وصل مساء الأحد قائد “فيلق القدس” في الحرس الثّوريّ الإيرانيّ الجنرال إسماعيل قاآني إلى العاصمة العراقيّة بغداد على رأس وفدٍ من ضبّاط “الفيلق”. تجمعُ زيارة قاآني بين الميدان والسّياسة والأمن، فهو من جهة يتابع إيقاع جهوزيّة وعمل الفصائل العراقيّة الموالية له، ومن جهة أخرى نقلَ رسالة إيرانيّة لقادة “الإطار التّنسيقيّ” بضرورة الاتّفاق على اسمٍ لرئاسة الوزراء يعيدُ العراق كاملاً إلى القبضة الإيرانيّة، وذلكَ في خطوة من شأنها القول إنّ العراق باتَ ساحةً إيرانيّة بالكامل، وليسَ ساحة مُشتركة مع الولايات المُتّحدة.
استنفرَ الحرس الثّوريّ ضبّاط فيلق القدس العاملين على أرضِ العراق منذ اليوم الأوّل للحرب مع الولايات المُتّحدة وإسرائيل في 28 شباط الماضي. تركّزَ عمل هؤلاء الضّباط على إدارة أهداف وعمليّات الميليشيات الموالية لطهران في استهداف المصالح الأميركيّة، حتّى العراقيّة الرّسميّة، تحت مُسمّى الثّأر لاغتيال المُرشد الإيرانيّ الرّاحل علي خامنئي.
وصل مساء الأحد قائد “فيلق القدس” في الحرس الثّوريّ الإيرانيّ الجنرال إسماعيل قاآني إلى العاصمة العراقيّة بغداد على رأس وفدٍ من ضبّاط “الفيلق”
تشكيل الحكومة
أشرف ضبّاط “الحرس” على عمليّات وتحرّكات الفصائل في استهداف السّفارة الأميركيّة في العاصمة بغداد، والقنصليّة في إربيل وعددٍ من القواعد الأميركيّة والعراقيّة. في هذا الإطار يقول مصدر أمنيّ عراقيّ لـ”أساس” إنّ الهدف الرّئيس من تحرّك الفصائل وزيارة قاآني للعراق هو الإشارة إلى من هو “الطّرف الأقوى في العراق”، أي الميليشيات وإيران وليسَت الحكومة.
شدّدَ قاآني في لقاءاته مع قادة الفصائل على ضرورة تشكيل حكومة موالية لإيران في حال انتهت الحرب مع الولايات المُتّحدة، واستكمال “المهمّات” في حال استأنفت طهران وواشنطن القتال. إذ ليس صدفة ولا تفصيلاً عابراً أن يزور قاآني العراق قبل 3 أيّام من موعد انتهاء وقف إطلاق النّار المؤقّت بين بلاده والولايات المُتّحدة وإسرائيل.
سعَت إيران إلى تحويل العراق إلى ساحة قتال، وعلى الرغم من أنّها ليست ساحة استراتيجيّة كما هي الحال في لبنان، لكنّ ذلك لا يعني أنّ العراق ليسَ أساسيّاً بالنّسبة لإيران، بل العكس. عمِلت إيران في بلاد الرّافديْن بطريقة نشر الفوضى المُنظّمة فيها. فكانت إلى جانب استعمالها منصّةً لاستهداف مصالح واشنطن في بغداد وإربيل وغرب العراق، مُنطلقاً لعمليّات استهدفت الجوار العربيّ مثل دولة الكويت التي طالتها الطّائرات المُسيّرة بالاعتداءات غير مرّة.
رسائل طهران في صندوق بغداد
أرادت طهران من هذه الاستهدافات أن تُرسِلَ رسائل إلى واشنطن والجوار العربيّ عنوانها:
- الكلمة الأولى والأخيرة في العراق هي للحرس الثّوريّ، بمعزل عن شكل الحكومة أو الحكم في العراق.
- تملك القدرة على قلب الموازين في العراق متى شاءت. وهذا ما يُفسّر إقدام الميليشيات على استهداف رادارات ومقارّ تابعة للجيش وجهاز الاستخبارات العراقيّة أكثر من مرّة. لا ينفصل عن ذلكَ بيان كتائب “حزب الله العراقيّ” الذي اتّهمَ ضبّاط الاستخبارات العراقيّة بأنّهم مُخترَقون، بالإضافة إلى اغتيال ضبّاط من عديد الجهاز قبل شهر.
