لم تكن زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لتركيا تفصيلاً عابراً في روزنامة العلاقات اللبنانيّة ـ التركيّة. فبعد غياب شبه كامل للتواصل منذ تشكيل الحكومة، جاءت الدعوة التركيّة لتكسر الصمت، وبمستوى لا يشبه المجاملات الدبلوماسيّة. التقى متري نائب الرئيس التركيّ جودت يلماز، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، أحد وجوه الحلقة المحيطة بالرئيس رجب طيّب إردوغان، واستقبل نائبَي وزير الخارجيّة التركيّ في مقرّ إقامته.
كانت الرسالة الأولى في الشكل قبل المضمون: قرّرت أنقرة أن تفتح الباب اللبنانيّ من جديد، لا من موقع المنافسة مع أحد، بل من موقع الدولة التي ترى أنّ لبنان عاد إلى قلب النقاش الإقليميّ، وأنّ تجاهله في هذه اللحظة لم يعد ممكناً.
كشف مصدر “أساس” أنّ أنقرة تنتظر زيارة قريبة للرئيس نوّاف سلام لتركيا على رأس وفد وزاريّ لتوقيع اتّفاقات اقتصاديّة بين البلدين
رسالة إلى بيروت
لم يكن توقيت الزيارة بريئاً. فقد جاءت في عزّ النقاش الذي أثاره كلام دونالد ترامب عن دور سوريّ محتمل في لبنان، وعن إمكان أن يتولّى الرئيس السوريّ أحمد الشرع التعامل مع ملفّ “الحزب”. في أنقرة، سمع اللبنانيّون قراءة مختلفة تماماً: لا نيّة لدى الشرع للدخول إلى لبنان، ولا قرار ميدانيّاً خلف كلام ترامب، بل هو أقرب إلى استعراض تلفزيونيّ لا أكثر.
يعتبر الأتراك، بحسب ما نُقل عن أجواء اللقاءات، أنّ الشرع يدرك جيّداً أنّ أيّ دخول سوريّ إلى الساحة اللبنانيّة ستكون له تبعات تتجاوز لبنان. العراق حاضر، والبيئات الشيعيّة في المنطقة حاضرة، وخطر الفتنة السنّيّة ـ الشيعيّة حاضر أيضاً. والشرع، الذي يريد تثبيت صورة أنّه أخرج سوريا من أتون الطائفيّة، لا يريد أن يُستدرج إلى طائفيّة لبنان.
لذلك ترفض أنقرة فكرة تصويره كمن يريد حماية السنّة في وجه المسيحيّين أو الشيعة. على العكس، تقول القراءة التركيّة إنّ الشرع منفتح على الجميع في لبنان: مسيحيّين وشيعة ودروزاً وسُنّة. وما يريده هو علاقة دولة بدولة، ولا عودة إلى زمن التدخّل السوريّ، ولا إدارة للبنان من بوّابة دمشق.
السّلاح بالحوار
في المقابل، لا تخفي تركيا دعمها الواضح للدولة اللبنانيّة في بسط سيادتها، حصر السلاح، واحتكار قرار الحرب والسلم ضمن سلطة مركزيّة واحدة. لكنّ أنقرة تقارب ملفّ سلاح “الحزب” بواقعيّة حذرة: الحلّ، كما يراه الأتراك، لا يكون إلّا بالحوار لأنّ أيّ مقاربة عسكريّة أو صداميّة قد تدفع لبنان إلى انفجار داخليّ لا يريده أحد.
تلتقي تركيا مع الدور السعوديّ. فالأتراك يبدون دعماً كاملاً للجهود السعوديّة في لبنان، خصوصاً مع الرئيس نبيه برّي. ويرون أنّ المملكة تشكّل ركيزة أساسيّة لحماية لبنان لأنّها لا تتعامل معه من زاوية طائفة واحدة، بل تحتضن الشيعة كما تحتضن الجميع. يقرأ الأتراك في هذا رؤية سعوديّة ثاقبة: حماية لبنان لا تتمّ بعزل مكوّناته، بل بإعادة جمعها تحت سقف الدولة.
لم تكن زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لتركيا تفصيلاً عابراً في روزنامة العلاقات اللبنانيّة ـ التركيّة. فبعد غياب شبه كامل للتواصل منذ تشكيل الحكومة، جاءت الدعوة التركيّة لتكسر الصمت
التحالف الخماسي يدعم الانسحاب الإسرائيلي
ما قالته تركيا للبنان كان مباشراً: نحن جاهزون للمساعدة في أيّ ملف تطلبه الدولة اللبنانيّة. لم يفتح الأتراك ملفّات خلافيّة، مثل قبرص وغيرها. بدل ذلك، عرضوا التعاون في قطاعات عمليّة، وعلى رأسها الكهرباء، ثمّ الطاقة والغاز. حتّى ملفّ التنقيب عن الغاز طُرح من زاوية تعاون لبنانيّ ـ تركيّ ـ سوريّ، بما يجعل الاقتصاد جسراً بين الدول الثلاث بدل أن تبقى الحدود مصدراً للأزمات.
أمّا في ملفّ الحرب والانسحاب الإسرائيليّ، فنصح الأتراك لبنان بأن يستفيد من الاتّفاق الأميركيّ ـ الإيرانيّ، وأن يطالب الإدارة الأميركيّة بترجمة هذا الاتّفاق ضغطاً على إسرائيل للانسحاب من لبنان. وفي هذا المسار، أبدت تركيا استعدادها للمساعدة، إلى جانب باكستان وقطر والمملكة السعوديّة ومصر، لتشكيل مظلّة إقليميّة أوسع لحماية الأمن والاستقرار.
الأهمّ أنّ لبنان بات يُذكر ضمن هذه الدول الأساسيّة. وهذا وحده مؤشّر إلى أنّ بيروت، إذا أحسنت إدارة اللحظة، تستطيع أن تخرج من موقع الساحة إلى موقع الدولة التي تُبحث مصالحها على طاولات القرار.
لبنان في القمّة
سيكون الموعد المقبل في السابع من تمّوز في تركيا، حيث تعقد قمّة رؤساء دول الناتو. وعد الأتراك بأن يكون لبنان حاضراً هناك وأساسيّاً في النقاش، خصوصاً بين إردوغان وترامب. وهذا يعني أنّ الملفّ اللبنانيّ لن يبقى تفصيلاً على هامش الحرب أو الاتّفاقات الكبرى، بل بند مطروح داخل واحدة من أهمّ المنصّات السياسيّة ـ الأمنيّة في العالم.
تقترح أنقرة على لبنان أيضاً إنّ عليه أن يبني تعاوناً جدّياً مع سوريا. فدمشق الجديدة، برأي الأتراك، يمكن أن تفتح أمام بيروت علاقة أقوى مع الإدارة الأميركيّة، وأن تساعد في ضبط الحدود وتعزيز الاستقرار من باب المصلحة المشتركة بين دولتين خرجتا، كلّ بطريقتها، من أزمنة الانهيار، لا من باب عودة النفوذ السوريّ.
إقرأ أيضاً: من الجيش إلى الطّاقة: هل تعود روسيا إلى سوريا؟
في هذا السياق، كشف مصدر “أساس” أنّ أنقرة تنتظر زيارة قريبة للرئيس نوّاف سلام لتركيا على رأس وفد وزاريّ لتوقيع اتّفاقات اقتصاديّة بين البلدين. وتقول هذه المصادر إنّ الرسالة التركيّة إلى بيروت واضحة: لا تسعى أنقرة إلى الحلول مكان أحد في لبنان، سواء المملكة السعوديّة أو واشنطن أو الدولة اللبنانيّة. لكنّها جاهزة، إذا طلبت بيروت، للعب دور مساعد في الملفّات التي تحدّدها الدولة اللبنانيّة، من الاقتصاد إلى الطاقة، ومن الاستقرار إلى العلاقة مع سوريا.
بهذا المعنى، لم تكن زيارة طارق متري لتركيا زيارة فحسب. بل كانت اختباراً مبكراً لفكرة أكبر: هل يستطيع لبنان أن يستفيد من تقاطع تركيّ ـ سعوديّ ـ عربيّ ـ أميركيّ عليه قبل أن يتحوّل مجدّداً إلى صندوق بريد لحروب الآخرين؟
لمتابعة الكاتب على X:
