوحي التاريخ الأميركيّ بأنّ المهمّة أكثر تعقيداً ممّا تبدو عليه. فالإدارات تتغيّر، بينما تبقى المؤسّسات. وما يُبنى بقرارات تنفيذيّة يمكن تعديله أو إلغاؤه بقرارات لاحقة. أمّا الثقافة المؤسّسيّة والذاكرة التنظيميّة وشبكات العلاقات التي تراكمت على مدى عقود، فهي أكثر مقاومة للتغيير من أيّ مسؤول سياسيّ.

لكن ربّما يكون السؤال الأكثر أهمّيّة هو: ماذا لو نجح؟

إذا تمكّن ترامب من إعادة تشكيل المؤسّسات الأمنيّة والاستخباريّة على النحو الذي يريده، فلن يغيّر فقط طريقة عمل هذه الأجهزة، بل سيؤسّس لسابقة قد يستفيد منها كلّ رئيس يأتي بعده. وعندئذٍ لن يكون النقاش متعلّقاً بشخص ترامب، بل بطبيعة النظام الأميركيّ نفسه وبالتوازن الذي قام عليه منذ الحرب العالميّة الثانية بين القيادة السياسيّة والاستقلال المهنيّ للمؤسّسات.

في النهاية، لم يعُد السؤال: هل يخوض ترامب حرباً على الدولة العميقة؟ بل هل تدخل الولايات المتّحدة مرحلة جديدة تصبح فيها المؤسّسات امتداداً للرئيس أكثر ممّا يكون الرئيس حارساً للمؤسّسات؟

إقرأ أيضاً: ترامب في أنقرة: سوريا تتقدّم على النّاتو؟

لقد قام النظام الأميركيّ طويلاً على توازن دقيق بين الإرادة الشعبيّة والخبرة المؤسّسيّة. واليوم يختبر ترامب حدود هذا التوازن كما لم يفعل أيّ رئيس حديث قبله.

أمّا الحكم النهائيّ فلن يصدر عن السياسيّين أو المعلّقين التلفزيونيّين أو منشورات “تروث سوشيل”، بل سيصدر عن أوّل أزمة كبرى تواجه هذه المنظومة الجديدة، أزمة قد تأتي من موسكو أو بكّين أو طهران أو من فضاء الإنترنت نفسه. ففي عالم الاستخبارات، لا شيء يكشف قوّة المؤسّسات أو هشاشتها أسرع من لحظة الاختبار.

عندما تأتي تلك اللحظة، لن يكون الرهان على ولاء الأشخاص ولا على قوّة الشعارات، بل على قدرة الدولة الأميركيّة على القيام بما قامت به لعقود: إنتاج الحقيقة قبل اتّخاذ القرار. فالدول العظمى لا تُقاس فقط بحجم جيوشها أو اقتصادها، بل أيضاً بقدرتها على سماع الحقائق التي لا ترغب في سماعها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…

عون يُحرّر “بعبدا” من الاحتلال الإيرانيّ

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”….

عندما تنتصر الشعارات وتنهزم الأوطان

لا ينحصر أثر الحروب على حساب أعداد الضحايا وتكلفة دمار المباني والبنى التحتية، والتكلفة الإجمالية للأضرار على مجمل النشاط الاقتصادي، وإنما يمتد إلى ضرورة إعادة…

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…