الشرع إلى واشنطن؟ عطر ترامب ورائحة الاتفاق مع إسرائيل

مدة القراءة 7 د

في السياسة، لا تكون الهدايا دائمًا تفصيلًا عابرًا. أحيانًا تقول زجاجة عطر ما لا تقوله البيانات الرسمية. هكذا بدت الهدية التي أرسلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، مرفقة برسالة شخصية تخاطبه باسمه: تفصيل بروتوكولي صغير، لكنّه يفتح بابًا على سؤال أكبر بكثير: هل يحاول ترامب بناء قناة شخصية مع الشرع تمهيدًا لمرحلة سياسية جديدة عنوانها واشنطن، وامتحانها الأصعب إسرائيل؟

 

العطر، في ظاهره، مجاملة. أمّا في السياسة، فقد يكون جزءًا من لغة تمهيدية لعلاقة تُراد لها أن تتجاوز القطيعة الطويلة بين دمشق وواشنطن. ومن هنا، لا تبدو أي زيارة محتملة للشرع إلى واشنطن مجرّد صورة في البيت الأبيض أو محطة رمزية في مسار الانفتاح الأميركي على سوريا. فكلّما اقترب الشرع من ترامب، حضرت إسرائيل في الخلفية: لا بوصفها تفصيلًا جانبيًا، بل كأحد مفاتيح إعادة إدخال سوريا في الترتيب الإقليمي الجديد.

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن زيارة قريبة للشرع إلى واشنطن. لكنّ مصادر “أساس” ترجّح حصولها في مرحلة قريبة، في ظلّ الاتصال الأخير بينه وبين ترامب، وما سبقه من لقاءات ومحطات. وإذا حصلت الزيارة، يضيف المصدر، فلن تكون منفصلة عن ملف الاتفاق الأمني السوري–الإسرائيلي. بل سيكون هذا الملف، على الأرجح، في صلب جدول الأعمال، إلى جانب العقوبات، الاقتصاد، إعادة الإعمار، مكافحة تنظيم داعش، مستقبل القواعد الروسية، وخطوط النفوذ والإمداد المرتبطة بإيران وحلفائها في سوريا.

العطر، في ظاهره، مجاملة. أمّا في السياسة، فقد يكون جزءًا من لغة تمهيدية لعلاقة تُراد لها أن تتجاوز القطيعة الطويلة بين دمشق وواشنطن

المسار بدأ من السعودية

الدليل الأبرز لا يأتي من التقديرات فقط، بل من المسار السابق نفسه. ففي أيار 2025، خلال لقاء ترامب والشرع في الرياض بترتيب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السعودية، دفع الرئيس الأميركي باتجاه فتح مسار مع إسرائيل، وتحدّث عن أمله في أن تنضم سوريا لاحقًا إلى اتفاقات أبراهام عندما “تستقيم الأمور”. يومها، بدا واضحًا أنّ واشنطن تريد ربط الانفتاح على دمشق بإعادة تموضع سوريا إقليميًا، بما ينسجم مع هدف أميركي أوسع بإبعادها عن شبكات النفوذ الإيراني والروسي، وفتح قناة ما، مباشرة أو غير مباشرة، مع إسرائيل.

قبيل زيارة الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني 2025، عاد الملف نفسه إلى الواجهة. فقد نُقل عن المبعوث الأميركي توم باراك أنّ سوريا وإسرائيل تواصلان محادثات خفض التصعيد بوساطة أميركية، وأنّ الطرفين كانا قريبين من اتفاق. والأهم أنّ مصدرًا سوريًا قال حينها إنّ واشنطن كانت تدفع باتجاه إنجاز اتفاق أمني مع إسرائيل بحلول موعد الزيارة.

هذا يعني أنّ واشنطن لم تكن تتعامل مع زيارة الشرع بوصفها صورة في البيت الأبيض، بل كموعد سياسي يمكن أن تُربط به تفاهمات إقليمية أكبر. فالاختبار الحقيقي لا يكمن في الرموز، بل في الملفات الثقيلة: العقوبات، إسرائيل، الجنوب السوري، وموقع دمشق الجديد.

الجنوب السوري: العقدة الثقيلة

في تشرين الثاني 2025، وُصفت زيارة الشرع إلى واشنطن بأنها تاريخية، كونها أول زيارة من نوعها لرئيس سوري إلى العاصمة الأميركية. لكن أهميتها لم تكن في الرمز فقط. يومها، كان الأمن أحد عناوين اللقاء الأساسية. واشنطن كانت تعمل على تفاهم أمني محتمل بين سوريا وإسرائيل، فيما كانت دمشق تريد وقف الغارات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدّمت إليها في الجنوب السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد.

اليوم، إذا طُرحت زيارة جديدة للشرع إلى واشنطن، فالسياق أكثر تعقيدًا. جنوب سوريا لا يزال نقطة الاختبار. إسرائيل تريد ترتيبات تمنع أي تهديد من الجبهة السورية، وتمنحها هامشًا أمنيًا واسعًا في الجولان ومحيطه. دمشق، في المقابل، لا تستطيع أن تظهر كأنها تقبل بترتيبات تنتقص من السيادة السورية أو تشرعن الوجود الإسرائيلي في أراضٍ سورية. وبين الطرفين، تتحرك واشنطن لتدوير الزوايا: الضغط على إسرائيل لتخفيف شروطها، والضغط على دمشق لتقديم ضمانات أمنية قابلة للتسويق دوليًا.

