صفقة ترامب أفضل من صفقة أوباما؟

مدة القراءة 7 د

فاجأت مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتّحدة ببنودها الملتبسة والعموميّة إسرائيل أقرب حليف لواشنطن، وأربكت الوسط السياسيّ والإعلاميّ الأميركيّ. لكنّ صفقة ترامب كانت نتاجاً طبيعيّاً لسلسلة من الحسابات السيّئة، ولأسلوب ترامب الخاصّ في التفاوض.  

 

عندما يدافع الرئيس الأميركيّ عن مذكّرة التفاهم، وهي اتّفاق مؤقّت يؤجّل البنود الأساسيّة للتفاوض على الاتّفاق النهائيّ خلال ستّين يوماً، يركّز على نقطة واحدة، وهي أنّ “المذكّرة” أفضل من الاتّفاق النوويّ لعام 2015، الذي أنجزه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

اتّفاق المبادئ مع إيران يمنعها من تطوير سلاح نوويّ، فيما لا يتضمّن الاتّفاق النوويّ السابق ذلك الحظر النهائيّ. ولذا انسحب منه ترامب عام 2018. لكنّ قراءة الوقائع بصورة عكسيّة تفيد بأنّ الانسحاب الأميركيّ الاعتباطيّ من طرف واحد، ومن دون تنسيق مع الدول الأوروبيّة المنضوية في الاتّفاق، هو الذي دفع إيران إلى التفلّت من كلّ القيود ورفع مستوى التخصيب إلى 60 في المئة، وجعلها قريبة من إنتاج السلاح النوويّ. وأثبتت السياقات والتطوّرات اللاحقة أنّ الخطر الإيرانيّ يكمن في مكان آخر لم يرِد في المذكّرة الأخيرة.

فاجأت مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتّحدة ببنودها الملتبسة والعموميّة إسرائيل أقرب حليف لواشنطن، وأربكت الوسط السياسيّ والإعلاميّ الأميركيّ

ظهر أنّ الاستراتيجية الدفاعيّة الإيرانيّة تتضمّن ثلاثة عناصر أساسيّة أثبتت فعّاليّتها في مواجهة الحلف الأميركيّ الإسرائيليّ، جزئيّاً خلال حرب الـ12 يوماً في حزيران العام الماضي، التي انفردت فيها إيران بالدفاع عن نفسها، ثمّ الحرب الأخيرة انطلاقاً من اغتيال المرشد السابق عليّ خامنئي في 28 شباط الماضي، التي شهدت مشاركة متفاوتة من أذرعها في المنطقة. وهذه العناصر هي: دور الميليشيات في لبنان والعراق واليمن في المنطقة، ولا سيما “الحزب” في لبنان، والصواريخ المتوسّطة والطويلة المدى، ومضيق هرمز الذي ظهر أخيراً كأداة رئيسة في هذه الاستراتيجية من المنظور الجيوسياسيّ الاقتصاديّ الطاقويّ، لها تأثيراتها الخطِرة في الاستقرار الاقتصاديّ في العالم.

بدلاً من إسقاط النظام الإيرانيّ بضربة ساحقة تنال من رأسه فينهار الجسد، كما ظنّ نتنياهو وأقنع بها ترامب، ظهر جيل جديد من الراديكاليّين الإيرانيّين الذين لا يحسبون حساباً لخطوط صفر أو حمر، ويخوضون الحرب بكلّ ما أوتوا من إمكانات، ودونما اعتبار لأيّ خسائر تصيبهم أو تنال من حلفائهم في المنطقة، والأصعب من ذلك أنّهم يفاوضون بصلابة لافتة، ويضاهون بذلك ترامب نفسه، المزهوّ بقدراته التفاوضيّة الماهرة في قطاع المقاولات.

بين مذكّرة ترامب وصفقة أوباما 

كان الاتّفاق النوويّ السابق في 14 تمّوز 2015، واسمه الكامل “خطّة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، ذا طبيعة مؤقّتة أيضاً، ولمرحلة انتقاليّة، وبين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتّحدة، المملكة المتّحدة، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا)، وبهدف تخفيف الأنشطة النوويّة الإيرانيّة مقابل تخفيف العقوبات المفروضة على إيران. وهو نتيجة مفاوضات معقّدة استمرّت لسنوات، ومرّت بمحطّات: أوّلاً، الاتّفاق الانتقاليّ في جنيف في تشرين الثاني 2013، وثانياً الاتّفاق الإطاريّ في لوزان بسويسرا في نيسان 2015. وأخيراً، الاتّفاق النهائيّ.

يعمل الاتّفاق، المؤلّف من 159 صفحة موزّعة بين وثيقة الاتّفاق الأساس وخمسة ملاحق تقنيّة، على تقييد البرنامج النوويّ الإيرانيّ لردع تحويله إلى المجال العسكريّ مقابل رفع العقوبات المفروضة على طهران. ويتضمّن الاتّفاق إجراءات رقابيّة حازمة على الأنشطة النوويّة وعلى المنشآت النوويّة الإيرانيّة، ويفرض قيوداً على مستوى تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم، ويحدِّد عدد أجهزة الطرد المركزيّ. ويحظر الاتفاق بيع إيران الأسلحة التقليديّة لمدّة خمس سنوات أخرى، والصواريخ الباليستيّة أو التكنولوجيا المؤديّة إليها ثماني سنوات.

يمكن العودة بسرعة إلى فرض العقوبات فيما لو انتهكت إيران بنود الاتّفاق. وكانت العلّة الرئيسة فيه تغاضي الولايات المتّحدة عن دور إيران في المنطقة، من خلال تمويلها الميليشيات الموالية لها، بل إنّ الرئيس الأسبق أوباما لم يمانع أن يكون لطهران نفوذها الإقليميّ، وهذا ما جعل نتنياهو يحرّض على هذا الاتّفاق من قبل ولادته، بحجّة الخطر النوويّ، فيما كان النفوذ الإقليميّ الإيرانيّ هو ما يقلق إسرائيل.

الآن، وبمقارنةٍ مع اتّفاق المبادئ الأخير، ثمّة بَوْن شاسع بين ما حقّقه اتّفاق أوباما قبل 11 عاماً، وما يروّج له ترامب على أنّه إنجاز، لجهة أنّ الاتّفاق الأوّل كانت نتيجة الدبلوماسيّة الهادئة، فيما وُقّع الاتّفاق الإطاريّ الحاليّ تحت النار وفي ظلّ دبلوماسيّة صاخبة. والأخطر من ذلك أنّه البديل من خطّة فاشلة لإسقاط النظام ولدفعِ النظام الجديد المرتقب ليكون تحت الوصاية الأميركيّة وحليفاً لإسرائيل. وهو ما جعل الإيرانيّين يندفعون لأوّل مرّة منذ انتهاء الحرب العراقيّة الإيرانيّة عام 1988 للقتال المباشر مع “الشيطانين الأكبر والأصغر”، وبمساندة كبيرة من الأذرع، لا سيما “الحزب” في لبنان. وهو ما حاولت إيران تجنّبه لمدّة طويلة. والأسوأ من ذلك كلّه أنّ التوصّل إلى اتّفاق نهائيّ غير مضمون، علاوة على أنّ إيران حافظت على أوراقها بعد صمودها أمام احتمالات السقوط الداخليّ، وأصبحت تفاوض باسمها واسم حلفائها في الوقت نفسه.

قد يكون ترامب في نهاية الأمر يحاول إرضاء إيران وإغراءها والتقرّب منها لأنّ الصين هي الخصم الاستراتيجيّ الحقيقيّ، ويريد إيران أن تكون إلى جانبه لا في جانب الصين

أسلوب ترامب في التّفاوض

ما فتئ ترامب يردّد خلال التفاوض تحت النار مع إيران مقولات متناقضة، فمرّة يؤكّد أنّ الأسطولين الجوّيّ والبحريّ الإيرانيَّين قد قُضي عليهما تماماً، ومرّة أخرى يهدّد إيران بمحوها من الوجود. تارة يؤكّد أنّ النظام الإيرانيّ قد تغيّر فعلاً، وتارة أخرى يلوّح باستعداده للقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والأخير يحمل ثأر أبيه. إلّا أنّ الأسلوب المتناقض في إدارة التفاوض تحدّث عنه ترامب نفسه في كتابه الصادر عام 1987 بعنوان: “فنّ الصفقة” “The Art of The Deal”، حيث يقول: “أسلوبي في إبرام الصفقات بسيط جدّاً وواضح. أطمحُ لأعلى مستوى من المطالب، ثمّ أستمرّ في الضغط، والمزيد من الضغط للحصول على ما أريده. أحياناً أكتفي بأقلّ ممّا كنت أطمح، لكن في معظم الحالات أنتهي بالحصول على ما أريد”.

