في لحظةٍ تبدو كأنّها اختبار نهائيّ لفكرة الدولة، يتّجه لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن الأسبوع المقبل، فيما يتصاعد في الداخل خطاب يؤكّد الاستمرار في المواجهة “حتّى ينقطع النفس”. بين هذين المسارين، لا يظهر التناقض خللاً عرضيّاً، بل بنية قائمة بذاتها: دولة تفاوض، وقوّة موازية خارجة على الدولة تقاتل، ومجتمع يرزح تحت كلفة الاثنين معاً.
لا يدخل لبنان إلى واشنطن من موقع المنتصر، بل من موقع المنكشف. الدولة التي تفاوض اليوم لا تفعل ذلك لأنّها فرضت شروطها، بل لأنّها لم تعد تملك القدرة على الاستمرار في الانهيار المفتوح. اقتصاد متداعٍ، مؤسّسات متآكلة، ومجتمع فقد حدّه الأدنى من الاستقرار. كلّها عناصر تجعل من التفاوض ضرورةً لا خياراً. مع ذلك، يأتي خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” ليُبقي على لغة المواجهة المطلقة كما لو أنّ لبنان لا يزال يمتلك فائض قوّة. هنا يظهر الانفصال الأوّل: الدولة تفاوض لتخفيف الخسائر، فيما الخطاب يُنكر أصلاً وجود مأزق.
القوّة قيد لا أداة
في أدبيّات الصراع، يمكن للقوّة العسكريّة أن تكون أداة لتحسين شروط التفاوض. لكنّ هذه القاعدة تفترض شرطاً أساسيّاً: أن تكون القوّة تحت سيطرة القرار السياسيّ.
في الحالة اللبنانيّة، تنقلب المعادلة. ليست القوّة التي يعبّر عنها خطاب الشيخ نعيم قاسم مُدمجةً بالكامل في بنية الدولة، بل تعمل خارج سقفها. هنا، لا تتحوّل “النار” إلى ورقة تفاوض، بل إلى عنصر ضغط على الدولة نفسها.
بهذا المعنى، لا يفاوض لبنان من موقع “القوّة المُدارة”، بل من موقع القوّة غير المنضبطة. هذا ما لا يجعل “المفاوضات تحت النار” استراتيجية سياديّة، بل مأزق بنيويّ.
يغرق الخطاب في سرديّة “فشل العدوّ”، مُراكماً صور العجز الإسرائيليّ، من الإخفاق في الاجتياح إلى الخسائر البشريّة والتخبّط في الأهداف
كلّ تفاوض يفترض أفقاً: وقفاً لإطلاق النار أو تسوية أو إعادة ترتيب قواعد الاشتباك. لكنّ خطاب الاستمرار “حتّى ينقطع النفس” ينسف هذا الأفق من أساسه. إذا كانت الحرب بلا سقف، فكيف يمكن رسم سقف للتفاوض؟ وإذا كان النصر مطلقاً، فما الذي يمكن التنازل عنه أو التفاوض عليه؟
هكذا يتحوّل الخطاب من “أداة وصف للواقع إلى آليّة إنتاج للحقيقة” على ما يقول الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو. الحرب لا تُقدَّم كخيار سياسيّ، بل كحقيقة وجوديّة لا تقبل النقاش، وهو ما يجعل السياسة نفسها، بوصفها مجالاً للتفاوض، معلّقة أو مؤجّلة.
الدّولة استعارة لا مرجعيّة سياديّة
يتحدّث الخطاب باسم “الشعب اللبنانيّ”، لكنّه يقدّم تعريفاً واحداً للمصلحة الوطنيّة قائماً على أولويّة المواجهة. وعليه ليس أمامنا خطاب سياسيّ فقط، بل محاولة لإنتاج هيمنة رمزيّة تُحوّل رؤية جزئيّة إلى ما يشبه “الحسّ المشترَك”.