العقوبات مقابل الأمن

لهذا، لا يمكن فصل أي زيارة محتملة عن هذا الملف. يقول مصدر “أساس” إنّ الاتفاق الأمني السوري–الإسرائيلي، إذا نضج، لن يكون مجرّد ورقة تقنية بين ضباط أو لجان حدودية. سيكون جزءًا من صفقة سياسية أوسع: تخفيف العقوبات، جذب الاستثمارات، تثبيت سلطة دمشق الجديدة، طمأنة إسرائيل، وإعادة تعريف موقع سوريا في الإقليم.

الاتصال الأخير بين الشرع وترامب في 31 أيار 2026 يعزّز هذه القراءة. فبحسب الرئاسة السورية، تناول الاتصال دعم الاقتصاد السوري وآخر التطورات الإقليمية، وشدّد الشرع على أنّ رفع ما تبقّى من العقوبات الأميركية ضروري لإنعاش الاقتصاد وجذب الاستثمارات. في منطق واشنطن، الاقتصاد والأمن يتحركان معًا: لا استثمارات كبرى ولا انفتاح كامل من دون طمأنة إسرائيل وضبط الحدود والجبهات.

لكنّ واشنطن لا تنظر إلى سوريا من بوابة إسرائيل وحدها. فداخل نقاشات قانون الدفاع الأميركي H.R. 8800، برزت تعديلات تكشف أنّ الملف السوري بدأ يدخل أيضًا وترجمته  نقاش الأمن القومي الأميركي من أبواب أخرى: القواعد الروسية، إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، دمج قوات سوريا الديمقراطية، وخطوط الإمداد المرتبطة بإيران وحلفائها.

في البداية، كانت هناك زجاجة عطر ورسالة شخصية. أمّا في العمق، فالرائحة التي تلاحق زيارة الشرع المحتملة إلى واشنطن ليست رائحة المجاملة، بل رائحة صفقة كبرى لم تنضج بعد

روسيا وحزب الله وقسد

في أحد التعديلين المقدّمين من النائب الجمهوري جو ويلسون، طُلب من وزارة الدفاع إعداد تقرير غير سرّي عن القواعد الروسية في سوريا، ولا سيما حميميم وطرطوس، وعن خطط البنتاغون للعمل مع الحكومة السورية الجديدة لتقليص النفوذ الروسي أو تأمين مغادرة القوات الروسية. كما يطلب النص تقييم ما إذا كان الوجود الروسي يهدّد القوات الأميركية في إنجرليك، وما إذا كانت هذه القواعد تُستخدم مراكز لوجستية لتزويد وكلاء إيران بالسلاح، مثل الحوثيين وحماس وحزب الله، أو لتسهيل تجنيد ونقل مقاتلين إلى حرب روسيا في أوكرانيا.

بهذا المعنى، يقول مصدر “أساس” في واشنطن، لا يعود ملف حميميم وطرطوس منفصلًا عن لبنان أو حزب الله، بل جزءًا من سؤال أميركي أوسع: هل يمكن لسوريا الجديدة أن تتحوّل من ممرّ نفوذ وسلاح إلى دولة تضبط حدودها ومؤسساتها وعلاقاتها الإقليمية؟

وفي تعديل آخر، تحت عنوان “احترافية قوات الدفاع السورية”، يدعم النص قيام سوريا مستقرة تحمي الأقليات، ويؤيد دمج وحدات بحجم ألوية من “قسد”، وتعيين قيادات رفيعة منها في مواقع مؤثرة داخل وزارة الدفاع. لكنه يشير أيضًا إلى هشاشة البيئة الأمنية، ويدعو إلى برامج تدريبية حول الاحترافية العسكرية، قانون الحرب، سيادة القانون، حقوق الإنسان، والسيطرة المدنية على الجيش.

إقرأ أيضاً: بوتين في حربه الأصعب: 26 مليار دولار لهزيمة الزّمن؟

من هنا، تبدو أي زيارة قريبة للشرع إلى واشنطن، إن حصلت، زيارة “سلّة واحدة”: العقوبات مقابل الاستقرار، الاقتصاد مقابل الأمن، إعادة الإعمار مقابل ترتيبات الجنوب، وتقليص النفوذ الروسي وبقايا النفوذ الإيراني مقابل إعادة تأهيل الدولة السورية.

لكن داخل هذه السلّة، يبقى الاتفاق الأمني مع إسرائيل العنوان الأكثر حساسية، لأنه يمسّ جوهر شرعية دمشق الجديدة: كيف توازن بين الحاجة إلى وقف التصعيد وإعادة الإعمار، وبين رفض الظهور كأنها تقدّم تنازلات سيادية تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي؟

في البداية، كانت هناك زجاجة عطر ورسالة شخصية. أمّا في العمق، فالرائحة التي تلاحق زيارة الشرع المحتملة إلى واشنطن ليست رائحة المجاملة، بل رائحة صفقة كبرى لم تنضج بعد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

التّصعيد العسكريّ يتقدّم مجدّداً

تجاوزت إسرائيل كل المحرّمات باستهداف آلية عسكرية على طريق الخردلي-كفرتبنيت يوم السبت أدّت إلى استشهاد ضابطين وعسكري، ثم شنّت أمس غارة استهدفت مبنيين في الضاحية الجنوبية،…

انفجرت بين بعبدا وطهران: أخطر مواجهة سياسية منذ الطائف

لم يعد الخلاف القائم بين الدولة اللبنانية وإيران مجرّد تباين في المواقف حول الحرب أو حول سلاح “الحزب”. ما ظهر في الأيام الأخيرة، عبر السجال…

ترامب في أنقرة: سوريا تتقدّم على النّاتو؟

قبل سبع سنوات، كان دونالد ترامب يهدّد تركيا بـ”تدمير ومحو” اقتصادها إذا تجاوزت الحدود في شمال سوريا. اليوم، يعود ترامب نفسه إلى تركيا من بوّابة…

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…