تتفاعل تداعيات التفاهم المبدئي الأميركيّ – الإيرانيّ داخل إسرائيل كعاصفة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، تحوّلت في الخطاب الإسرائيليّ إلى ما يشبه “تسونامي” ضرب مراكز صنع القرار، وأطلق موجة غير مسبوقة من الانتقادات تجاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
في مشهد نادر، تشكّلت داخل إسرائيل حالة إجماع واسعة لا تقتصر على رفض الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، بل تمتدّ إلى اعتباره “كارثة سياسيّة وعسكريّة واستراتيجيّة” أصابت إسرائيل نتيجة الفشل في تحويل ما تعتبره إنجازات عسكريّة إلى مكاسب سياسيّة، بالتوازي مع حالة ارتباك داخل دوائر صنع القرار وغياب خطّة واضحة للمرحلة المقبلة، خصوصاً في الساحة اللبنانيّة.
تقاطعت مواقف أطراف من الائتلاف الحاكم والمعارضة، إلى جانب دوائر أمنيّة واستخباريّة، عند اعتبار أنّ الاتّفاق جاء بعيداً عن المصالح الإسرائيليّة، وأعاد ترتيب الأولويّات الأميركيّة بصورة تتناقض مع الأهداف التي رفعتها إسرائيل مع بداية الحرب، وفي مقدَّمها تفكيك البرنامج النوويّ الإيرانيّ وتقليص نفوذ طهران الإقليميّ.
تتفاعل تداعيات الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ داخل إسرائيل كعاصفة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، تحوّلت في الخطاب الإسرائيليّ إلى ما يشبه “تسونامي” ضرب مراكز صنع القرار
إحباط عميق؟
في هذا السياق، قال المحلّل العسكريّ والأمنيّ البارز يوسي يهوشع إنّ شعور الإحباط داخل الشارع الإسرائيليّ اليوم يفوق ما عاشته إسرائيل بعد حرب لبنان الثانية عام 2006، موضحاً أنّ الإحباط الحاليّ أعمق على الرغم من الأداء العسكريّ الذي وصفه بالاستثنائيّ لسلاح الجوّ والاستخبارات والجيش، لأنّ النتيجة النهائيّة على مستوى الردع جاءت، وفق تقديره، أسوأ بكثير.
إلى ذلك شنّ قادة المعارضة هجوماً مباشراً على نتنياهو، فوصف زعيم المعارضة يائير لابيد المشهد بأنّه يمثّل فشلاً غير مسبوق، معتبراً أنّ نتنياهو أصبح ضعيفاً ومبتزّاً، بينما رأى نفتالي بينيت أنّ الاتّفاق يشكّل “تحوّلاً خطِراً على أمن إسرائيل”، مؤكّداً أنّ الحكومة فشلت في ترجمة العمليّات العسكريّة إلى إنجازات أمنيّة مستدامة، وقادت البلاد إلى حروب استنزاف ومماطلة بدلاً من تحقيق الحسم.
بدوره، وصف غادي آيزنكوت الاتّفاق بأنّه نتيجة لإخفاق استراتيجيّ متواصل، معتبراً أنّ الحكومة عملت خلال السنوات الأخيرة من دون استراتيجية أو شجاعة سياسيّة، وأنّ الفجوة أصبحت واسعة بين وعود “الانتصار المطلق” والنتائج الفعليّة التي انتهت إليها الحرب، بينما رأى يائير غولان أنّ الاتّفاق فُرض “فوق رأس إسرائيل”، وأنّه بدّد الإنجازات العسكريّة التي تحقّقت خلال الحرب، محمّلاً نتنياهو مسؤوليّة تفكيك التحالفات السياسيّة وعزل إسرائيل عن مراكز التأثير.
أمّا أفيغدور ليبرمان فاعتبر أنّ إسرائيل انتقلت من “أكبر كارثة أمنيّة” إلى “أكبر كارثة سياسيّة واقتصاديّة”.
على المستوى الأمنيّ، نقلت وسائل إعلام إسرائيليّة عن مسؤولين في المستويَين السياسيّ والأمنيّ حالة غضب وارتباك واسعة، إذ نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مسؤول رفيع قوله إنّ نتائج الاتّفاق تثير تساؤلات عن جدوى الحرب من الأساس، مضيفاً: “لو كنّا نعلم أنّ الحرب ستنتهي بهذه الصورة سياسيّاً، فليس مؤكّداً أنّه كان من المجدي خوضها”.
في قراءة لتداعيات الاتّفاق إسرائيليّاً، قال المختصّ بالشأن الإسرائيليّ شادي الشرفا لـ”أساس” إنّ داخل إسرائيل حالة إجماع على رفض الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، الذي يُنظر إليه باعتباره الإطار الذي سيحدّد مستقبل الحرب على لبنان.
أوضح الشرفا أنّ التقدير السائد داخل إسرائيل يقوم على أنّ إنهاء الحرب على لبنان لم يعُد مرتبطاً بالمسارات التفاوضيّة التقليديّة التي تقودها الحكومة اللبنانيّة، وإنّما بما يتمّ التوصّل إليه بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أنّ هذا الموقف لا يقتصر على جهة سياسيّة بعينها، وتحديداً المعارضة الإسرائيليّة التي ترفض الاتّفاق من جهة، وتعتبره دليلاً على فشل نتنياهو في تحقيق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل منذ بداية الحرب من جهة أخرى، بل يعكس تقديرات المؤسّستين العسكريّة والسياسيّة.
أضاف أنّ المعارضة ترى أنّ الاتّفاق لا يلبّي الحدّ الأدنى من المطالب الإسرائيليّة، لكنّها في الوقت ذاته توظّفه سياسيّاً ضدّ نتنياهو استعداداً للاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة، مشيراً إلى أنّ المعارضة تتّهم نتنياهو بتبنّي استراتيجية واحدة خلال المرحلة الماضية تقوم على الاعتماد الكامل على الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والولايات المتّحدة، ونتيجة لذلك فُرض وقف لإطلاق النار دون تحقيق الأهداف الإسرائيليّة المعلنة.
المحلّل العسكريّ والأمنيّ البارز يوسي يهوشع: شعور الخسارة داخل الشارع الإسرائيليّ اليوم يفوق ما عاشته إسرائيل بعد حرب لبنان الثانية عام 2006
في ما يتّصل بالتوصيف الإسرائيليّ لما جرى، قال الشرفا إنّ التعبير الأكثر حضوراً داخل الخطاب الإسرائيليّ اليوم هو “الكارثة الاستراتيجيّة”، باعتبار أنّ الاتّفاق يعكس قناعة بأنّ الحرب لم تحقّق أهدافها الأساسيّة، وأنّ النتائج جاءت بعكس ما كانت تأمله إسرائيل.
أشار الشرفا إلى أنّ هذا التقويم يستند إلى مجموعة من التطوّرات، من بينها الحديث عن الإفراج عن أموال إيرانيّة، تخفيف الضغوط الاقتصاديّة، وفتح المجال أمام تعزيز موقع إيران الإقليميّ، موضحاً أنّ الحرب التي انطلقت بهدف إضعاف النظام الإيرانيّ انتهت إلى نتيجة معاكسة جعلت النظام يظهر بصورة أكثر قوّة، مؤكّداً أنّ “التقويمات الإسرائيليّة ترى أنّ ما حدث منح إيران قدرة أكبر على فرض حضورها الإقليميّ، ورسّخ صورة قدرتها على مواجهة الولايات المتّحدة، وهو ما يفسّر تصاعد استخدام توصيف “الكارثة الاستراتيجيّة”.”
آثار سلبيّة على نتنياهو؟
من جانبه، قال المختصّ بالشأن الإسرائيليّ د. عادل شديد لـ”أساس” إنّ داخل إسرائيل حالة إجماع على عدّ الاتّفاق “سيّئاً” من منظور المصالح الإسرائيليّة، إلّا أنّ الخلاف الداخليّ يتمحور حول الجهة التي تتحمّل مسؤوليّة الوصول إلى هذه النتيجة.
أوضح شديد أنّ المعارضة تحمّل نتنياهو المسؤوليّة السياسيّة عن مخرجات الاتّفاق، بينما يحمّل نتنياهو ومعسكره الإدارة الأميركيّة والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مسؤوليّة ما جرى، معتبراً أنّ أسباب الرفض الإسرائيليّ للاتّفاق تعود إلى عدّة ملفّات تعتبرها إسرائيل جوهريّة، أبرزها قبول واشنطن بربط الملفّ اللبنانيّ بالتفاهم مع إيران، وعدم إدراج مسألة سلاح “الحزب” ضمن التفاهمات، إضافة إلى الحديث عن انسحاب إسرائيليّ من لبنان وقبول دور إيرانيّ في الساحة اللبنانيّة، إضافة إلى الملفّ النوويّ واليورانيوم الذي لم يُستخرج والبرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ.
إقرأ أيضاً: إسرائيل… شعورٌ جماعيٌ بهزيمة
أشار إلى أنّ التقديرات الإسرائيليّة ما تزال تنتظر كيفيّة تطبيق الاتّفاق على الأرض، موضحاً أنّ الأسئلة الأساسيّة المطروحة حاليّاً تتمثّل في إمكان فرض الولايات المتّحدة قيوداً فعليّة على التحرّكات الإسرائيليّة وتمكّنها من إلزام إسرائيل بمسار الاتّفاق.
في ما يتعلّق بالانعكاسات السياسيّة الداخليّة، أكّد شديد أنّ توقيت الاتّفاق قد يحمل آثاراً مباشرة على المشهد الانتخابيّ الإسرائيليّ، موضحاً أنّ نتائجه ستؤثّر سلباً على نتنياهو وعلى الائتلاف الحاكم، مضيفاً أنّ استمرار هذا المسار دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل خلال الحرب قد يتحوّل إلى نقطة ضغط إضافيّة لنتنياهو في أيّ استحقاق انتخابيّ مقبل.
