ثلاثاء واشنطن: ترتيبات أمنيّة تحت النّار؟

مدة القراءة 6 د

أعاد تأجيل المحادثات الأميركيّة-الإيرانيّة أمس في سويسرا خلط الأوراق دوليّاً وإقليميّاً، وقد يعرّض جولة التفاوض الخامسة في واشنطن بين وفدَي لبنان وإسرائيل لمزيد من الضغوط الإسرائيليّة القاسية المُدعّمة بوقائع عسكريّة ميدانيّة تحاول تل أبيب فرضها في جنوب لبنان لتجاوز نكستها بعد توقيع الرئيسين الأميركيّ دونالد ترامب والإيرانيّ مسعود بزشكيان، “عن بعد”، على مذكّرة تفاهم إسلام آباد.

 

ما وُصِف من قبل البيت الأبيض بـ”الظروف اللوجستيّة المُعقّدة”، التي أجّلت زيارة نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس لسويسرا لبدء المحادثات المتعلّقة بتنفيذ الاتّفاق المبرم بين واشنطن وطهران، ألقى بذيوله على محادثات واشنطن المرتقبة، سيّما أنّ المعطيات التي وصلت إلى بيروت، عبر وسطاء، أكّدت أنّ “عقدة لبنان” كانت من محفّزات التأجيل، بسبب تمادي إسرائيل منذ لحظة إعلان إنجاز الاتّفاق في رفع وتيرة اعتداءاتها العسكريّة، وحوّلت رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عشيّة محادثات سويسرا وواشنطن إلى “وحشٍ كاسر” متفلّت من كلّ الضوابط، وعلى رأسها “تعليمات” حليفه ترامب بالانضباط تحت سقف الاتّفاق عبر التزام وقف إطلاق النار الشامل.

يجلس الوفد المفاوض اللبنانيّ السياسيّ والعسكريّ قبالة الوفد الإسرائيليّ في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة وسط ألغام حقيقيّة تحيط بالمفاوضات برمّتها

ارتسمت معطيات بين سويسرا وواشنطن ستكون لها تأثيرات مباشرة على مصير المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة، بعدما سقط اتّفاق واشنطن-إيران في امتحانه الأوّل المرتبط بـ”جبهة لبنان”، وبعدما نجح نتنياهو في تعطيل المباحثات ولو مؤقّتاً، ووجّه نائب الرئيس الأميركيّ انتقادات قاسية لحكومة نتنياهو:

– إعلان رئيس الوزراء الإسرائيليّ عدم التزامه مندرجات التفاهم الأميركيّ-الإيرانيّ، والتمسّك بالمنطقة الأمنيّة التي كُشِف عن حدودها يوم الخميس بوصفها “حاجة عمليّاتيّة وتمتدّ 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة”، وتشمل قلعة الشقيف وتبنين (سبق أن انسحب منها في 4 حزيران) ومرتفعات عليّ الطاهر التي لم يتمكّن العدوّ الإسرائيليّ حتّى الآن من الوصول إليها.  وكان لافتاً تأكيد الجيش الإسرائيليّ خوضه “مواجهات صعبة ومعقّدة مع “الحزب” في جنوب لبنان، ومقتل أربعة جنود إسرائيليّين في الاشتباكات، بينهم ضابط من قوّات النخبة”، وذلك خلال الليلة التي سبقت إعلان تأجيل محادثات برغنستوك في سويسرا.

– الإعلان الليليّ الذي أطلقه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وأكّد فيه “التزام الحزب وقف إطلاق النار ما دامت إسرائيل ملتزمة بشكل كامل، تسهيلاً لنجاح المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة في سويسرا”، واتكاءً على تصريح الرئيس ترامب “عن وقف النار بين إسرائيل ولبنان والحزب”. بالتزامن كان النائب محمد رعد يدعو السلطة إلى “عدم الاستخفاف  بقدرة إيران على ردع العدوّ، في حال إصراره على الإخلال بالاتّفاق”، فاتحاً مرّة جديدة الباب أمام “تفاهم وطنيّ داخليّ”.

– فرض عقوبات أميركيّة على النائب السابق سليمان فرنجيّة على الرغم ممّا أعلنه الرئيس الأميركيّ شخصيّاً عن “ضرورة التحدّث مع الحزب”، وفي ذروة الاحتفاء باتّفاق إسلام آباد.

ألغام المفاوضات

تخوض الدولة “المرحّبة” بالاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، خصوصاً رئاسة الجمهوريّة، امتحاناً صعباً في واشنطن الثلاثاء المقبل، وعلى مدى ثلاثة أيّام، ربطاً بـ”اشتعال” جبهة لبنان، المشمولة باتّفاق إسلام آباد، والتي أدّت إلى استشهاد أكثر من 20 جنوبيّاً في ليلة واحدة وتسجيل دمار هائل وحركة نزوح كثيفة، إضافة إلى عدم قدرة الوسيط الأميركيّ حتّى الآن، وأيضاً الباكستانيّ والقطريّ، على تقديم ضمانات لالتزام تل أبيب بالاتّفاق.