لكنّ لبنان، في لحظته الراهنة، ليس مجتمع هيمنة مستقرّة، بل مجتمع تصدُّع. هناك شرائح واسعة: فئة لا ترى في الحرب أولويّة، أخرى لا تعتبر الشهادة أفقاً جامعاً، وثالثة ترفض أن يكون التصعيد خياراً قابلاً للاستمرار. هكذا يتحوّل الخطاب من أداة توحيد إلى أداة إقصاء لأنّه يُلزم الجميع بمعجم لا يشاركون في إنتاجه.

يستحضر الخطاب ثلاثيّة “الدولة والجيش والشعب والمقاومة”، في محاولة لخلق انسجام رمزيّ. لكنّ هذا الانسجام ينهار عند أوّل اختبار واقعيّ. لا تحتكر الدولة، في الممارسة، قرار الحرب، ولا تملك القدرة الكاملة على ضبط مسار التصعيد أو التهدئة. بالتالي يصبح حضورها في الخطاب أقرب إلى الاستعارة منه إلى الفعل. هنا تتكثّف الأزمة اللبنانيّة في صورتها الأكثر وضوحاً: دولة تُستدعى في اللغة، وتُغيَّب في القرار.
الأخطر من ذلك أنّ إدخال الحرب في أفق دينيّ مغلق، حيث النصر وعدٌ إلهيّ، يُعطّل السياسة بوصفها مجالاً للنقاش والمساءلة
لا يغيب عن الخطاب السياسة فقط، بل المجتمع نفسه. لبنان ما بعد عام 2019 ليس لبنان التعبئة، بل لبنان الإنهاك: طبقة وسطى تآكلت، مؤسّسات فقدت ثقة مواطنيها، وشبكات تضامن تراجعت.
في هذا السياق، لا تعود “المفاوضات تحت النار” خياراً استراتيجيّاً، بل تتحوّل إلى اختبار قاسٍ لقدرة المجتمع على البقاء في ظلّ الحرب الحاليّة على البلد، والمُستمرّة منذ قرّر “الحزب” مُنفرداً الذهاب إلى معركة “إسناد غزّة”. هنا لا يكفي السؤال عمّن يربح ميدانيّاً، بل يجب طرح سؤال أكثر جذريّة: ألا يزال الاجتماع السياسيّ والأهليّ اللبنانيّ قادراً على تحمّل كلفة هذا النموذج؟
سؤال لا يمكن الهروب منه
لا تُقاس المواقف في واشنطن ببلاغتها، بل بقدرتها على التحوّل إلى التزامات. تُطرح الأسئلة هناك بصيغة مباشرة: ما الذي يريده لبنان؟ ما الذي يستطيع تقديمه؟ ومن يضمن تنفيذ ما يُتّفق عليه؟
لا يقدّم الخطاب الداخليّ إجابات على هذه الأسئلة، بل يكتفي برفع السقف. هنا تظهر فجوة خطِرة بي: خطاب تعبويّ موجَّه للداخل، وواقع تفاوضيّ يتطلّب وضوحاً ووحدة قرار. ليست هذه الفجوة تقنيّة، بل تمسّ صدقيّة الدولة نفسها.
في النظريّة الكلاسيكيّة، الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى. لكن تبدو المعادلة مقلوبة في الحالة اللبنانيّة: السياسة تصبح امتداداً للحرب، لا العكس. بدل أن تقود السياسة الحرب نحو نهاية، تُستخدم الحرب لتحديد سقف السياسة. هكذا لا يُنتج التفاوض حلّاً، بل يُدار الصراع ضمن حدود مؤقّتة، فيما يبقى أفق الحرب مفتوحاً.
ليست المشكلة في لبنان اليوم في وجود مقاومة، ولا في ضرورة التفاوض، بل في استحالة الجمع بينهما ضمن منطق واحد. لا تستطيع الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب أن تفاوض بصدقيّة. لا تستطيع المقاومة التي ترفض وضع سقف للحرب أن تنتج سياسة. بين هذين الحدّين، لا يعيش لبنان توازناً، بل يعيش تعليقاً دائماً: حرباً لا تُحسَم، تسويةً لا تولد، فيما مجتمع يدفع الكلفة بصمت.