- لديها القدرة على قطع التّواصل الاستخباريّ والعسكريّ بين الحكومة العراقيّة والولايات المُتّحدة، بعدما أوعزت إيران إلى ميليشياتها استهداف غرف الاتّصال الخاصّة بالجيش العراقيّ وبعض القواعد المُشتركة، بحسب ما يذكر المصدر لـ”أساس”.
- تأتي زيارة قاآني قبل 24 ساعة من وصول المبعوث الأميركيّ توماس بارّاك إلى بغداد، حيث يهدف إلى فصل المسار العراقيّ عن إيران، تماماً كما حصلَ في لبنان، عبر منع تشكيل حكومة مُقرّبة من محورِ إيران. كانت واشنطن قد استبقت زيارة بارّاك لبغداد بإدراج عددٍ من قادة الفصائل الموالية لإيران على لوائح العقوبات، وهو ما يُنذر بإمكانيّة أن يكونَ هؤلاء على لوائح الاستهدافات الأميركيّة في حال تجدّدت المواجهة مع طهران.
- محاولة الحفاظ على تماسك “الإطار التنسيقيّ”، وهو الواجهة السّياسيّة لحلفاء إيران العراقيّين، في ظلّ التصدّع بين قادة “الإطار” الذين ينقسمون بسبب دعم ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لرئاسة الحكومة، بينما يدعم البعض الآخر إعادة تكليف رئيس الوزراء محمّد شيّاع السّودانيّ على اعتبار أنّه شخصيّة براغماتيّة لا تقطع “شعرة معاوية” بين بغداد وواشنطن.
- قد يكون الملفّ العراقيّ واحداً من الملفّات التفاوضيّة على طاولة إسلام آباد مع الولايات المُتّحدة، أو يكون إحدى ساحات المواجهة إذا ما فشلت هذه المفاوضات.
- الرّسالة الأخيرة التي أرادت إيران تمريرها عبر البريد العراقيّ هي أنّ أيّ محاولة لنزع سلاح فصائلها في العراق ستكون مُواجهة مباشرة مع إيران، التي يشرف ضبّاط حرسها الثّوريّ على عمليّات الفصائل، أو ستكون مواجهةً شيعيّة – شيعيّة بين فصائل العراق والدّولة العراقيّة.
العراق، أحد منافذ إيران للتهرّب من العقوبات واستيراد الأموال، هو ساحة مواجهةٍ أساسيّةٍ في العمقِ، وإن أرادت طهران وواشنطن عدم إظهاره في مُقدَّم السّاحات كما هو الحال مع “الحزبِ” في لبنان
ضرب الصّواريخ الجديدة
لكنّ التحرّكات الإيرانيّة العسكريّة لم تمرّ دون ردود أميركيّة – إسرائيليّة. إذ يؤكّد مصدر مُقرّب من الفصائل لـ”أساس” أنّ منطقة “جرف الصّخر” التي باتت معقلاً عسكريّاً وأمنيّاً لهذه الفصائل شهِدَت أثناء فترة ما قبل وقف إطلاق النّار المؤقّت استهدافات لغرف قيادة عمليّات مشتركة بين الفصائل و”فيلق القدس”.
يضيف المصدر أنّ الضّربات الأميركيّة – الإسرائيليّة طالت مخازن صواريخ كانت قد وصلت قبل الحرب إلى العراق، وهي صواريخ مختلفة من حيث المدى والفعّاليّة والدّقّة عمّا كانت تمتلكه هذه الفصائل قبل الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران، وكان “أساس” أوّل من كشف عنها في تقرير سابق بعنوان “سيّاسة المسارين”: صواريخ مُتطوّرة من إيران إلى العراق؟ في 6 تشرين الثاني 2025.
إقرأ أيضاً: طهران خسرت لبنان: المفاوضات تحت السّقف السعودي؟
هكذا بات من الممكن القول إنّ أرض الرّافدين ليسَت ساحة اقتتال سياسيّ فقط، بل وعسكريّ – أمنيّ بين واشنطن وطهران. يحاول الجانبان التجاذب بإمساك المفصل السّياسيّ للسّاحة الخلفيّة لإيران عبر الاستحواذ على رئاسة وتشكيل الحكومة، في ظلّ “حرب أشباح” غير معلنة تشهدها شوارع بغداد والبصرة بين استخبارات الحرس الثّوريّ ووكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (CIA).
هذا يعني أنّ العراق، أحد منافذ إيران للتهرّب من العقوبات واستيراد الأموال، هو ساحة مواجهةٍ أساسيّةٍ في العمقِ، وإن أرادت طهران وواشنطن عدم إظهاره في مُقدَّم السّاحات كما هو الحال مع “الحزبِ” في لبنان.
لمتابعة الكاتب على X:
