في لحظة لبنانيّة مثقلة بالهشاشة، تتقاطع فيها الهزيمة العسكريّة مع الإنهاك الاجتماعيّ والانكشاف السياسيّ، تعود “سرديّة النصر” لتحتلّ موقعها التقليديّ في خطاب جمهور “الثنائيّ الشيعيّ”، وخصوصاً عند مناصري “الحزب” ومُشايعيه. تُرفع الرايات، تُبثّ الأناشيد، وتُستعاد صور الأمناء العامّين لـ”الحزب” كأنّها طقوس استدعاء لزمن آخر، زمن كانت فيه المقاومة قادرة على إنتاج توازن رمزيّ مع العدوّ الإسرائيليّ.
غير أنّ المفارقة القاسية تكمن في أنّ ما تحقّق فعليّاً لا يتجاوز إعلاناً هشّاً لـ”وقف إطلاق النار لمدّة عشرة أيّام”، مشروطاً بمسار تفاوضيّ غير متكافئ، يذهب إليه لبنان فاقداً لأوراق قوّة، فيما تحتفظ إسرائيل بكلّ عناصر التفوّق والسيطرة.
ليست هذه الهوّة بين الواقع والخطاب تفصيلاً عابراً، بل هي لبّ الإشكاليّة التي يستدعيها نقد “سرديّة النصر”. النصر هنا لم يعد مفهوماً سياسيّاً أو عسكريّاً قابلاً للقياس، بل تحوّل إلى بنية رمزيّة مغلقة، تُنتج ذاتها بمعزل عن الوقائع، وتؤدّي وظيفة نفسيّة ـ اجتماعيّة أكثر ممّا تعبّر عن حقيقة ميدانيّة.
لا يُطرح السؤال في لبنان عمّا إذا كان ما جرى انتصاراً، بل عمّا إذا كان ممكناً قول العكس. هنا، بالضبط، تبدأ المشكلة. لم تعد “سرديّة النصر” رواية قابلة للنقاش، بل أصبحت شرطاً للانتماء، معياراً للولاء، وحدّاً فاصلاً بين الجماعات الأهليّة للبلد.
بين الإنكار وبِنْية البقاء
ليست “سرديّة النصر” عند العائدين بعد نزوحٍ، صار بفعل إنذارات جيش الاحتلال، خطاباً سياسيّاً، بل نظام يُنتج ذاته وينغلق على نفسه، رافضاً الوقائع حين تتعارض معه. في لحظة كهذه، لا يعود النصر نتيجةً تُقاس، بل ضرورة تُفرض. حين يتحوّل إلى ضرورة يصبح إنكاره مستحيلاً، لأنّ الاعتراف بعكسه يهدّد البنية التي تستند إليه.
لم تعد “سرديّة النصر” رواية قابلة للنقاش، بل أصبحت شرطاً للانتماء، معياراً للولاء، وحدّاً فاصلاً بين الجماعات الأهليّة للبلد
في لبنان المنهك لا تُقاس الكلمات بمدلولاتها، بل بوظيفتها. هكذا تحوّل “النصر” من توصيف لنتيجة إلى أداة للبقاء. ليس ما يُقال هو المهمّ، بل ما يمنعه هذا القول من أن يُقال هو الأهمّ. في هذا السياق، تبدو “سرديّة النصر” التي يروّج لها جمهور ومُشايعو “الحزب” أكثر من مبالغة خطابيّة أو دعاية حزبيّة. إنّها بنية متكاملة لإدارة الخسارة، وآليّة دفاع جماعيّ، والأهمّ شرط لاستمرار نظام سياسيّ ـ اجتماعيّ كامل.
ما يُعلن اليوم “نصراً”، لا يرقى، في أيّ معيار سياسيّ أو عسكريّ، إلى مستوى الإنجاز. ما تحقّق فعليّاً هو “وقف إطلاق نار مؤقّت لمدّة عشرة أيّام”، مشروط بمسار تفاوضيّ غير متكافئ. لا تزال إسرائيل تحتفظ بما احتلّته خلال حرب “إسناد غزّة”، إضافة إلى ما سيطرت عليه منذ الثاني من آذار، حين دخل “الحزب” الحرب الإقليميّة تحت عنوان “ثأراً لخامنئي”. لا انسحاب. لا تراجع. حتّى لا التزام واضحاً لإنهاء العمليّات. ومع ذلك، ترتفع الأناشيد.

حين يهدم بيانٌ السّرديّة
إذا انتقلنا من الخطاب إلى النصوص، تتّضح الهوّة أكثر. لا يترك البيان الأميركيّ الذي أعلن وقف إطلاق النار مجالاً كبيراً للتأويل. جاء فيه حرفيّاً: “تحتفظ إسرائيل بحقّها في اتّخاذ كلّ التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أيّ وقت، ضدّ أيّ هجمات مُخطّط لها أو وشيكة أو جارية. ولن يحول وقف الأعمال العدائيّة دون ممارسة هذا الحقّ…”.
هذه ليست صياغة حياديّة. إنّها تفويض مفتوح. وقف إطلاق النار هنا ليس توازناً، بل تعليق مشروط للعنف، تحت سقف سيادة إسرائيليّة على قرار استئنافه.
في فقرة أخرى، يتعمّق المأزق اللبنانيّ: “ستتّخذ الحكومة اللبنانيّة خطوات ملموسة لمنع “الحزب” وجميع المجموعات المسلّحة المارقة الأخرى غير التابعة للدولة داخل الأراضي اللبنانيّة من تنفيذ أيّ هجمات أو عمليّات أو أنشطة عدائيّة ضدّ أهداف إسرائيليّة”.
تعود “سرديّة النصر” لتحتلّ موقعها التقليديّ في خطاب جمهور “الثنائيّ الشيعيّ”، وخصوصاً عند مناصري “الحزب” ومُشايعيه
هنا يتحوّل “النصر” إلى عبء داخليّ. المطلوب من الدولة أن تفعل ما لم تستطِع فعله منذ عقود: ضبط قوّة عسكريّة تفوقها تنظيماً وتسليحاً. المفارقة قاسية: السرديّة تحتفل بالقوّة المُدّعاة، فيما النصوص تضع هذه القوّة في خانة المشكلة.
من عام 2000 إلى اليوم: كيف تغيّر معنى النّصر؟
لا بدّ لفهم ما يجري من العودة إلى ما بعد عام 2000. يومئذٍ كان “النصر” واضحاً: انسحاب إسرائيليّ من الجنوب من دون اتّفاق. كان هناك حدث ملموس. أرض تحرّرت. جيش انسحب. جمهور احتفل بما رآه، لا بما طُلب منه أن يراه.
في عام 2006، تعقّد المشهد. لم يكن هناك نصر حاسم، لكن كان هناك توازن رمزيّ: قدرة على الصمود، وعلى فرض كلفة عالية على إسرائيل. كان “النصر” يومئذٍ قابلاً للنقاش، لكنّه لم يكن منفصلاً بالكامل عن الوقائع.
أمّا اليوم فالوضع مختلف جذريّاً. لا انسحاب. لا توازن. حتّى لا قدرة على فرض معادلة ردع مستقرّة. مع ذلك، يصبح خطاب النصر أكثر صخباً، أكثر كثافةً، أكثر حضوراً. لماذا؟
لأنّ العلاقة بين الواقع والخطاب انقلبت. في السابق، كان الخطاب يضخّم الواقع. اليوم، يحلّ مكانه. هكذا، كلّما ضعف الواقع، ارتفع الصوت.
صناعة السّرديّة
لا تُنتَج هذه السرديّة عفويّاً. إنّها تُصنع عبر شبكة مؤسّسات متكاملة: إعلام حزبيّ، منابر دينيّة، منظومات تربويّة، وطقوس جماعيّة. ليست الأناشيد تفصيلاً. إنّها أدوات تثبيت. التكرار يحوّل المعنى إلى بديهيّة. ليست الصور زينة. إنّها أيقونات تُغلق النقاش. حين تُرفع صورة الأمين العامّ لا يعود السؤال ممكناً.
والحال هذه، نحن أمام ما يمكن تسميته: اقتصاد رمزيّ مُغلق، نظام ينتج معانيه داخليّاً، يعيد تدويرها، ويمنع اختراقها. في هذا النظام، لا تُقاس الحقيقة بوقائعها، بل بمدى انسجامها مع السرديّة. كلّ ما يناقضها يُستبعد أو يُعاد تفسيره أو يُمحى.
ما يُعلن اليوم “نصراً”، لا يرقى، في أيّ معيار سياسيّ أو عسكريّ، إلى مستوى الإنجاز
غير أنّ اختزال المسألة في “تصديق” الجمهور لهذه السرديّة يبقى تبسيطاً مريحاً. ما يحدث في الواقع أكثر تعقيداً. ليست العلاقة بين الجمهور والخطاب علاقة إيمان صافٍ، بل أقرب إلى ما يمكن تسميته بالتواطؤ الصامت. يدرك كثيرون، بدرجات متفاوتة، الفجوة بين الواقع والسرديّة، لكنّهم لا يتصرّفون كما لو أنّهم لا يدركون لأنّهم مخدوعون بالكامل، بل لأنّ الاعتراف العلنيّ بالحقيقة يحمّلهم كلفة باهظة: كلفة الانفصال عن الجماعة، أو التعرّض للعزل، أو حتّى خسارة الإحساس بالحماية.
في هذا الإطار، لا تُفرض السرديّة بالقوّة فقط، بل يُعاد إنتاجها عبر مشاركة ضمنيّة من جمهور يعرف حدودها، لكنّه يحتاج إليها.
المفاوضات وفقدان لبنان للرّواية
في المقابل، يدخل لبنان الرسميّ المفاوضات في وضع بالغ الهشاشة. من الطبيعيّ أن يكون هو من يفاوض، لا إيران. لكنّ الطبيعيّ لا يعني الممكن. لا يملك لبنان أوراقاً حقيقيّة. في المقابل، تمتلك إسرائيل طيفاً واسعاً من الخيارات: من فرض اتّفاقيّة سلام، إلى إنشاء منطقة أمنيّة، وصولاً إلى استخدام الضغط العسكريّ لإعادة تشكيل الداخل.
عمليّاً، يُلخّص الأمر بالآتي: احتلال فعليّ في الجنوب، بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات، مقابل التزام لبنانيّ لضبط “المشكلة” الداخليّة، وهي “الحزب”. هذه ليست سيادة. هذه إدارة سيادة منقوصة.
ليست “سرديّة النصر” عند العائدين بعد نزوحٍ، صار بفعل إنذارات جيش الاحتلال، خطاباً سياسيّاً، بل نظام يُنتج ذاته وينغلق على نفسه
“النّصر” أداة ضبط اجتماعيّ
في الداخل، تؤدّي “سرديّة النصر” وظيفة أخرى: ضبط المجتمع. لا تكتفي بتفسير الواقع، بل تمنع مساءلته. تحوِّل القيادة إلى مرجعيّة فوق النقد، وتحوِّل الهزيمة إلى إنجاز. بهذا المعنى.
ليس لبنان اليوم في مرحلة تسمح له برفاهية الإنكار الطويل. الانهيار الاقتصاديّ، تفكّك المؤسّسات، والهجرة، كلّها مؤشّرات إلى مجتمع بلغ حدوده القصوى. في هذا السياق، لا تصبح السرديّات التعويضيّة أكثر خطورة لأنّها خاطئة فقط، بل لأنّها تؤجّل المواجهة، وكلّ تأجيل يرفع الكلفة.
إقرأ أيضاً: ماذا تفعل لو كنت نعيم قاسم؟
لا تنهار الجماعات عندما تُهزم فقط، بل عندما تفقد اللغة التي تسمح لها بفهم هزيمتها. عندئذٍ لا يعود النصر وهماً فحسب، بل يتحوّل إلى قيد، قيد يمنع المراجعة، يؤجّل التصحيح، ويدفع بالأزمة إلى الأمام. في هذه اللحظة، لا يكون أخطر ما في السرديّة أنّها غير صحيحة بل ضروريّة إلى حدّ يجعل تجاوزها مستحيلاً.
لمتابعة الكاتب على X:
