لطالما حرص الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على تقديم نفسه بوصفه تجسيداً للقوّة والحيويّة الروسيّة. منذ سنوات، ارتبطت صورته العامّة بمشاهد الصيد في سيبيريا، وركوب الخيل، والسباحة في المياه الباردة، وممارسة الجودو ولعب الهوكي، وحتّى الغوص في أعماق بحيرة بايكال. ولم تكن هذه المشاهد استعراضات شخصيّة وحسب، بل شكّلت جزءاً من صورة سياسيّة أوسع تسعى إلى إظهار الرئيس باعتباره رمزاً لقوّة الدولة الروسيّة واستمراريّتها.
ليست هذه الظاهرة جديدة، بحسب الكاتبة في موقع UnHerd التحليليّ البريطانيّ، بوباي سويربي، بل تمتدّ إلى تقاليد سياسيّة قديمة سعى خلالها القادة إلى ربط قوّتهم الجسديّة بقوّة الدولة نفسها. وتذكّر بصورة عام 1934 عندما ظهر الزعيم الفاشي الإيطاليّ بينيتو موسوليني عاري الصدر وهو يعمل أمام الكاميرات على آلة لدرس القمح في بلدة سابوديا التي أُنشئت حديثاً ضمن مشروع استصلاح مستنقعات بونتين. وقد صُمّمت المناسبة لتقديمه نموذجاً للقوّة والاكتفاء الذاتيّ والانضباط الوطنيّ. وتشير إلى أنّ قادة معاصرين مثل الزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون والرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو واصلوا استخدام أساليب مشابهة لبناء صورة الزعيم القويّ. فكيف يواجه بوتين، الذي يبلغ اليوم 73 عاماً، معضلة المحافظة على صورة الزعيم القويّ في ظلّ التقدّم في العمر؟
الشّيخوخة تهديد سياسيّ
تشير سويربي في هذا السياق إلى الشائعات المستمرّة بشأن استخدام بوتين بدلاء أو أشخاص يشبهونه للظهور في بعض المناسبات العامّة، بالإضافة إلى تفسيرات أخرى كالخضوع لإجراءات تجميليّة أو علاجات مضادّة للشيخوخة أو استخدام منشّطات. غير أنّها تعتبر أنّ مسألة البدلاء ليست القضيّة الأساسيّة، بل إنّ الأهمّ هو ما تكشفه هذه النقاشات من اهتمام متزايد بصحّة الزعيم ومظهره الجسديّ. فشخصيّات مثل جوزف ستالين وصدّام حسين ارتبطت أيضاً عبر التاريخ بروايات مشابهة، وكانت الصور المصمّمة بعناية والخدع البصرية جزءاً من أدوات الحكم في الأنظمة الشديدة المركزيّة.
حرص الزعيم الروسيّ على مدى عقود على ترسيخ صورة الحيويّة من خلال ظهوره العلنيّ المُعدّ بعناية
يواجه القادة اليوم مستوى غير مسبوق من التدقيق، تضيف الكاتبة. إذ باتت وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعيّ تتيح لملايين الأشخاص مراقبة كلّ ظهور علنيّ وتحليل طريقة المشي وتعابير الوجه وحركات الجسد. ولهذا أصبحت الشيخوخة تمثّل معضلة سياسيّة للزعماء الذين بنَوا جزءاً من شرعيّتهم على صورة القوّة والحيويّة. وتورد مثال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي يواجه باستمرار تساؤلات إعلاميّة عن حالته الصحّيّة وقدرته البدنيّة. فيحرص على التأكيد المتكرّر لتمتّعه بصحّة ممتازة وقدرات ذهنيّة استثنائيّة.
بحسب الكاتبة، يرتبط اهتمام بوتين بمكافحة الشيخوخة بطبيعة الأنظمة السياسيّة التي تتمحور حول شخصيّة القائد. ففي الديمقراطيات تستمرّ المؤسّسات على الرغم من تغيّر الرؤساء، أمّا في الأنظمة الشخصيّة فإنّ صورة الحاكم تصبح جزءاً من صورة الدولة نفسها. ووفقاً للعبارة الشهيرة المنسوبة إلى الملك الفرنسيّ لويس الرابع عشر: “الدولة هي أنا” (L’État, c’est moi)، لا يمثّل تراجع صحّة الزعيم أو تقدّمه في العمر قضيّة شخصيّة، بل قد يُنظر إليه باعتباره مؤشّراً إلى ضعف النظام نفسه. ومن هنا يكتسب السعي إلى إطالة العمر بعداً سياسيّاً يتجاوز الاعتبارات الطبّيّة البحتة.
لذا، وفي هذا السياق، وبحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، حوّل بوتين أبحاث مكافحة الشيخوخة وإطالة العمر إلى أحد أكبر المشاريع العلميّة المدعومة من الدولة الروسيّة، من خلال برنامج يحمل اسم “التقنيّات الجديدة للحفاظ على الصحّة” بميزانيّة تبلغ نحو 26 مليار دولار.
يرتبط اهتمام بوتين بمكافحة الشيخوخة بطبيعة الأنظمة السياسيّة التي تتمحور حول شخصيّة القائد
بوتين وهاجس العمر
وفقاً للتقرير، يهدف البرنامج إلى تطوير تقنيّات طبّيّة تسمح بإبطاء الشيخوخة والحفاظ على الصحّة وإطالة متوسّط العمر المتوقّع، فيما تقول السلطات الروسيّة إنّ المبادرة قد تساهم في إنقاذ نحو 175 ألف شخص بحلول نهاية العقد الحالي. ويقود المشروع شخصان مقرّبان جدّاً من بوتين. الأوّل ابنته ماريا فورونتسوفا، المتخصّصة في علم الغدد الصمّاء، والتي تشرف على عدد من البرامج الحكوميّة المرتبطة بالجينات والطبّ الحيويّ. أمّا الثاني فهو الفيزيائيّ ميخائيل كوفالتشوك، رئيس معهد كورتشاتوف للأبحاث وأحد أبرز المستشارين العلميّين المقرّبين من دوائر السلطة الروسيّة، الذي يعتبر أنّ التقدّم العلميّ سيجعل من الممكن مستقبلاً إصلاح أعضاء الجسم أو استبدالها بصورة متكرّرة، وأنّ قدرة الإنسان على إصلاح جسده ستزداد بلا شكّ.
بحسب تقرير الصحيفة، يرتكز المشروع الروسيّ على مسارين علميَّين رئيسَين:
- الأوّل هو الطباعة الحيويّة، التي تعتمد على تقنيّات الطباعة الثلاثيّة الأبعاد لإنتاج أنسجة وأعضاء بشريّة قابلة للزراعة مستقبلاً. ويقول الباحثون الروس إنّهم نجحوا بالفعل في طباعة نسيج غضروفيّ بشريّ وغدّة درقيّة لفأر، ويأملون الوصول إلى إنتاج أعضاء بشريّة كاملة قابلة للزراعة بحلول عام 2030.
- الثاني هو زراعة الأعضاء، ويقوم على تنمية أعضاء بشريّة داخل خنازير قزمة يُعتقد أنّها تتمتّع بدرجة من التوافق البيولوجيّ مع الإنسان. ويرى العلماء المشاركون في المشروع أنّ هذه التقنيّة قد توفّر مستقبلاً مصدراً دائماً للأعضاء المطلوبة في عمليّات الزراعة، بما يقلّل من مشكلة النقص المزمن في الأعضاء البشريّة.
إلى جانب هذين المسارين، يطوّر العلماء الروس علاجاً جينيّاً ضمن برنامج “التقنيّات الجديدة للحفاظ على الصحّة”، يُعتبر من أكثر المسارات الواعدة في مكافحة الشيخوخة، لأنّه يستهدف إبطاء التدهور الطبيعيّ الذي يصيب الخلايا مع التقدّم في العمر.
لطالما حرص بوتين على تقديم نفسه بوصفه تجسيداً للقوّة والحيويّة الروسيّة. منذ سنوات، ارتبطت صورته العامّة بمشاهد الصيد في سيبيريا
يشير تقرير “وول ستريت جورنال” إلى أنّ المشروع لا يمكن فصله عن اهتمام بوتين الطويل بالصحّة واللياقة البدنيّة، فقد حرص الزعيم الروسيّ على مدى عقود على ترسيخ صورة الحيويّة من خلال ظهوره العلنيّ المُعدّ بعناية. وقد شكّلت صوره وهو يمارس الصيد والرياضة والسباحة وركوب الخيل ولعب الهوكي جزءاً أساسيّاً من ظهوره العامّ. وخلال جائحة كوفيد-19، اتّخذ بوتين احتياطات صحيّة صارمة بشكل غير معتاد. فقد خضع الزوّار لحجر صحّيّ مطوّل، وطُبّقت إجراءات وقائيّة مُحكمة حول الرئيس. وأصبحت طاولات اجتماعاته الطويلة الشهيرة رمزاً للتباعد السياسيّ والقلق من العدوى. وأبدى اهتماماً بأساليب علاجيّة غير تقليديّة، مثل العلاج بالتبريد. ففي لقاء جمعه بالمستشار النمساويّ آنذاك سيباستيان كورتس عام 2018 داخل الكرملين، نصحه بتجربة غرف التبريد التي تصل درجات الحرارة فيها إلى نحو 170 درجة فهرنهايت تحت الصفر، وكان يتحدّث بحماسة عن فوائدها الصحيّة.
ترتبط هذه الجهود أيضاً بالتحدّيات الديمغرافيّة التي تواجهها روسيا. إذ تشير تقارير صحافيّة إلى أنّ متوسّط العمر المتوقّع للرجال الروس يبلغ نحو 68 عاماً فقط، مقارنة بنحو 76 عاماً في الولايات المتّحدة وأكثر من 80 عاماً في أجزاء واسعة من أوروبا الغربيّة. ومعظم أفراد الدائرة الضيّقة المحيطة ببوتين تجاوزوا السبعين من العمر.
لكن على الرغم من الحماسة الرسميّة، يواجه المشروع انتقادات من بعض العلماء. فبحسب ما أوردته “وول ستريت جورنال”، يرى ألكسندر أوستروفسكي، أحد روّاد الطباعة الحيويّة في روسيا، أنّ غياب الأبحاث المنشورة في المجلّات العلميّة الدوليّة المحكّمة يجعل من الصعب التحقّق من الإنجازات المعلنة. ويعتقد أنّ العقوبات الغربيّة والعزلة العلميّة التي تواجهها روسيا منذ الحرب في أوكرانيا قد تعرقل الوصول إلى مستوى البحث المطلوب، وقد تدفع بعض الباحثين إلى المبالغة في عرض النتائج على أمل الحصول على مزيد من التمويل الحكوميّ.