أمّا القواعد الأساسيّة عنده لإتمام أيّ صفقة عقاريّة بنجاح، التي استعملها هي نفسها لتحصيل ما يريد الحصول عليه من إيران، فهي كما يلي:

  1. اعرفْ المنطقة التي ستكون مكاناً لمشاريع التطوير العقاريّ.
  2. خطّطْ بعناية. احرصْ دائماً على وجود عدّة خيارات. فكّرْ في الطرق التي قد يفشل بها مشروعك واحمِ نفسك منها.
  3. ابحث عن مكمن النفوذ عند الطرف الآخر قبل التفاوض.
  4. كنْ قاسياً. عند التفاوض، اطلب الكثير. تنازلْ ببطء واحتفظْ بموقفك لأطول مدّة ممكنة. كنْ مثابراً وحاربْ بقوّة.
  5. كنْ مروّجاً. أظهر الحماسة لما تقترحه. جادلْ في أنّ عرضك مفيد للطرفين وأنّ خيارات الطرف الآخر أدنى من عرضك.
  6. فكّرْ بنفسك، ولا تعتمد على آراء الآخرين. اجعلْ فريقك صغيراً وقمْ بمعظم العمل بنفسك. اجمعْ بياناتك بنفسك ولا تهتمّ بالمستشارين. تجاهلْ نتائج الاستطلاعات. ثقْ بحدْسك.
  7. قمْ ببيع نفسك للجمهور. حاولْ أن تبدو لاعباً كبيراً. ابحثْ عن الدعاية، واعرضْ قدراتك وإنجازاتك. انطلقْ في مشاريع كبيرة ولامعة، وضعْ اسمك على أيّ شيء ممكن. أحدثْ ضجّة كبيرة. حتّى الدعاية السيّئة قد تكون أفضل من عدم وجود دعاية.

إقرأ أيضاً: إسرائيل بعد الاتّفاق: “لو كنّا نعلم” لما دخلنا الحرب

لكنّ الأكثر إثارة من ذلك أنّ ترامب يعتقد بأنّ الصفقات تنجح بشكل أفضل عندما يحصل كلّ طرف على شيء يريده من الآخر. فالتهديدات والمضايقات ورفض التنازل غالباً ما تنجح على المدى القصير، لكنّها تثير الاستياء، وهو ما قد يقلّل من النجاح على المدى الطويل، خاصّة إذا كان يمكن للطرف الآخر اللجوء في المستقبل إلى شركاء أفضل.

قد يكون ترامب في نهاية الأمر يحاول إرضاء إيران وإغراءها والتقرّب منها لأنّ الصين هي الخصم الاستراتيجيّ الحقيقيّ، ويريد إيران أن تكون إلى جانبه لا في جانب الصين. وفي سبيل ذلك، يفترق عن إسرائيل في منتصف الطريق. لكن في نهاية المطاف يكرّر ترامب ما فعله أوباما من قبل، لكن بأساليب مختلفة.

مواضيع ذات صلة

ثلاثاء واشنطن: ترتيبات أمنيّة تحت النّار؟

أعاد تأجيل المحادثات الأميركيّة-الإيرانيّة أمس في سويسرا خلط الأوراق دوليّاً وإقليميّاً، وقد يعرّض جولة التفاوض الخامسة في واشنطن بين وفدَي لبنان وإسرائيل لمزيد من الضغوط…

أنقرة تطمئن بيروت: الشرع لن يدخل لبنان

لم تكن زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لتركيا تفصيلاً عابراً في روزنامة العلاقات اللبنانيّة ـ التركيّة. فبعد غياب شبه كامل للتواصل منذ تشكيل الحكومة،…

من يقبض على مطار رفيق الحريري؟

من يدير مطار رفيق الحريري الدوليّ؟ وزارة الأشغال العامّة أو الهيئة العامّة للطيران المدنيّ؟ إبراهيم أبو عليوي المكلّف من قبل وزير الأشغال فايز رسامني برئاسة…

مسار سعودي- مصري- باكستاني- ايراني… يعالج شؤون المنطقة و”الحزب”

أين لبنان في اتفاق إسلام آباد؟ ما هي حدود المتفق عليها أميركياً وإيرانياً من الملف اللبناني؟ هل صحيح أنّ الأمر يتوقف عند خطّ وقف إطلاق…