ارتسمت معطيات بين سويسرا وواشنطن ستكون لها تأثيرات مباشرة على مصير المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة، بعدما سقط اتّفاق واشنطن-إيران في امتحانه الأوّل المرتبط بـ”جبهة لبنان”

حتّى إنّ أوساطاً سياسيّة سلّمت بأنّ “تأجيل المفاوضات من 22 إلى 23 حزيران رسالة إسرائيليّة مقصودة لا ترتبط بتأخّر وصول الوفد الإسرائيليّ إلى واشنطن، بل بالمخطّط الإسرائيليّ المرتبط بالأحداث الميدانيّة في جنوب لبنان”. يحدث ذلك في ظلّ توالي بيانات “الحزب” عن تصدّيه لمحاولات التسلّل إلى تلّة علي الطاهر، من أكثر من محور، واستهداف الإسرائيليّين في المواقع المحتلّة.

مع ذلك، تفيد معلومات بأنّ الوفد اللبنانيّ إلى واشنطن زُوّد بتوجيهات متكرّرة بجعل مطلب وقف إطلاق النار على رأس جدول الأعمال، مع ترك هامش تحرّك للوفد للحديث في الترتيبات الأمنيّة الموازية لوقف الحرب، وما يليها من مراحل ترتبط بخارطة الانسحاب التدريجيّ المتزامن بين إسرائيل و”الحزب”، وتكريس الاستقرار على الحدود، وذلك في وقت وُجِد داخل الدائرة اللصيقة بالرئيسين عون ونوّاف سلام من يؤكّد أنّ “اتّفاق إسلام آباد سقط في بنده اللبنانيّ، ومسار التفاوض المباشر اللبنانيّ-الإسرائيليّ هو المسار الإلزاميّ لوقف الحرب، وبدء الانسحاب”، مع التشديد على فرصة الاستفادة من “الشرخ الظاهر بين إسرائيل وواشنطن”.

في الساعات الماضية، دخلت على الخطّ الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن، التي لم يحدّد تاريخها بعد. لكن عادت مجدّداً التساؤلات عن “الشرط المطلوب من الرئيس عون لإتمام هذه الزيارة، إن لجهة إنجاز ترتيبات أمنيّة متّفق عليها مسبقاً بين الوفدين على طاولة المفاوضات، أو محاولة الرئيس الأميركيّ جَمْع عون ونتنياهو في البيت الأبيض وسبق لرئيس الجمهورية في حديثه إلى CNN أن استبعد حصول مثل هذا الاجتماع”.

 إقرأ أيضاً: مقترح لبنانيّ “ثلاثيّ” على طاولة واشنطن

لا انسحاب

هكذا يجلس الوفد المفاوض اللبنانيّ السياسيّ والعسكريّ قبالة الوفد الإسرائيليّ في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة وسط ألغام حقيقيّة تحيط بالمفاوضات برمّتها، سيما أنّ الإسرائيليّ يتحصّن بخارطة احتلاله التي تجاوزت جنوب نهر الليطاني إلى شماله، وتكثيف الغارات مجدّداً على البقاع، ودعوات إسرائيليّة متجدّدة لـ “فتح أبواب الجحيم على لبنان”، مع رفض إسرائيليّ مطلق لوقف النار والانسحاب، وفق كلّ السيناريوات التي يقدّمها الجانب اللبنانيّ، ما “لم يتمّ نزع سلاح “الحزب” نهائيّاً، وفي المرحلة الأولى انسحابه بشكل كامل، أسلحة وعناصر، من المنطقة المحتلّة إسرائيليّاً”. أضف إلى ذلك، السعي الإسرائيليّ الواضح إلى السيطرة عسكريّاً على كامل محيط كفرتبنيت، وصولاً إلى عليّ الطاهر، المشرفة على النبطيّة، وفي ظلّ تأكيدات نتنياهو أنّ “الانسحاب غير مطروح ما دامت هناك اعتبارات أمنيّة تبرّر وجود القوّات الإسرائيليّة”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

أنقرة تطمئن بيروت: الشرع لن يدخل لبنان

لم تكن زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لتركيا تفصيلاً عابراً في روزنامة العلاقات اللبنانيّة ـ التركيّة. فبعد غياب شبه كامل للتواصل منذ تشكيل الحكومة،…

صفقة ترامب أفضل من صفقة أوباما؟

فاجأت مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتّحدة ببنودها الملتبسة والعموميّة إسرائيل أقرب حليف لواشنطن، وأربكت الوسط السياسيّ والإعلاميّ الأميركيّ. لكنّ صفقة ترامب كانت نتاجاً طبيعيّاً…

من يقبض على مطار رفيق الحريري؟

من يدير مطار رفيق الحريري الدوليّ؟ وزارة الأشغال العامّة أو الهيئة العامّة للطيران المدنيّ؟ إبراهيم أبو عليوي المكلّف من قبل وزير الأشغال فايز رسامني برئاسة…

مسار سعودي- مصري- باكستاني- ايراني… يعالج شؤون المنطقة و”الحزب”

أين لبنان في اتفاق إسلام آباد؟ ما هي حدود المتفق عليها أميركياً وإيرانياً من الملف اللبناني؟ هل صحيح أنّ الأمر يتوقف عند خطّ وقف إطلاق…