لا يكشف خطاب الشيخ نعيم قاسم عن موقف سياسيّ فقط، بل عن أزمة أعمق بكثير
لا يكشف خطاب الشيخ نعيم قاسم بهذا المعنى عن موقف سياسيّ فقط، بل عن أزمة أعمق بكثير: أزمة دولة لم تعد تعرف من يتكلّم باسمها ولا من يملك قرارها. عليه لا يعود السؤال: من يربح أو يخسر؟ ويحلّ بدلاً منه سؤال أكثر قسوة: ألا يزال هناك شيء اسمه قرار لبنانيّ واحد أم لبنان، في هذه اللحظة، لم يعد سوى ساحة تتكلّم بأكثر من صوت ولا تسمع أحداً؟
فائض الانتصار… وسؤال الواقع
يؤسّس الخطاب، منذ بدايته، لاقتصاد رمزيّ قائم على “الشهادة”، حيث تتحوّل الخسارة البشريّة إلى رصيد أخلاقيّ يُعاد استثماره في تثبيت شرعيّة المقاومة. ليست هذه البنية جديدة، لكنّها هنا تبلغ ذروة كثافتها، إذ يُعاد تأطير الموت بوصفه شرطاً للنصر، لا كلفةً له.
الأخطر من ذلك أنّ إدخال الحرب في أفق دينيّ مغلق، حيث النصر وعدٌ إلهيّ، يُعطّل السياسة بوصفها مجالاً للنقاش والمساءلة. إذا كان النصر محسوماً في المطلق، فما جدوى النقاش في الوسائل؟ وإذا كانت التضحية قدراً، فمن يملك حقّ رفضها؟ هكذا أيضاً لا يعود الخطاب تعبيراً عن موقف وحسب، بل يصبح آليّة لإغلاق المجال العامّ، وتحويل الاختلاف إلى نقص في الإيمان أو في الوطنيّة.
يغرق الخطاب في سرديّة “فشل العدوّ”، مُراكماً صور العجز الإسرائيليّ، من الإخفاق في الاجتياح إلى الخسائر البشريّة والتخبّط في الأهداف. تؤدّي هذه البلاغة، المعروفة في أدبيّات الحروب غير المتكافئة، وظيفةً واضحةً: إنتاج تفوّق معنويّ يعوّض اختلال ميزان القوى.
في الحالة اللبنانيّة، تنقلب المعادلة. ليست القوّة التي يعبّر عنها خطاب الشيخ نعيم قاسم مُدمجةً بالكامل في بنية الدولة، بل تعمل خارج سقفها
لكنّ الأسئلة الجوهريّة ليست: هل فشل العدو؟ بل: ماذا يعني هذا “النجاح” في سياق لبنانيّ منهار؟ هل يمكن اعتبار استمرار إطلاق الصواريخ إنجازاً؟ هل يُقاس النصر بمدى إيلام الخصم أم بقدرة المجتمع على الصمود بعد الحرب؟
إقرأ أيضاً: خطاب “الحزب” يُعيد تعريف لبنان؟
هنا تنكشف مفارقة حادّة: خطاب يُعلن القوّة ضدّ العدوّ، في وقتٍ يعيش الداخل أقصى درجات الهشاشة. كأنّ هناك اقتصادَين منفصلَين: اقتصاداً رمزيّاً للانتصار، واقتصاداً واقعيّاً للانهيار. ليس هذا الانفصال تفصيلاً، بل هو جوهر الأزمة لأنّ أيّ خطاب لا يربط بين كلفة الحرب وقدرة المجتمع على تحمّلها يتحوّل إلى خطاب خارج التاريخ.
لمتابعة الكاتب على X:
