دير شبيغل: إيران… أكبر أخطاء الموساد  (2/1)

مدة القراءة 10 د

ترى مجلّة “دير شبيغل” الألمانيّة أنّ إسرائيل أخطأت عندما افترضت أنّ النموذج الذي نجح في لبنان يمكن تكراره في إيران. فبعد العمليّات التي أصابت “الحزب” في صميم بنيته الأمنيّة، من اختراق منظومة الاتّصالات إلى اغتيال أمينه العامّ حسن نصرالله، ترسّخت لدى دوائر صنع القرار الإسرائيليّ قناعة بأنّ الأدوات نفسها قادرة على إضعاف الجمهوريّة الإسلاميّة، وربّما إسقاط نظامها. لكنّ هذا القياس تجاهل الفارق الجوهريّ بين تنظيم مسلّح، مهما بلغت قوّته، وبين دولة تمتلك مؤسّسات سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة متشعّبة، وقادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج مراكز القرار.

كيف أمكن للموساد، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر أجهزة الاستخبارات كفاءة وجرأة في العالم، أن يبالغ إلى هذا الحدّ في تقدير قدرته على تغيير نظام سياسيّ كامل؟

 

تبدأ المجلّة الإخباريّة الأسبوعيّة بالسؤال عن تحوُّل نجاحات الموساد في لبنان إلى ما تصفه أكبر سوء تقدير استراتيجيّ في مواجهة إيران. وتستند في تحقيق مطوّل نشرته في نسختها الإنكليزيّة بتاريخ 16 تمّوز 2026، يجمع بين التغطية الميدانيّة من لبنان ومقابلات مع مسؤولين سابقين في الموساد، وشخصيّات سياسيّة إسرائيليّة، وخبراء استخبارات، ومسؤولين أمنيّين غربيّين، إلى إعادة بناء المسار الذي أوصل المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة إلى الاعتقاد بأنّ النجاحات العمليّاتيّة التي حقّقتها ضدّ “الحزب” يمكن تكرارها داخل إيران نفسها، وأنّ الضغط العسكريّ والاستخباريّ قد يؤدّي في النهاية إلى انهيار النظام الإيرانيّ من الداخل، قبل أن تثبت الأحداث لاحقاً أنّ هذا الاعتقاد لم يكن قائماً على قراءة دقيقة للواقع الإيرانيّ.

يروي أنّ الموساد باع الحرس الثوريّ الإيرانيّ قطعاً معدّلة تحتوي على أجهزة تحديد مواقع، وهو ما سمح لإسرائيل بتتبّع منصّات الصواريخ المتحرّكة

لبنان ووهم القدرة المطلقة

يفتتح الصحافيّان الاستقصائيّان في المجلّة، جوليان فون ميتلشتات وثور شرودر، تحقيقهما بسرد قصّة أحمد العلافي، أحد كوادر “الحزب” في جنوب لبنان، البالغ من العمر 33 عاماً، والذي كان، شأنه شأن آلاف العناصر الآخرين، يعتمد على جهاز النداء الإلكتروني (البيجر) وسيلةً أساسيّة للتواصل. لكنّ العلافي، الذي لم يعد من منزله في منطقة البقاع، لم يعد قادراً على مشاهدة جبال لبنان المغطّاة بالثلوج، وسهل البقاع الأخضر، وأعمدة معبد جوبيتر الرومانيّ في بعلبك، بعدما فقد عينيه وجزءاً من أنفه، وتشوّهت يداه.

بحسب التحقيق، انضمّ العلافي إلى “الحزب” في سنّ مبكرة، وتلقّى تدريباً هندسيّاً في إيران، وشارك في القتال في سوريا، وعمل خبيراً في المجال السيبرانيّ. وبعد إصابته، خضع لعمليّات جراحيّة متعدّدة، بينها ثماني عمليّات في إيران.

يقول العلافي لمراسلي المجلّة إنّه سمع، في 17 أيلول 2024، صوتاً غريباً صادراً عن جهاز النداء الذي كان يحمله، وحاول الضغط على زرَّي “موافق” و”إدخال”، كما طلبت منه الشاشة، فانفجر الجهاز بين يديه. ويضيف أنّه اعتقد في البداية أنّ قنبلة انفجرت بالقرب منه، لكنّه أدرك في المستشفى أنّه واحد من آلاف الأشخاص الذين أصيبوا بالطريقة نفسها. وهناك عرف أنّ أجهزة النداء هي التي انفجرت، وأنّ إسرائيل تقف وراء العمليّة التي أدّت إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى، ونشرت الفوضى والذعر والشكّ داخل “الحزب”، فبدأ عناصره يتخلّصون من أجهزة الاتّصال.

لم تستهدف عمليّة أجهزة النداء المقاتلين فقط، بل أصابت أيضاً كوادر تمتلك خبرات متخصّصة، سيحتاج كثير منهم إلى رعاية مدى الحياة، وهو ما يحمّل “الحزب” وإيران أعباء ماليّة وتنظيميّة طويلة الأجل. لكنّ تفجير الأجهزة لم يكن سوى مقدّمة. فبعد عشرة أيّام، اجتمعت قيادة “الحزب” في مقرّ تحت الأرض في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، قبل أن تلقي الطائرات الإسرائيليّة عشرات القنابل على المكان، وكان الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله من بين القتلى. وبحسب التحقيق، بدا “الحزب”، في تلك المرحلة على الأقلّ، مهزوماً، وبعد شهرين من العمليّة وافق على وقف لإطلاق النار.

يرى التحقيق أنّ حرب الظلّ نجحت، لفترة طويلة، في إبطاء تقدّم إيران نحو امتلاك القنبلة النوويّة

كشفت عمليّة أجهزة النداء كيف نجح الموساد في ضرب “الحزب” عبر استهداف اتّصالاته وكوادره وقادته. لكنّ التحقيق يطرح سؤالاً: كيف وقع الموساد، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أكثر أجهزة الاستخبارات كفاءة وجرأة في العالم، وحقّق سلسلة من الإنجازات الاستخباريّة غير المسبوقة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في لبنان وإيران، في ما يصفه التحقيق أكبر خطأ استراتيجيّ في تاريخه؟ فنجاح عمليّة ضدّ تنظيم مسلّح في لبنان لا يعني أنّ الأسلوب نفسه قادر على إسقاط دولة مثل إيران، حتّى لو كان ذلك التنظيم حليفاً رئيساً لطهران.

حرب الظلّ ضدّ إيران

يقول التحقيق إنّ الموساد ركّز، منذ منتصف تسعينيّات القرن الماضي، معظم جهوده على هدف واحد هو منع النظام الإيرانيّ من امتلاك سلاح نوويّ. وتحت قيادة رئيسه مئير داغان (2002-2011)، بدأت حرب ظلّ شملت اغتيال علماء نوويّين، وتنفيذ أعمال تخريب، وهجمات إلكترونيّة، وعمليّات اختراق داخل إيران.

تقول سيما شاين، الرئيسة السابقة لقسم الأبحاث في الموساد وأوّل امرأة تتولّى هذا المنصب، إنّ إسرائيل صنّفت البرنامج النوويّ الإيرانيّ تهديداً وجوديّاً، ولذلك لم تكن كافيةً مراقبته، بل كان يتعيّن تطوير وسائل لإيقافه. وتضيف أنّ كلّ عمليّة استخباريّة تبدأ بمعلومة محدّدة يحصل عليها الجهاز، أو بتفصيل يلفت انتباهه. وتقدّم عمليّة أجهزة النداء مثالاً على ذلك، فبعدما علم الموساد أنّ “الحزب” يبحث عن وسيلة اتّصال آمنة، أنشأ شركات واجهة، وطوّر أجهزة مفخّخة، وروّج لها، ثمّ عمل على ضمان شرائها من “الحزب”، قبل سنوات من استخدامها الفعليّ.

يقول إيال حولاتا، الذي أمضى 23 عاماً في الموساد ورأس في إحدى المراحل قسم التكنولوجيا، إنّ التكنولوجيا تحوّلت من أداة إلى مكوّن مركزيّ في العمليّات. ويرى أنّ إسرائيل لا تستطيع اعتماد الأساليب التقليديّة لأنّها ستخسر إذا عملت بالطريقة نفسها التي يعمل بها الآخرون. ولهذا أنشأ الموساد صندوقاً استثماريّاً لتمويل الشركات الناشئة، والحصول مبكراً على تقنيّات في مجالات الروبوتات، تحليل البيانات، تصنيف الأشخاص، والطائرات المسيّرة.

يقول التحقيق إنّ الموساد ركّز، منذ منتصف تسعينيّات القرن الماضي، معظم جهوده على هدف واحد هو منع النظام الإيرانيّ من امتلاك سلاح نوويّ

بحسب التحقيق، ساهم ذلك في جعل إسرائيل القوّة السيبرانيّة الثانية عالميّاً بعد الولايات المتّحدة. وخلال العقدين الماضيين شهدت إيران أعطالاً في أجهزة الطرد المركزيّ، وحرائق وانفجارات في منشآت نوويّة ومصانع، واغتيل عدد من العلماء، بينهم الفيزيائيّ محسن فخري زاده، الذي قُتل بواسطة رشّاش خاضع للتحكّم عن بعد، قبل أن تُدمّر السيّارة والسلاح المستخدمان في العمليّة.

يرى التحقيق أنّ حرب الظلّ نجحت، لفترة طويلة، في إبطاء تقدّم إيران نحو امتلاك القنبلة النوويّة.

العميل الذي اخترق الأنظمة الإيرانيّة

يعرض التحقيق شهادة عميل سابق يستخدم الاسم المستعار جوناثان مور. وهو هولنديّ اعتنق اليهوديّة، وحصل على الجنسيّة الإسرائيليّة، ثمّ التحق بالاستخبارات العسكريّة قبل أن يجنّده الموساد عام 2001.

كان مور يتنكّر في هيئة رجل أعمال من جنوب إفريقيا، أو صاحب فندق هولنديّ، أو مستثمر ألمانيّ، ويقيم علاقات مع أشخاص يستهدف الجهاز تحويلهم إلى مصادر أو مساعدين. ويقول إنّه عمل على أكثر من خمسين هدفاً، بينهم علماء وضبّاط ودبلوماسيّون، وكانت عمليّة تجنيد الشخص الواحد تستغرق أحياناً أشهراً أو سنوات، من دون أيّ ضمان للنجاح.

وفق روايته، كان معظم الذين جنّدهم يعتقدون أنّهم يعملون لمصلحة الأميركيّين أو البريطانيّين أو الألمان، بينما لم يجد آخرون مشكلة في العمل مباشرة لمصلحة إسرائيل لأنّهم كانوا يرون النظام الإيرانيّ عدوّاً لهم.

يقول مور إنّه ساعد في إدخال برمجيّات خبيثة إلى أنظمة مصلحة الضرائب، شركة الاتّصالات، والمنشآت النوويّة الإيرانيّة من خلال موظّفين لم يكونوا يعلمون حقيقة ما يفعلونه. وأنشأت تلك البرمجيّات ما يصفه بـ”الأبواب الخلفيّة”، التي أتاحت للخبراء الإسرائيليّين الدخول إلى الأنظمة الإيرانيّة وتعطيلها.

وفق ما يرويه، شارك مور في إدخال فيروس “ستاكسنت”، أو نسخة سابقة منه، إلى المنشآت النوويّة. ويقول إنّ مهمّته كانت إيصال وحدة تخزين إلكترونيّة تحتوي على الفيروس إلى حاسوب الهدف، من دون أن يعرف تحديداً ما بداخلها.

تبدأ المجلّة الإخباريّة الأسبوعيّة بالسؤال عن تحوُّل نجاحات الموساد في لبنان إلى ما تصفه أكبر سوء تقدير استراتيجيّ في مواجهة إيران

يروي أنّ الموساد باع الحرس الثوريّ الإيرانيّ قطعاً معدّلة تحتوي على أجهزة تحديد مواقع، وهو ما سمح لإسرائيل بتتبّع منصّات الصواريخ المتحرّكة. ويقول أيضاً إنّه اشترى، متنكّراً في هيئة رجل أعمال، محجراً في منطقة نائية داخل إيران، استخدمه مساعدون محليّون لتخزين معدّات عسكريّة جرى تهريبها على مدى سنوات. ووفق التحقيق، استُخدمت بعض هذه المعدّات خلال حرب الأيّام الاثني عشر عام 2025 لتعطيل مواقع الصواريخ والدفاع الجوّيّ الإيرانيّة.

