ترامب في أنقرة: سوريا تتقدّم على النّاتو؟

مدة القراءة 6 د

قبل سبع سنوات، كان دونالد ترامب يهدّد تركيا بـ”تدمير ومحو” اقتصادها إذا تجاوزت الحدود في شمال سوريا. اليوم، يعود ترامب نفسه إلى تركيا من بوّابة قمّة الناتو، لا بوصفها خصماً يجب ردعه، بل شريك لا يمكن تجاوزه في سوريا والعراق وإيران وروسيا. بين تهديد 2019 وزيارة 2026، تبدّلت وظيفة أنقرة في العقل الأميركيّ: من دولة تُراقَب حركتها في سوريا، إلى دولة تحتاج إليها واشنطن لرسم حدود الحركة نفسها.

 

ليست زيارة ترامب المرتقبة لأنقرة مشاركة في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ يومَي 7 و8 تمّوز المقبل وحسب. هي أوّل زيارة له لتركيا في ولايته الثانية، وتأتي في لحظة انتعاش الدور التركيّ في الشرق الأوسط، خلافاً لسنوات سابقة طغت عليها الشكوك الأميركيّة والغربيّة حيال إردوغان. لذلك تبدو القمّة أطلسيّة في عنوانها، لكنّها شرق أوسطيّة في جوهرها.

من التّهديد إلى الحاجة

في خريف 2019، وبعد قراره المفاجئ سحب القوّات الأميركيّة من شمال شرقيّ سوريا، هدّد ترامب بأنّه قد “يدمّر ويمحو” الاقتصاد التركيّ إذا تجاوزت أنقرة ما اعتبره حدوداً مقبولة. يومها، كانت العلاقة التركيّة ـ الأميركيّة معلّقة بين الجدل في العمليّة التركيّة، ومصير الأكراد، والفراغ الأمنيّ في الشمال السوريّ.

تبدو الصورة اليوم مختلفة. فتركيا التي كانت تُهدَّد بالعقوبات بسبب سوريا، صارت تُستدعى شريكاً في إدارتها. هذا لا يعني أنّ الخلافات اختفت، ولا أنّ العلاقة صارت سهلة. لكنّه يعني أنّ واشنطن، في عهد ترامب الثاني، باتت ترى في أنقرة مفتاحاً لا عبئاً فقط، خصوصاً بعدما تحوّلت سوريا إلى ساحة إعادة ترتيب كبرى بعد صعود السلطة الجديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع.

تقول معلومات “أساس” إنّ إردوغان سيُظهر في قمّته مع ترامب قدراً كبيراً من الامتنان للنهج الأميركيّ البنّاء تجاه سوريا والرئيس أحمد الشرع

يشرح مصدر مطّلع لـ”أساس” أنّ سوريا نفسها هي التي غيّرت موقع تركيا في واشنطن. ففي عام 2019، كانت سبب التوتّر الأكبر بين الرجلين: الانسحاب الأميركيّ المفاجئ من الشمال، العمليّة التركيّة ضدّ المقاتلين الأكراد، وتهديد ترامب لأنقرة بتدمير اقتصادها. أمّا اليوم فقد تحوّلت سوريا إلى سبب التقارب. فواشنطن لم تعد قادرة على التعامل مع دمشق الجديدة، ولا مع ملفّ “قسد”، ولا مع ترتيبات الشمال والجنوب، من دون المرور بأنقرة.

تقول معلومات “أساس” إنّ إردوغان سيُظهر في قمّته مع ترامب قدراً كبيراً من الامتنان للنهج الأميركيّ البنّاء تجاه سوريا والرئيس أحمد الشرع. فتركيا ترى أنّ مقاربة ترامب فتحت الباب أمام حقبة تعاون تركيّ ـ أميركيّ جديدة في الملفّ السوريّ، بعد سنوات من الشكوك والخلافات تتّصل بـ”قسد” والمنطقة الآمنة والوجود الأميركيّ شرق الفرات. لكنّ إردوغان لن يكتفي بالشكر. فبحسب المعلومات نفسها، سيقول لترامب إنّ سياسة إسرائيل في سوريا والمنطقة لا تزال عُقدة كبيرة ينبغي العمل على فكّها لأنّ أيّ استقرار في دمشق سيبقى هشّاً إذا تُركت إسرائيل تتحرّك في الجنوب السوريّ بلا ضوابط سياسيّة وأمنيّة واضحة.

من الاشمئزاز إلى الحضور

المفارقة أنّ زيارة ترامب لأنقرة تأتي بعد أسابيع من تصريحات مثيرة قال فيها إنّه يدرس بجديّة سحب الولايات المتّحدة من الناتو، معبّراً عن “اشمئزازه” من أداء الحلفاء. لذلك لا يعني حضوره قمّة أنقرة عودة تلقائيّة إلى الانسجام الأطلسيّ، بل قد يكون محاولة لإعادة التفاوض على وظيفة الحلف وكلفته.

ترامب

كان ترامب قد أبلغ إردوغان، خلال اتّصال هاتفيّ في 20 أيّار الماضي، عزمه حضور قمّة الناتو في أنقرة. أعطى هذا الاتّصال، الذي تناول أيضاً ملفّات المنطقة، الزيارة بُعداً سياسيّاً يتجاوز البروتوكول. فترامب لا يذهب إلى بروكسل أو باريس ليطمئن الحلفاء الأوروبيّين، بل إلى أنقرة، عاصمة الحليف الأطلسيّ الأكثر قدرة على الحركة خارج القوالب الغربيّة التقليديّة.

ليست زيارة ترامب المرتقبة لأنقرة مشاركة في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ يومَي 7 و8 تمّوز المقبل وحسب. هي أوّل زيارة له لتركيا في ولايته الثانية

في خلفيّة القمّة، يتحرّك قلق أوروبيّ واضح. فالأمين العامّ للناتو مارك روته وقادة أوروبيّون آخرون سيحاولون إقناع ترامب بأنّ الحلف لا يزال ضروريّاً للأمن عبر الأطلسيّ، وليس عبئاً على واشنطن. ليست الخشية من كلام ترامب فقط، بل من احتمال أن يتحوّل التهديد إلى قرار مفاجئ يترك أوروبا أمام فراغ استراتيجيّ.

هنا يبرز دور تركيا بصفتها الدولة المضيفة. فبحسب دبلوماسيّين، قد يكون أفضل ما تستطيع أنقرة فعله هو السعي إلى الحصول من واشنطن على خريطة طريق لأيّ خفض أو انسحاب أميركيّ محتمل، بحيث يكون تدريجيّاً ومنظّماً، لا صادماً ومفاجئاً. بهذا المعنى، قد تتحوّل قمّة أنقرة إلى مساحة لإدارة أزمة الناتو.

لقاء قبل القمّة؟

قبل محطّة أنقرة، تتحدّث تقارير عن احتمال لقاء مبكر بين إردوغان وترامب في لوس أنجلوس، على هامش مباراة الولايات المتّحدة وتركيا في كأس العالم في 25 حزيران الحالي. وقد يسعى إردوغان، المعروف بمتابعته مباريات المنتخب التركيّ من المدرّجات، إذا سافر إلى الولايات المتّحدة، إلى مشاهدة المباراة إلى جانب ترامب. لكنّ هذا الاحتمال لا يزال غير محسوم، وهو ما يجعله إشارة سياسيّة مفتوحة لا موعداً مثبّتاً.

إذا حصل اللقاء فسيعني أنّ المسار بين الرجلين يبدأ بصورة وديّة في حدث رياضيّ، قبل أن ينتقل إلى تفاوض ثقيل في أنقرة يتناول ملفّات الناتو وسوريا وإسرائيل وإيران والعراق.

إقرأ أيضاً: ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

الخلاصة أنّ زيارة ترامب لأنقرة تختصر تحوّلاً كاملاً: من رئيس هدّد تركيا بسبب سوريا، إلى رئيس يحتاج إليها لإدارة سوريا، ومن رئيس يتشكّك في الناتو، إلى رئيس يحضر قمّته في أنقرة. أمّا إردوغان فسيتعامل مع الزيارة كفرصة مزدوجة: تثبيت تركيا في قلب الحسابات الأميركيّة، وتذكير ترامب بأنّ مفتاح سوريا الجديدة لا يمرّ فقط عبر دمشق وأنقرة، بل أيضاً عبر ضبط العقدة الإسرائيليّة التي قد تُربك كلّ ترتيب في المنطقة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

انفجرت بين بعبدا وطهران: أخطر مواجهة سياسية منذ الطائف

لم يعد الخلاف القائم بين الدولة اللبنانية وإيران مجرّد تباين في المواقف حول الحرب أو حول سلاح “الحزب”. ما ظهر في الأيام الأخيرة، عبر السجال…

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…

ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

لا يبدو أنّ الانفتاح الاقتصادي على سوريا يسير من باب واحد. في دمشق، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات: أولاً، مسار سوري يبحث عن إعادة تشغيل الاقتصاد،…

أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

  لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة…