ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

مدة القراءة 6 د

لا يبدو أنّ الانفتاح الاقتصادي على سوريا يسير من باب واحد. في دمشق، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات:

أولاً، مسار سوري يبحث عن إعادة تشغيل الاقتصاد، واستعادة ثقة المستثمرين، وتحويل الانفتاح السياسي إلى مشاريع على الأرض.

ثانياً، مسار سعودي يدخل من بوابة الاستثمار والتمويل، مستنداً إلى قدرة مصرفية ومالية واسعة، وإلى قرب سياسي واقتصادي متزايد من سوريا.

ثالثاً، مسار فرنسي يحاول العودة إلى السوق السورية عبر بوابة الشركات، والخبرات القطاعية، والعلاقات التاريخية مع رجال الأعمال السوريين.

 

بين هذه المسارات الثلاثة، يبرز تحرّك مجلس الأعمال السوري السعودي والمجلس الفرنسي السوري للأعمال كإطارين اقتصاديين قائمين يُراد لهما أن ينقلا التواصل من مرحلة اللقاءات إلى مرحلة المشاريع.

بحسب معلومات “أساس”، فإنّ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا مطروحة خلال الفترة المقبلة، من دون موعد رسمي معلن حتى الآن، يرجح أن يكون في الشهر القادم،لأسباب مرتبطة بالترتيبات الأمنية المشدّدة التي ترافق زيارة بهذا المستوى. وتقول المعلومات إنّ التحضير يجري على أساس أن تكون الزيارة، في حال نضوج ظروفها، مصحوبة أو متزامنة مع تحرّك اقتصادي فرنسي.

يبدو المسار السعودي أكثر تقدّماً من حيث الأرقام والاندفاعة الاستثمارية. فقد شهدت دمشق حراكاً اقتصادياً سورياً سعودياً تُرجم باتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات عدّة

المجلس الفرنسي السوري

الواجهة الأبرز لهذا المسار هي المجلس الفرنسي السوري للأعمال، المعروف بالفرنسية باسم Conseil d’Affaires Franco-Syrien أو CAFSY. يعرّف المجلس نفسه كمنصّة مخصّصة لتطوير الاستثمار والعلاقات التجارية بين فرنسا وسوريا، وكجسر بين الشركات والمستثمرين وصنّاع القرار في البلدين. وله حضور بين باريس ودمشق، بما يعكس محاولة إنشاء قناة عملية بين السوق السورية والبيئة الاقتصادية الفرنسية.

لا تكمن أهمية المجلس فقط في اسمه، بل في توقيته. ففرنسا التي حافظت تاريخياً على علاقة واسعة مع جزء من النخبة الاقتصادية السورية، تبدو اليوم معنية بالعودة إلى السوق السورية من بوابة منظّمة. وبحسب ما يورده المجلس في تعريفه لنفسه، فإنّ عمله يركّز على تعزيز الاستثمارات والشراكات والتعاون الاقتصادي، ومواكبة إعادة بناء الاقتصاد السوري، مع اهتمام بقطاعات مثل البنية التحتية، الصحة، التعليم، الطاقة، السياحة، التمويل، الاتصالات والصناعة.

ماكرون والعودة الفرنسية

لا تتعامل باريس مع الزيارة بمنطق الإعلان المسبق عن موعد ثابت، بل بمنطق التحضير الحذر، بسبب الاعتبارات الأمنية والسياسية. لكنّ طرح الزيارة بحدّ ذاته يعكس رغبة فرنسية في أن تكون باريس ضمن صورة سوريا الجديدة، لا خارجها.

المعنى الاقتصادي للزيارة، إذا حصلت، لا يقلّ أهمية عن معناها السياسي. فحضور شركات فرنسية أو وفد اقتصادي إلى جانب هذا المسار سيعني أنّ باريس لا تكتفي بفتح قناة سياسية، بل تبحث عن موقع داخل ورشة إعادة الإعمار والتطوير.

وبحسب معلومات متابعة، فإنّ من بين الملفات المطروحة أمام الشركات الفرنسية مشاريع مرتبطة بالتعليم وتطوير بعض المناهج والبرامج التأهيلية، إضافة إلى قطاعات الصحة والبنية التحتية والخدمات. وتندرج هذه الملفات ضمن نقاش أوسع حول كيفية الاستفادة من الخبرات الفرنسية في برامج التنمية والتحديث، بما يتقاطع مع أولويات الحكومة السورية في هذه المرحلة.

فرنسا تريد أن تقول إنّها حاضرة في سوريا الجديدة، والسعودية تريد أن تكون في قلب الانطلاق الاقتصادي، أما دمشق فتريد أن تحوّل الانفتاح من صورة سياسية إلى مشاريع على الأرض

السعودية تدخل بثقلها

في المقابل، يبدو المسار السعودي أكثر تقدّماً من حيث الأرقام والاندفاعة الاستثمارية. فقد شهدت دمشق حراكاً اقتصادياً سورياً سعودياً تُرجم باتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات عدّة، بينها العقارات، الإسكان، الاتصالات، التمويل، السياحة، الصحة، والخدمات. كما أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية تشكيل الجانب السوري من مجلس الأعمال السوري السعودي، برئاسة هيثم جود.

بحسب معلومات “أساس”، يُنظر إلى هذا المجلس في دمشق بوصفه إطاراً أساسياً لتنظيم دخول الاستثمارات السعودية، لا مجرّد لجنة تواصل. فالسعودية تملك قطاعاً مصرفياً كبيراً وقدرة تمويلية واسعة، كما أنّ وجود جالية سورية كبيرة في المملكة، وتراكم علاقات اقتصادية واجتماعية بين رجال أعمال سوريين وسعوديين، يمكن أن يشكّلا عنصر دفع إضافياً لحركة الاستثمارات والتحويلات والشراكات.

ومن هذه الزاوية، لا يظهر التحرّك الفرنسي منفصلاً عن المسار السعودي. فالمعادلة المطروحة في الكواليس الاقتصادية تقوم على الجمع بين القدرة التمويلية السعودية والخبرة الفرنسية، وبينهما حاجة سورية واسعة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. السعودية تستطيع أن تفتح باب التمويل والاستثمار، وفرنسا تستطيع أن تأتي بالشركات والخبرة الفنية، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى تحديث طويل الأمد.

تفعيل لا إطلاق

يكتسب اللقاء بين المجلسين، السوري السعودي والفرنسي السوري، أهمية خاصة لأنه يربط المصالح المشتركة بين المجالس السعودية والفرنسية والسورية. فالمسألة لا تتعلق بإطلاق إطار جديد من الصفر، بل بتفعيل أطر قائمة وتحويلها إلى مساحة تنسيق بين التمويل السعودي، والخبرة الفرنسية، والأولويات السورية.

وتقول مصادر متابعة إنّ التفاؤل يبدو كبيراً حيال الدور الذي يمكن أن يلعبه المجلسان في المرحلة المقبلة. فالمسار السعودي يستند إلى قرب سياسي واقتصادي متزايد من سوريا. أما المسار الفرنسي فيستند إلى علاقة تاريخية بين فرنسا ورجال الأعمال السوريين، وإلى خبرة شركات فرنسية في قطاعات حيوية تحتاجها دمشق في مرحلة إعادة البناء.

إقرأ أيضاً: مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

هكذا، لا يعود تحرّك المجلسين تفصيلاً تنظيمياً في مشهد اقتصادي ناشئ. إنّه محاولة لصناعة شبكة مصالح جديدة حول سوريا: تمويل سعودي، خبرة فرنسية، وحاجة سورية إلى إعادة تشغيل الاقتصاد. وبين هذه العناصر، تحاول دمشق أن تثبّت موقعها كساحة جذب للاستثمارات العربية والأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن التحوّل السياسي الذي أعاد فتح النقاش حول دورها الاقتصادي في المنطقة.

إذا صحّ أنّ ماكرون يقترب من زيارة سوريا، فإنّ الرسالة ستكون أبعد من البروتوكول. فرنسا تريد أن تقول إنّها حاضرة في سوريا الجديدة، والسعودية تريد أن تكون في قلب الانطلاق الاقتصادي، أما دمشق فتريد أن تحوّل الانفتاح من صورة سياسية إلى مشاريع على الأرض.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…

أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

  لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة…

إتفاق نزع سلاح “الحزب” أولاً… ثم وقف النار؟

وصف رئيس الجمهورية جوزف عون إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبناني والإسرائيلي، فجر الخميس، في الجولة الرابعة من المفاوضات التي تستضيفها…

العراق على خط التّماس: معادلة “الزيدي” الصّعبة

يجِدُ العراق نفسَه اليوم، وبشكلٍ أكثرُ إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى، أمام الاستحقاق الأكثر تعقيداً منذ إسقاط نظام صدّام حسين سنة 2003: حصر السّلاح بِيدِ…