إسقاط الاتّفاق النّوويّ

وفقاً لمعدّي التحقيق، تعكس هذه الشهادات مدى قدرة الموساد على بناء شبكات طويلة الأمد داخل إيران، تجنيد مواطنين ومسؤولين، واستخدام التكنولوجيا لتخريب الأنظمة العسكريّة والنوويّة. لكنّ الصحافيَّين يميّزان بين نجاح هذه العمليّات وبين الاستنتاج السياسيّ الذي بُني عليها. إذ لا يعني اختراق مؤسّسات دولة أنّ الدولة ستنهار، تماماً كما أنّ قتل قيادات تنظيم مسلّح لا يعني بالضرورة إمكان إسقاط نظام سياسيّ كامل.

نجح الموساد في تعطيل البرنامج النوويّ الإيرانيّ، اغتيال علماء، زرع برمجيّات وأجهزة تتبّع، وبناء مواقع سرّيّة وشبكات عملاء. لكنّ تراكم هذه النجاحات دفع القيادة الإسرائيليّة إلى تجاوز الهدف الأصليّ، أي إبطاء البرنامج النوويّ، نحو الاعتقاد بأنّ الموساد قادر على تهيئة الظروف لإسقاط النظام نفسه.

إقرأ أيضاً: باحث إيراني: لبنان أهمّ أوراق طهران التّفاوضيّة

يوضح التحقيق أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لم يكن مقتنعاً بأنّ حرب الظلّ وحدها ستمنع إيران من امتلاك القنبلة النوويّة. وبعد عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2009، طلب من الجيش والأجهزة الاستخباريّة إعداد خطّة لضرب المنشآت النوويّة الإيرانيّة. لكنّ مئير داغان، رئيس الموساد السابق، وصف، بعد خروجه من منصبه، فكرة مهاجمة المنشآت النوويّة بأنّها “أغبى فكرة” سمع بها. وكان يعتقد أنّ إسرائيل لن تستطيع تدمير البرنامج بصورة دائمة، وأنّ الضربة قد تدفع إيران إلى تسريع إنتاج القنبلة. وشارك خلفه تامير باردو الرأي نفسه، وعارض الرئيس الأميركيّ آنذاك باراك أوباما أيّ هجوم، ولذلك لم تقع الحرب في تلك المرحلة.

 

غداً في الحلقة الثانية: دير شبيغل: قوّة “الموساد” صارت نقطة ضعفه.

مواضيع ذات صلة

باحث إيراني: لبنان أهمّ أوراق طهران التّفاوضيّة

يرى حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة، والباحث غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالميّة، أنّ مرحلة ما بعد…

إيران تدفن خامنئي… و”الجمهوريّة الأولى”

في تقرير ميدانيّ من مدينة كربلاء، إحدى المحطّات الرئيسة في مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيرانيّ السابق، آية الله عليّ خامنئي، ترى مجلّة الإيكونوميست البريطانيّة أنّ…

وثيقة سرّيّة خطيرة تكشف أولويات الإيرانيين

تكشف وثيقة سرّيّة أُعدّت للرئاسة الإيرانيّة أنّ غالبيّة الإيرانيّين تعيش حالة غير مسبوقة من الغضب واليأس والضغوط الاقتصاديّة، لكنّها، في الوقت نفسه، ترفض التصعيد الداخليّ…

حاجز نفسيّ منع “الحزب” من اقتحام الحدود (3/3)

توضح وثائق داخليّة مسرّبة لحركة حماس، نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس إنتل” الاستخباريّة، أنّ قيادة “حماس” كانت تعتقد، بحلول منتصف عام 2023، أنّها نجحت في…