أثار النظام الانتخابيّ الجديد للمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسيّة والقانونيّة، وسط انتقادات تتناول مسّه بصورة مباشرة طبيعة منظّمة التحرير وهويّتها السياسيّة ودورها التاريخي.
وقع الجدل بعد مصادقة الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس في 4 حزيران على النظام الانتخابيّ بعد إقراره من اللجنة التنفيذيّة، الذي بموجبه سيتمّ انتخاب أعضاء المجلس الوطنيّ عبر انتخابات عامّة ومباشرة “حيثما أمكن ذلك”، وبالاقتراع السرّيّ وفق نظام التمثيل النسبيّ الكامل، على أساس القوائم. حدّد النظام عدد أعضاء المجلس الوطنيّ بـ350 عضواً، بينهم 200 عضو يمثّلون دائرة الأراضي الفلسطينيّة و150 عضواً يمثّلون الفلسطينيّين في الخارج والشتات.
على الرغم من تقديم هذه الخطوة باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء المؤسّسات الفلسطينيّة، تأتي في سياق سياسيّ أوسع يتمثّل في استمرار تراجع دور منظّمة التحرير مقابل تعاظم نفوذ السلطة الفلسطينيّة خلال العقود الثلاثة الماضية. ويكرّس النظام الجديد هذا الواقع بصورة أكبر من خلال استمرار تداخل الصلاحيّات وتراجع دور منظّمة التحرير بصفتها المرجعيّة.
لا تكمن الأزمة الحقيقيّة في آليّة انتخاب المجلس الوطنيّ بحدّ ذاتها، بل في موقع المنظّمة داخل النظام السياسيّ الفلسطينيّ، فهي أُنشئت باعتبارها إطاراً تمثيليّاً للشعب الفلسطينيّ في الوطن والشتات، بينما كانت السلطة جهازاً إداريّاً مؤقّتاً ومحدود الصلاحيّات في الأراضي المحتلّة. وبالتالي أيّ إصلاح حقيقيّ يجب أن يبدأ باستعادة الدور المركزيّ للمنظّمة لا بإعادة إنتاج الخلل القائم بين المؤسّستين.
يعتبر حرب في حديث لـ”أساس” أنّ أحد أخطر الآثار المترتّبة على النظام الجديد يتمثّل في إلغاء الانتخابات الرئاسيّة المباشرة المنصوص عليها في القانون الفلسطينيّ
هويّة المنظّمة
أثارت الشروط الواردة في النظام جدلاً بشأن الهويّة السياسيّة لمنظّمة التحرير ومستقبلها، خاصّة الشرط الذي يُلزم القوائم الانتخابيّة بالاعتراف والتزام البرنامج السياسيّ لمنظّمة التحرير وقرارات الشرعيّة الدوليّة ذات الصلة، الأمر الذي يطرح إشكاليّة جوهريّة تتعلّق بطبيعة المجلس الوطنيّ، باعتباره المؤسّسة التي أُنشئت تاريخيّاً لمناقشة البرامج السياسيّة. من هنا يبرز التساؤل: كيف يمكن اشتراط الالتزام المسبق لبرنامج سياسيّ معيّن للدخول إلى مؤسّسة يفترض أنّها صاحبة الصلاحيّة الأصليّة في مراجعة هذا البرنامج أو تعديله؟
سيؤدّي هذا الاشتراط إلى تضييق دائرة المشاركة السياسيّة، ويضع سقفاً مسبقاً للنقاش داخل المؤسّسة التي يفترض أن تمثّل مختلف التيّارات والاتّجاهات، بما في ذلك القوى التي تعارض اتّفاق أوسلو أو ترى ضرورة إعادة تعريف المشروع الوطنيّ في ضوء التحوّلات التي شهدتها القضيّة الفلسطينيّة خلال العقود الأخيرة.
ماذا عن المقدسيّين؟
تبرز القدس كواحدة من أكثر القضايا حساسيّة في النقاش الدائر حول النظام الانتخابيّ الجديد، إذ لا تكتسب أيّ عمليّة انتخابيّة معناها السياسيّ الكامل ما لم تتضمّن مشاركة واضحة وفاعلة للمقدسيّين، ليس فقط من الناحية الإجرائيّة، بل باعتبار القدس جزءاً من جوهر الصراع السياسيّ مع الاحتلال الإسرائيليّ. وبالتالي تثار تساؤلات عن كيفيّة التعامل مع أيّ إجراءات إسرائيليّة قد تعيق العمليّة الانتخابيّة، خصوصاً في ضوء تجربة عام 2021 حين تمّ تأجيل الانتخابات الفلسطينيّة العامّة بسبب القدس.
أمّا ما يتعلّق بمسألة الانتخابات في الشتات، فتشير تقديرات عديدة إلى وجود صعوبات كبيرة قد تجعل من إجراء انتخابات فعليّة وشاملة للفلسطينيّين خارج الأراضي الفلسطينيّة أمراً بالغ التعقيد، خاصّة في ظلّ غياب إحصاء شامل ودقيق للفلسطينيّين في الخارج، وعدم وجود ترتيبات عمليّة معلنة حتّى الآن تشير إلى إمكانيّة تنظيمها، علاوة على التباين الكبير في الأنظمة القانونيّة والسياسيّة للدول المضيفة.
في مواجهة هذه الانتقادات، يؤكّد عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير أحمد مجدلاني لـ”أساس” أنّ التحضيرات للانتخابات تتقدّم بصورة جدّيّة، وأنّ حواراً متواصلاً يجري بين فصائل وقوى منظّمة التحرير بهدف التوصّل إلى صيغة توافقيّة بشأن الانتخابات وآليّات عقدها وضمان إجرائها واحترام نتائجها.
يوضح مجدلاني أنّ القيادة الفلسطينيّة تنظر إلى الانتخابات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتعزيز الشراكة السياسيّة، مؤكّداً حرصها على مشاركة مختلف القوى على أساس احترام منظّمة التحرير باعتبارها الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب الفلسطينيّ والتزام برنامجها الوطنيّ.
في ما يتعلّق بإجراء الانتخابات في الشتات، يقول مجدلاني إنّ هناك أكثر من صيغة مطروحة لضمان تمثيل الفلسطينيّين في الخارج، تشمل إجراء الانتخابات حيثما تسمح الظروف بذلك، أو اللجوء إلى صيغ بديلة مثل المجمّعات الانتخابيّة أو التوافقات السياسيّة، مؤكّداً في الوقت ذاته إصرار القيادة الفلسطينيّة على إجراء الانتخابات في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة والقدس الشرقيّة.
تبرز القدس كواحدة من أكثر القضايا حساسيّة في النقاش الدائر حول النظام الانتخابيّ الجديد، إذ لا تكتسب أيّ عمليّة انتخابيّة معناها السياسيّ الكامل ما لم تتضمّن مشاركة واضحة وفاعلة للمقدسيّين
تغييرات أعمق
في المقابل، يحذّر الباحث والمحلّل السياسيّ جهاد حرب من أنّ النظام الانتخابيّ الجديد لا يقتصر على إعادة تشكيل المجلس الوطنيّ، بل يتضمّن تغييرات أعمق في بنية النظام السياسيّ الفلسطينيّ نفسه.
يرى أنّ استحداث مجلس نوّاب لدولة فلسطين بديلاً عن المجلس التشريعيّ يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة ومنظّمة التحرير.
يعتبر حرب في حديث لـ”أساس” أنّ أحد أخطر الآثار المترتّبة على النظام الجديد يتمثّل في إلغاء الانتخابات الرئاسيّة المباشرة المنصوص عليها في القانون الفلسطينيّ، وتحويل آليّة اختيار رئيس فلسطين إلى الأطر المحدّدة في النظام الأساسيّ لمنظّمة التحرير، وهو ما يعني نقل حقّ اختيار الرئيس من المواطنين مباشرة إلى المؤسّسات المنبثقة عن المنظّمة.
إقرأ أيضاً: “قطار الحبرِ” بين واشنطن و”الحزب”: صفيّ الدّين إلى الواجهة
يرى حرب أنّ النظام يتيح العودة إلى آليّات تعيين أعضاء المجلس الوطنيّ في حال تعذّر إجراء الانتخابات، الأمر الذي قد، يحدّ من قدرة المواطنين على اختيار ممثّليهم بصورة مباشرة.
يؤكّد حرب أنّ إقرار النظام الانتخابيّ الجديد يتناقض مع الرسائل والالتزامات التي قدّمتها القيادة الفلسطينيّة للمجتمع الدوليّ بشأن الإصلاح السياسيّ، بما في ذلك التعهّدات الواردة في رسالة الرئيس عبّاس إلى الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ووليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان قبيل مؤتمر نيويورك الخاصّ بحلّ الدولتين.
يضيف أنّ هذا التناقض يطرح أسئلة جوهريّة عن طبيعة الإصلاح المطلوب فلسطينيّاً، وهل الهدف هو توسيع المشاركة الشعبيّة وتجديد الشرعيّات عبر الانتخابات المباشرة أم إعادة ترتيب المؤسّسات السياسيّة وفق توازنات جديدة داخل النظام السياسيّ القائم؟
