قُتلت الصحافيّة في جريدة الأخبار آمال خليل في بلدة الطيري جنوب لبنان بدم إسرائيليّ بارد. استهدفتها محلّقة إسرائيليّة مع زميلتها المصوّرة زينب فرج. نجت الاثنتان في البدء. أرسلت تل أبيب طائرة حربيّة لتدمّر المبنى الذي لجأت إليه آمال، وحالت دون وصول فرق الإغاثة والصليب الأحمر إليها. واصلت إسرائيل حصارها تحت ركام المبنى المُدمّر. كانت آمال لتصنع رواية عن ذلك لولا استشهادها.
لم أعرف آمال خليل عن قرب، لكنني كنت أشعر، كلما قرأت لها، أنها تعرف وجوه الناس في الجنوب واحداً واحداً، وتخاف عليهم كما لو كانوا جزءاً من ذاكرتها الشخصية. لم تكن نصوصها مجرد أخبار، بل كانت أقرب إلى اعترافات هادئة عن هذا البلد المتعب: عن الأمهات اللواتي ينتظرن، عن البيوت التي تصمد بصمت، وعن التفاصيل الصغيرة التي نحاول جميعاً التمسك بها كي لا ننهار.
رحيلها بهذه القسوة يطرح سؤالاً موجعاً عن معنى الكلمة في زمن تُستهدف فيه حتى الشهادة على الحقيقة. حين تُقتل صحافية، لا يُطفأ صوت فردي فقط، بل تُصاب مساحة كاملة من الذاكرة والحق في الرواية. ومع ذلك، يبقى ما كتبته آمال أثراً حياً، كأن كلماتها تواصل مهمتها بعد غيابها، تُذكر بأن الصحافة، في جوهرها، ليست مهنة عابرة، بل فعل إنساني وسياسي هادىء في وجه النسيان.
مقتل الصحافيّة آمال خليل لم يكن حدثاً عابراً يمكن إدراجه في خانة “الخسائر الجانبيّة” لحرب مفتوحة. ما جرى هو فعل سياسيّ مكتمل الأركان، وجاء في توقيت محسوب عشيّة مفاوضات حسّاسة ليحمل رسالة واضحة: التفاوض لن يتمّ إلّا تحت النار، وتحت سقف القوّة والإرهاب، لا تحت سقف القانون الدوليّ.
يُفترض في الحروب التقليديّة أن يكون التصعيد بديلاً عن التفاوض، أمّا في الحالة الإسرائيليّة فهو لغة التفاوض نفسها. ليست النار في الجنوب خروجاً على السياسة، بل أداتها الأكثر فعاليّة. من هذا المنظور يصبح استهداف صحافيّة ميدانيّة معروفة كانت تغطّي يوميّات الحرب في الجنوب جزءاً من هندسة الضغط على اللبنانيّين عبر تحطيم نماذج في يوميّاتهم، لا خطأ عمليّاتيّاً.
لم تُقتل آمال خليل لأنّها أخطأت المكان، بل لأنّها كانت في المكان الذي يجب أن تكون فيه لتنقل الوقائع الإسرائيليّة المُرعبة
من الميدان إلى الطّاولة
أن تُقتل صحافيّة في لحظة اقتراب المفاوضات، فذلك ليس تفصيلاً، بل هو إعلان صريح بأنّ إسرائيل تدخل أيّ مسار تفاوضيّ وهي تسعى إلى رفع الكلفة مسبقاً على الطرف الآخر. لبنان الذي يذهب إلى الطاولة مثقلاً بأزماته لا يُدفع أكثر نحو موقع الدفاع عسكريّاً فقط، بل وسياسيّاً ونفسيّاً.
الرسالة هنا مزدوجة: أوّلاً، لا يزال الجنوب مكشوفاً وأيّ حديث عن التهدئة هو هدنة قابلة للكسر في أيّ لحظة. وثانياً، إسرائيل ليست قادرة على توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المقاتلين والبنى العسكريّة وحسب، بل وكلّ من يوجد في مساحة الحدث، ومنهم من ينقل الوقائع والأحداث.
بهذا المعنى يتحوّل القتل إلى أداة تفاوض غير مباشر. كلّ غارة وكلّ استهداف يعيدان رسم حدود الممكن على طاولة المفاوضات.
حرب على الرّواية؟
لكنّ ما يجعل مقتل آمال خليل أكثر خطورة ليس توقيته فقط، بل وطبيعته. ليس استهداف الصحافيّين عملاً عشوائيّاً في مثل هذه السياقات، بل هو خيار واعٍ. الصحافيّ في الميدان لا يهدّد ميزان القوى، بل يهدّد الرواية.
في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل على الصورة أيضاً. من يروي الحدث يملك جزءاً من نتائجه، لذلك يُصبح إسكات الشهود جزءاً من الاستراتيجية العسكريّة، أو العمليّات الحربيّة.
هناك دائماً أفعال إسرائيليّة عنفيّة تسعى إلى إظهار القدرة على المبادرة لا الاكتفاء بردّ الفعل. لهذا يُصبح مقتل آمال خليل جزءاً من خطاب القوّة: لا خطوط حمراً ثابتة، ولا مناطق مُحيّدة بالكامل
لا تضغط إسرائيل على لبنان لتقديم تنازلات فقط، بل تسعى إلى فرض معادلة أعمق: لن يكون التفاوض بين طرفين مُتكافئين، بل قوّة تمارس العنف وأقصى ما تستطيع من الضغط. في هذه المعادلة لا يكون الصحافيّ خارج الصراع، بل في قلبه لأنّه يملك ما هو أخطر من السلاح: القدرة على الشهادة للحقيقة، ولهذا يُقتل.
الضّغط على لبنان
لا يمكن فصل هذا الحدث عن موقع لبنان نفسه. الدولة اللبنانيّة، في لحظة التفاوض، لا تملك ترف المناورة: اقتصاد منهار، مؤسّسات ضعيفة، انقسام سياسيّ حادّ، كلّها عوامل تجعلها أكثر عرضة للضغط.
إقرأ أيضاً: من الساحة إلى الدولة: عون يتحدى الواقع اللبناني
تدرك إسرائيل هذا جيّداً، ولذلك ليس التصعيد موجّهاً فقط نحو “الخصم العسكريّ” بل نحو الدولة ككلّ. ليس الهدف تعديل قواعد الاشتباك فقط، بل إعادة فرض سياسة أوسع: من شكل الانتشار الإسرائيليّ في الجنوب إلى طبيعة الضمانات الأمنيّة المطلوبة من لبنان. بكلام آخر، تُستخدم النار هنا لإعادة تعريف الدولة اللبنانيّة نفسها. ما الذي تستطيع أن تقبله، وما الذي تستطيع أن ترفضه.
لمتابعة الكاتب على X:
