الشيباني في بيروت: القلق من الإطاري وتحية إلى طرابلس

مدة القراءة 7 د

لا تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، الخميس المقبل، كزيارة دبلوماسية عابرة. هي زيارة ثانية، لكنّ توقيتها يجعلها مختلفة. فدمشق الجديدة تدخل إلى بيروت في لحظة لبنانية–سورية شديدة الحساسية، بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، وفي ظلّ أسئلة كبرى عن الحدود، والنازحين، والسجناء، وسلاح حزب الله، والدور الأميركي، وموقع سوريا في أيّ ترتيب إقليمي جديد.

 

بحسب معلومات “أساس ميديا”، يحمل الشيباني جدولًا واسعًا يتجاوز الطابع البروتوكولي. فهو سيلتقي الرؤساء الثلاثة، ووزير الخارجية يوسف رجي، إضافة إلى نائب رئيس الحكومة طارق متري، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، والبطريرك الماروني بشارة الراعي.

لكنّ المحطة الأهم ستكون في عين التينة. فلقاء الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري ليس تفصيلًا في البرنامج، بل الاختبار السياسي الأدقّ. هناك تقف دمشق أمام أحد أبرز مفاتيح التوازن اللبناني، وأمام بوابة العلاقة مع البيئة الشيعية، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الأميركية والإسرائيلية مع حسابات حزب الله وإيران.

لا تقلّ محطة طرابلس رمزية. فبحسب معلومات “أساس ميديا”، سيزور الشيباني المدينة، حيث يلتقي مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، على أن يكون الغداء بحضوره في طرابلس، في رسالة إلى البيئة السنّية التي وقفت إلى جانب الثورة السورية ودفعت أثمانًا سياسية وإنسانية كبيرة. وسيلقي الشيباني، بحسب المعطيات، خطابًا أقرب إلى الوفاء منه إلى المجاملة، مفاده أنّ دمشق الجديدة لا تنسى ملف السجناء، ولا تتجاوز قضية السوريين واللبنانيين الذين ارتبطت معاناتهم بسنوات الحرب والثورة والحدود المفتوحة بين البلدين.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها ستكون مؤشراً عملياً على شكل العلاقة التي يريد الرئيس أحمد الشرع بناءها مع لبنان في المرحلة المقبلة

زيارة تحمل قلقًا

ليست الزيارة منفصلة عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل. فسوريا لم تُذكر في نصّ الاتفاق، ولم تكن طرفًا معلنًا فيه، لكنها قرأته كملف يمسّها مباشرة، خصوصًا من بوابة البند الرابع، حيث يلتقي سلاح الحزب، ودور الدولة اللبنانية، والحدود، والدعم الأميركي والعربي.

بحسب مصدر متابع لـ“أساس”، لم يكن الانزعاج السوري من الاتفاق نظريًا. ففي أجواء قصر الشعب، بدا واضحًا أنّ المحيطين بالرئيس أحمد الشرع غير مرتاحين إلى ما حصل. فالقلق لا يرتبط فقط بموقع الحزب في المعادلة اللبنانية، بل بخشية أوسع: أن يُعاد ترتيب لبنان أمنيًا وسياسيًا بمعزل عن دمشق، ثم تُستدعى سوريا لاحقًا لتحمّل كلفة التنفيذ.

البند الرابع في اتفاق الإطار هو الأكثر حساسية في القراءة السورية. ففيه تؤكد حكومة لبنان التزامها “الحازم وغير القابل للتراجع” باستعادة السيادة الكاملة، وإعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقّق منه لجميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مع طلب دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة.

هنا تغيب سوريا عن النصّ وتحضر في الحسابات. فالولايات المتحدة التي تدير الترتيب بين لبنان وإسرائيل هي نفسها التي طرحت، قبل أيام، فكرة دور سوري محتمل في لبنان. ومع الحديث عن نزع سلاح الحزب بشكل كامل ومتحقّق منه، يصبح الملف مفتوحًا على الإقليم بحكم طبيعة الحزب، والحدود، والجغرافيا، وقنوات التأثير.

معلومات “أساس ميديا”: سيزور الشيباني المدينة، حيث يلتقي مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، على أن يكون الغداء بحضوره في طرابلس، في رسالة إلى البيئة السنّية التي وقفت إلى جانب الثورة السورية

فصل المسارين

من قصر الشعب، لا يبدو المشهد تفصيلًا لبنانيًا داخليًا. ما تقرأه دمشق هو أنّ لبنان دخل مسارًا منفصلًا عن المسار السوري، في لحظة كانت تفضّل فيها التشاور حول المسارين، أو على الأقل عدم ذهاب بيروت بعيدًا قبل اتضاح وجهة التفاوض السوري مع إسرائيل.

كانت سوريا تدير مسارها التفاوضي الخاص مع إسرائيل، وترى أنّ التشاور حول بالمسار اللبناني يضعف قدرة إسرائيل على التفاوض مع كل ساحة على حدة. وقد أدرك الشرع، منذ بداية هذا المسار، طبيعة المطالب الأمنية والسياسية التي يريدها بنيامين نتنياهو في سوريا، ورفض تقديم تنازلات أو التزامات تستثمرها إسرائيل لتحقيق ما تريده.

خلال زيارة الرئيس نواف سلام إلى دمشق، طُرحت فكرة عدم ذهاب لبنان بعيدًا في التفاوض مع إسرائيل، وانتظار ما سيؤول إليه المسار السوري، على قاعدة أنّ مصلحة البلدين مترابطة. لكن ما حصل لاحقًا بدا، في القراءة السورية، خروجًا لبنانيًا من هذه المعادلة.

لذلك تبدو زيارة الشيباني محاولة لفتح باب سياسي قبل أن تقتله الوقائع. فدمشق لا تريد أن تُستبعد من ترتيب لبنان، ولا تريد أن تُستدرج إليه.

كما تُنظر إلى الزيارة على أنها محاولة سورية لتأكيد أن دمشق لا تريد أن تكون جزءاً من أي مواجهة داخلية في لبنان، لكنها في المقابل ترفض أن تتحول إلى طرف يُستدعى لاحقاً لتحمل أعباء تنفيذ ترتيبات لم تشارك في صياغتها.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة أيضاً لأنها ستكون مؤشراً عملياً على شكل العلاقة التي يريد الرئيس أحمد الشرع بناءها مع لبنان في المرحلة المقبلة. علاقة تقوم على التعاون السياسي والدبلوماسي، ومعالجة الملفات العالقة، من ترسيم الحدود إلى ملف النازحين والتبادل الاقتصادي، بعيداً عن النموذج الذي حكم العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.

مصدر مطّلع لـ“أساس”: الدور السوري المطروح أميركيًا في لبنان لا يقتصر، في أحد سيناريوهاته، على السياسة، بل يلامس فكرة دور أمني أو عسكري إذا وصل تنفيذ البند الرابع إلى حائط مسدود

عجز التنفيذ

كان الشرع، قبل الاتّفاق، يبعث برسائل عن “الحلّ الآمن” والحوار بين اللبنانيّين، واستعداد سوريا للتواصل مع جميع الأطراف ورعاية تسوية لا تفجّر الداخل. لم يكن يتحرّك عبثاً تجاه “الحزب”، بل كان يفتح باباً سياسيّاً في لحظة حسّاسة، ويقدّم سوريا طرفاً قادراً على المساعدة في إنتاج مخرج سياسي لبنانيّ، بدل ترك الملفّ لصدام مباشر بين الدولة و”الحزب”.

قبل الاتفاق، كان الشرع يبعث برسائل عن “الحلّ الآمن” والحوار بين اللبنانيين، واستعداد سوريا للتواصل مع جميع الأطراف ورعاية تسوية لا تفجّر الداخل. لم يكن يتحرّك عبثًا تجاه حزب الله، بل كان يفتح بابًا سياسيًا، ويقدّم سوريا كطرف قادر على المساعدة في إنتاج مخرج لبناني، بدل ترك الملف لصدام مباشر بين الدولة والحزب.

لكن الاتفاق الإطاري، يضيف المصدر، وضع ملف السلاح في صيغة حادّة، وقد يدفع الدولة اللبنانية إلى صدام مستعجل مع الحزب، قبل أن تمتلك القدرة الفعلية على تنفيذ ما التزمت به. هنا تكمن مشكلة لبنان الكبرى. فالدولة تبدو كمن وقّع شيكًا سياسيًا كبيرًا من دون رصيد تنفيذ. لا تستطيع أن تقاتل حزب الله، ولا أن تنزع سلاحه وحدها، ولا أن تتحمّل انفجارًا داخليًا واسعًا.

إقرأ أيضاً: “7 أيّار” أصبحت ماضياً إنطوى

مصدر مطّلع آخر يقول لـ“أساس” إنّ الدور السوري المطروح أميركيًا في لبنان لا يقتصر، في أحد سيناريوهاته، على السياسة، بل يلامس فكرة دور أمني أو عسكري إذا وصل تنفيذ البند الرابع إلى حائط مسدود. لكنّ الشرع لا يريد دورًا عسكريًا الآن، لاعتبارات مرتبطة بسوريا نفسها: وضعها الداخلي، جاهزية مؤسساتها، حساسية الجيش، وخطورة التورّط في صراع لبناني مفتوح.

سوريا قلقة وتراقب. لا لأنها خارج الاتفاق، بل لأنها تخشى أن تكون داخله ضمنًا. لم يوقّع الشرع على البند الرابع، لكنه قد يكون أكثر بند يستدعيه. ومن هنا تأتي زيارة الشيباني إلى بيروت: زيارة تحمل قلق دمشق إلى لبنان، وتقول إنّ سوريا الجديدة لا تريد الغياب عن طاولة تُرسم فوقها حدود دورها المقبل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

عون يُدشّن بدء تنفيذ “اتّفاق واشنطن”

يدخل اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الموقّع في واشنطن، مرحلة اختبار حسّاسة وخطِرة بعد اصطدامه بفيتو داخليّ واسع تقدّمه “الحزب” والرئيس نبيه برّي والنائب السابق…

اتفاق الإطار: القيام التدريجي للدولة؟

لا تُقاسُ الاتّفاقات، في لحظات التّحوّل الكُبرى، بما تعِدُ به على الورَقِ، بل بقدرتِها على تغييرِ موازين الواقع. من هذا المُنطلَق، يَصعُبُ التعاملُ مع الاتّفاقِ…

اتّفاق واشنطن… ضباط أميركيون في الميدان

لا يبدو لبنان اليوم متّجهاً نحو مرحلة استقرار، بقدر ما يدخل مرحلة اختبار مفتوح. فإذا نجحت السلطة في بناء شبكة أمان داخليّة تسبق تنفيذ اتّفاق…

الزيدي يواجه الدولة العميقة: FBI تشارك بتحقيقات الفساد

يقود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أكبر حملة لمكافحة الفساد منذ عام 2003، فهل تمثل الإقالات الواسعة التي باشرها مدخلاً لإعادة صياغة العلاقة مع الولايات…