عودة “أحمد سعيد”… التّضليل بوصفه نظاماً

مدة القراءة 8 د

لم يعد التضليل الإعلاميّ خللاً مهنيّاً وحسب، بل تحوّل إلى نظامٍ متكامل يُدار بوعيٍ وهدف. في لحظةٍ تتكاثر فيها الشاشات وتفيض المعلومات، لا تبدو الحقيقة هي الضحيّة الوحيدة، بل الوعي نفسه. من يتابع أداء وسائل إعلام تدور في فلك “محور إيران” يكتشف سريعاً أنّنا لا نعيش فقط في زمن الانحياز، بل في زمن إعادة تصنيع الواقع: انتصارات تُبثّ بلا توقّف، وخسائر تُمحى بصمت.

هكذا لا يُعاد توصيف ما يجري على الأرض فحسب، بل يُعاد تشكيله بالكامل داخل خطابٍ مغلق على نفسه. هنا لا يعود استحضار الإعلاميّ المصريّ أحمد سعيد الذي كان نموذجاً يُحتذى ويُتابَع في زمن حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ترفاً تاريخيّاً، بل ضرورة تفسيريّة لفهم حاضرٍ يعيد إنتاج الماضي، لكن هذه المرّة بجمهورٍ موالٍ لإيران و”الحزب” يعرف أكثر ويصدّق أكثر.

 

ليس استدعاء اسم أحمد سعيد حنيناً إلى زمنٍ إذاعيّ مضى، بل محاولة لفهم حاضرٍ إعلاميّ يعيد إنتاج المنطق نفسه، بأدوات أكثر حداثة وبجمهور أكثر تعقيداً. الرجل الذي ارتبط اسمه، في الوعي الجمعيّ المصريّ، ببيانات النصر الوهميّ خلال نكسة 5 حزيران سنة 1967، لم يكن مذيعاً مخطئاً وحسب، بل كان تعبيراً عن منظومة كاملة رأت في “إدارة الحقيقة” ضرورة سياسيّة، حتّى لو انقلبت تلك الإدارة إلى تضليلٍ صريح.

 

من احتكار الحقيقة إلى إدارة التّناقضات

اليوم ونحن نتابع أداء وسائل إعلام تدور في فلك “الحزب” و”محور إيران”، يبدو أنّ أحمد سعيد لم يغادر المشهد، بل غيّر وسيلته فقط. لم يعد الصوت يخرج من مذياع مركزيّ، بل من شاشات متعدّدة ومطبوعات متنوّعة. لكنّ البنية العميقة للخطاب، في كثير من الأحيان، تبدو مألوفة إلى حدٍّ مقلق: انتصارات متواصلة في السرديّة، مقابل واقعٍ أكثر تعقيداً على الأرض. غير أنّ المقارنة، لكي تكون دقيقة، لا ينبغي أن تكتفي بالإدانة، بل أن تفكّك الآليّة.

في الستّينيّات، كان الإعلام الناصريّ يعمل ضمن معادلة بسيطة: احتكار شبه كامل للمعلومة، وجمهور محدود الخيارات، وسلطة ترى في المعنويّات عنصراً حاسماً في الصراع. أمّا اليوم فنحن أمام بيئة إعلاميّة مفتوحة، تتدفّق فيها المعلومات من مصادر متناقضة، وتتنافس فيها السرديّات على وعي جمهور لم يعد ساذجاً بالضرورة. مع ذلك، يستمرّ خطاب “الانتصار الدائم”، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر. ويبقى السؤال: ما الذي تغيّر إذاً؟ وما الذي بقي؟

لا تعود “عودة أحمد سعيد” استعارة نقديّة وحسب، بل تحذير مفتوح: التاريخ لا يكرّر نفسه بالطريقة نفسها، لكنّه يعيد طرح الأسئلة ذاتها، وبقسوة أكبر في كلّ مرّة. لذلك استعادة أحمد سعيد لن تأتي بجديد، ولا بأيّ شيء مفيد

وظيفة الخطاب

ليس التحوّل الأهمّ في الوسيلة، بل في وظيفة الخطاب. لم يعد الهدف إقناع الجمهور بحقيقة واحدة، بل إدارة التناقض بين ما يُقال وما يُرى. يشاهد المتلقّي صور الأقمار الاصطناعيّة، ويتابع تقارير دوليّة، ويقرأ منصّات متعدّدة، لكنّه في الوقت نفسه يتلقّى خطاباً إعلاميّاً يقدّم له تفسيراً بديلاً لما يحدث.

لنأخذ مثالاً أوّلَ: في تغطية الضربات الجوّية الإسرائيليّة المتكرّرة على مواقع إيرانيّة وأخرى لـ”الحزب” في سوريا خلال سنوات حكم الرئيس المخلوع بشّار الأسد، ركّزت القنوات والصحف والمواقع الإلكترونيّة التابعة لـ”محور إيران” على مفردات محدّدة: “عدوان”، “استهداف”، و”محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة”. هذه توصيفات سياسيّة مفهومة. لكنّ ما قيل كان نصف القصّة فقط.

ما لم يُقَل، في كثير من الأحيان، هو: حجم الخسائر الفعليّة في المواقع المستهدَفة، وتكرار الضربات ونجاحها في إصابة أهدافها، والعجز النسبيّ عن منعها أو الردّ عليها بشكل مباشر. في المقابل، جرى التركيز على فكرة “الصمود” و”الاستمرار”، وهي عناصر رمزيّة مهمّة، لكنّها لا تقدّم صورة كاملة عن ميزان القوّة. هكذا لا يُكذَّب الحدث، بل يُعاد تأطيره بطريقة تجعل الخسارة تبدو جزءاً من مسار انتصاريّ طويل.

أمّا المثال الثاني فهو أكثر حساسيّة لأنّه أقرب إلى الداخل اللبنانيّ ويعيشه راهناً. في التغطية الإعلاميّة للاشتباكات على الحدود الجنوبيّة بين لبنان وإسرائيل منذ فجر الثالث من شهر آذار الحاليّ، ضخّت قنوات التلفزة والمطبوعات و الصحف الإلكترونيّة التابعة لإيران والمتموّلة منها كمّاً هائلاً من التقارير المكتوبة وغير المصوّرة عن “العمليّات النوعيّة” و”الإصابات المباشرة” التي نزلت بإسرائيل وبصفوف قوّاتها العسكريّة.

مرّة أخرى، هذا جزء من الواقع. لكنّ الجزء الآخر، والأكثر تعقيداً، كان أقلّ حضوراً: حجم الدمار في القرى الحدوديّة اللبنانيّة، كلفة النزوح الداخليّ للسكّان، والضربات التي طالت بنية عسكريّة ولوجستيّة داخل لبنان. هنا أيضاً لا يتمّ إنكار الوقائع، بل إعادة ترتيبها في سرديّة تمنح الأولويّة لما يخدم المعنويّات، لا لما يشرح الواقع.

أحمد سعيد… لكن بجمهور مختلف

في هذا السياق، تبدو استعارة أحمد سعيد دقيقة، لكنّها غير مكتملة. الفارق الجوهريّ بين الأمس واليوم لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في طبيعة الجمهور نفسه.

في الستّينيّات، كان الجمهور ضحيّة شبه كاملة للخطاب الرسميّ. أمّا اليوم فالوضع أكثر تعقيداً: ثمّة جمهور يعرف، أو يستطيع أن يعرف، لكنّه يختار، في كثير من الأحيان، أن يصدّق الرواية التي تنسجم مع قناعاته وهويّته السياسيّة.

بعبارة أخرى، لم يعد الإعلام يَخدَع فقط… بل أصبح يخاطب جمهوراً “يُريد أن يُخدَع”. وهذه الفكرة، على قسوتها، تفسّر الكثير. المتلقّي الذي يرى في الصراع بُعداً وجوديّاً قد يفضّل سرديّة تمنحه شعوراً بالتفوّق أو الصمود، حتّى لو كانت ناقصة أو منحازة. الإعلام، في هذه الحالة، لا يفرض عليه الوهم بقدر ما يلبّي حاجة نفسيّة وسياسيّة لديه.

هنا يتحوّل التضليل من ممارسة فوقيّة إلى علاقة تبادليّة: الإعلام ينتج سرديّة مريحة، والجمهور يمنحها الشرعيّة من خلال التلقّي والتكرار.

 ليس استدعاء اسم أحمد سعيد حنيناً إلى زمنٍ إذاعيّ مضى، بل محاولة لفهم حاضرٍ إعلاميّ يعيد إنتاج المنطق نفسه، بأدوات أكثر حداثة وبجمهور أكثر تعقيداً

بين التّعبئة والتّآكل

لكنّ هذه المعادلة، مهما بدت مستقرّة، تحمل في داخلها بذور هشاشتها. التاريخ، كما تُظهر تجربة نكسة 5 حزيران من سنة 1967، لا يعاقب الهزيمة بقدر ما يعاقب الفجوة بين الخطاب والواقع. لم تكن المشكلة في خسارة الحرب فقط، بل في أنّ الجمهور اكتشف فجأة أنّه كان يعيش في رواية موازية لا علاقة لها بما جرى على الأرض.

يتكرّر اليوم الخطر نفسه، لكن على نطاق مختلف. كلّما اتّسعت الفجوة بين ما تقوله وسائل الإعلام وما يراه الناس في حياتهم اليوميّة، سواء في القرى المدمّرة أو النزوح أو التوتّر المستمرّ، تتآكل الثقة تدريجاً. قد لا يظهر هذا التآكل فوراً، لكنّه يتراكم بصمت إلى أن يصل إلى لحظة انكشاف حادّ.

الأسئلة التي تفرض نفسها هنا لا تتعلّق بقابليّة هذه السرديّة للاستمرار، بل بماذا سيحدث عندما تنهار. هل نشهد صدمة جماعيّة شبيهة بما حدث في سنة 1967 أم تفكّكاً بطيئاً في الثقة يؤدّي إلى عزوف الجمهور عن الإعلام التقليديّ إلى مصادر بديلة أم الاحتمال الأكثر تعقيداً، وهو انتقال الجمهور من تصديق رواية واحدة إلى الغرق في تعدّديّة سرديّات لا يثق بأيٍّ منها؟

في كلّ الحالات النتيجة واحدة: خسارة الإعلام لدور الوسيط الموثوق بين الحدث والجمهور.

ما بعد أحمد سعيد

ربّما لا يكون السؤال الأهمّ لماذا عاد أحمد سعيد، بل لماذا لا يزال يجد من يصغي إليه؟

في زمن تتكاثر فيه المصادر، لم يعد بالإمكان فرض رواية واحدة، لكن لا يزال بالإمكان بناء “فقاعات إعلاميّة” يعيش داخلها جمهور محدّد، يتلقّى رواية متماسكة، ويعيد إنتاجها في محيطه.

غير أنّ هذه الفقاعات، مهما بدت محصّنة، ليست معزولة تماماً عن الواقع. مع كلّ حدث كبير، ومع كلّ فجوة جديدة بين الخطاب وما يحدث على الأرض، تتعرّض هذه الفقاعات للاهتزاز.

إقرأ أيضاً: أبعد من هرمز وبارس… أين النّوويّ؟

عندها قد لا يسقط هذا الإعلام دفعة واحدة، كما حدث مع صوت أحمد سعيد، لكن يتآكل تدريجاً إلى أن يفقد قدرته على الإقناع حتّى لدى جمهوره الخاصّ. هنا، تحديداً، تكمن المفارقة: الإعلام الذي وُلد لحماية “المعنويّات” قد يجد نفسه، في النهاية، أحد أسباب انهيارها.

بهذا المعنى، لا تعود “عودة أحمد سعيد” استعارة نقديّة وحسب، بل تحذير مفتوح: التاريخ لا يكرّر نفسه بالطريقة نفسها، لكنّه يعيد طرح الأسئلة ذاتها، وبقسوة أكبر في كلّ مرّة. لذلك استعادة أحمد سعيد لن تأتي بجديد، ولا بأيّ شيء مفيد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…