ترامب في الثمانين: حين يصبح العمر قضيّة سياسيّة

مدة القراءة 8 د

مع بلوغ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الثمانين من عمره، في 14 حزيران 2026، تحوّل عيد ميلاده إلى مناسبة أثارت نقاشاً واسعاً في شأن صحّته وقدرته على مواصلة أداء مهامّ الرئاسة، وأعادت طرح الأسئلة المتعلّقة بالعمر والقيادة في الولايات المتّحدة.

 

فيما سعى ترامب إلى إظهار نفسه رئيساً يتمتّع بالطاقة والحيويّة والقدرة على العمل لساعات طويلة، تصاعد التدقيق الإعلاميّ والسياسيّ في حالته الصحيّة ونمط حياته اليوميّ مع دخوله عقده التاسع، فنشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً إخباريّاً لمراسلتها في البيت الأبيض كايتي روجرز ركّزت فيه على صحّة الرئيس ونشاطه اليوميّ وجدول أعماله مع بلوغه الثمانين، ونشرت نصّ حلقة نقاشيّة ضمن برنامج “The Opinions” أدارها الصحافيّ المخضرم روبرت سيغل، وشارك فيها الكاتب والمعلّق السياسيّ إي. جي. ديون جونيور، والكاتب المحافظ والمسؤول السابق في إدارات جمهوريّة عدّة، بيتر وينر، وتناولت دلالات بلوغ ترامب الثمانين والطريقة التي اختار بها الاحتفال بهذه المناسبة وما تعكسه من صورة سياسيّة وشخصيّة للرئيس.

اختار ترامب أن يحتفل بعيد ميلاده الثمانين بطريقة غير مألوفة، من خلال استضافة نزالات “بطولة القتال النهائيّ” المعروفة بـ UFC في البيت الأبيض، وهي سابقة تاريخيّة في كونها أوّل فعّاليّة رياضيّة للمحترفين يحتضنها مقرّ الرئيس، وتأتي في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الاحتفالات الرسميّة بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتّحدة، التي تبلغ ذروتها في العيد الوطنيّ في 4 تمّوز 2026.

بحسب مطّلعين على عاداته اليوميّة، ينام ترامب بين أربع وخمس ساعات فقط في الليلة. ويبدأ يومه عادة من مقرّ إقامته داخل البيت الأبيض، حيث يجري اتّصالات هاتفيّة

إشارة ثقافيّة؟

رأى ديون أنّ هذه الخطوة تعكس جانباً أساسيّاً من شخصيّة ترامب السياسيّة، إذ لا يكتفي بالاحتفال بعيد ميلاده، بل يسعى إلى دمج المناسبة الشخصيّة مع مناسبة وطنيّة كبرى. واعتبر أنّ الرئيس يحاول تقديم نفسه وكأنّه جزء من الاحتفال الوطنيّ نفسه، أو كأنّ الاحتفالين أصبحا متداخلين. وأشار إلى الصراع الذي دار حول الجهة التي ستتولّى الإشراف على احتفالات الذكرى الـ250. وأوضح أنّ جهوداً كانت قائمة لإدارة المناسبة بطريقة تحظى بتوافق الحزبين، لكنّ ترامب تدخّل وأعاد تشكيل المشروع بما يتوافق مع رؤيته الخاصّة، بحيث باتت المناسبة أكثر ارتباطاً بشخصه وقاعدته السياسيّة.

أمّا بيتر وينر فاعتبر أنّ اختيار ترامب لبطولة القتال النهائيّ UFC ليس أمراً عشوائيّاً، “فالمسألة تتجاوز الاهتمام الشخصيّ إلى ما وصفه بـ”الإشارة الثقافيّة”، فهذه الرياضة تجسّد كثيراً من السمات التي يعتبرها جزءاً من أسلوب ترامب السياسيّ، مثل التركيز على الهيمنة والقوّة والمواجهة، وهي قيم يسعى ترامب إلى مخاطبة مؤيّديه من خلالها، ولذلك يرى أنّ إقامة هذا الحدث داخل البيت الأبيض تجعل من هذا النموذج الثقافيّ جزءاً من المشهد الرسميّ للرئاسة.

من جانبها، ركّزت مراسلة البيت الأبيض في تقريرها على الحياة اليوميّة للرئيس بوصفها جزءاً أساسيّاً من الصورة التي يسعى إلى تقديمها عن نفسه. وبحسب التقرير، يبقى ترامب مستيقظاً حتّى ساعات متأخّرة من الليل يُجري اتّصالات هاتفيّة مع محامين ومشرّعين ومستشارين، وينشر أحياناً ما يصل إلى 150 منشوراً في الليلة الواحدة على منصّة “تروث سوشيل”.

بحسب مطّلعين على عاداته اليوميّة، ينام ترامب بين أربع وخمس ساعات فقط في الليلة. ويبدأ يومه عادة من مقرّ إقامته داخل البيت الأبيض، حيث يجري اتّصالات هاتفيّة. وبين التاسعة والحادية عشرة صباحاً يصل إلى مكتبه، لتبدأ سلسلة طويلة من الاجتماعات والمكالمات واللقاءات الرسميّة وغير الرسميّة، ويتحوّل المكتب البيضاوي إلى مركز دائم للحركة والزيارات والاتّصالات، فيبدو وكأنّه مشهد مصوّر بتقنيّة التسارع الزمنيّ، فيما يتحرّك الناس من حوله بسرعة بينما يبقى جالساً في مركز الصورة. وكثيراً ما تمتدّ اجتماعاته إلى ما بعد مواعيدها المقرّرة أو تتداخل مع اجتماعات أخرى.

يكشف التقرير أنّ ترامب يولي اهتماماً بتفاصيل متنوّعة لا تقتصر على الملفّات السياسيّة والدبلوماسيّة. إلى جانب متابعته قضايا الحرب في الشرق الأوسط والمفاوضات الدوليّة، يقضي وقتاً في مناقشة مشاريع البناء والترميم داخل البيت الأبيض، بما في ذلك مشروع قاعة الاحتفالات الجديدة ومشروعات أخرى مرتبطة بالمجمّع الرئاسيّ، ويتابع بعض التفاصيل المتعلّقة بالحدائق والمنشآت المحيطة بالبيت الأبيض.

مع بلوغه الثمانين من العمر، يبدو ترامب مصمّماً على إظهار صورة الرجل الذي لا تنفد طاقته. وهو، ككلّ رئيس، لا يكشف إلّا ما يرغب في كشفه للرأي العامّ

على الرغم من هذا النشاط، أصبح عمر ترامب موضوعاً دائماً للنقاش العامّ. فقد أشار التقرير إلى أنّ استطلاعاً للرأي أجرته “رويترز/إبسوس” في شباط أظهر أنّ ما يقرب من ستّة من كلّ عشرة أميركيّين يعتقدون أنّ ترامب أصبح أكثر اضطراباً في سلوكه مقارنة بالماضي. أثارت بعض مشاهده العلنيّة تكهّنات متكرّرة بشأن حالته الصحّية، مثل ظهوره غافياً في مباراة لفريق نيويورك نيكس، بالإضافة إلى حادثة أخرى أغلق فيها عينيه لبضع ثوانٍ خلال اجتماع رسميّ في المكتب البيضاويّ. ردّ البيت الأبيض على هذه التكهّنات بالتأكيد أنّ الرئيس لم يكن نائماً في تلك المناسبات، وأنّ ما بدا للبعض علامات تعب أو نعاس لم يكن سوى لحظات استماع أو تركيز. وأوضح مسؤولون أنّ الكدمات والضمادات التي تظهر أحياناً على يديه تعود إلى كثرة المصافحات التي يقوم بها خلال لقاءاته العامّة. وبحسب قول المتحدّثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت لمراسلة الصحيفة: “يتمتّع ترامب بصحّة ممتازة، وتؤكّد التقارير الطبّية الرسميّة قدرته الكاملة على أداء مهامّ الرئاسة. نشاطه اليوميّ وجدول أعماله المزدحم واستعداده المستمرّ للإجابة عن أسئلة الصحافيّين تمثّل كلّها أدلّة على حيويّته وقدرته على مواصلة العمل”.

ضغوط استثنائيّة

تناول التقرير نتائج الفحص الطبّيّ الأخير الذي خضع له ترامب في مركز والتر ريد العسكريّ. فقد أعلن طبيبه شون باربابيلا أنّ ترامب يتمتّع بصحّة ممتازة وبوظائف قويّة للقلب والرئتين والجهاز العصبيّ. لكنّ بعض أطباء القلب الذين استشارتهم الصحيفة أبدوا تحفّظات بشأن بعض الجوانب الواردة فيه، وخصوصاً ما يتعلّق باستخدام الذكاء الاصطناعيّ لتقدير ما وُصف بـ”العمر القلبيّ” للرئيس. رأى بعضهم أنّ التقرير لم يقدّم جميع التفاصيل التي تسمح بتقويم شامل للحالة الصحّيّة. في المقابل، أكّد عدد من المقرّبين من ترامب أنّهم لم يلاحظوا تراجعاً واضحاً في قدراته الذهنيّة أو حضوره الشخصيّ. وأشار بعضهم إلى أنّه بدا أكثر إرهاقاً في مناسبات محدودة، لكنّهم ربطوا ذلك بعاداته الليليّة وساعات نومه القليلة أكثر ممّا ربطوه بأيّ تراجع في قدراته. واعتبروا أنّ استمراره في استقبال أسئلة الصحافيّين بشكل متكرّر ومتابعته اليوميّة للملفّات السياسيّة يمثّلان دليلاً على أنّه لم يفقد حيويّته أو قدرته على العمل.

إقرأ أيضاً: المعهد الملكي البريطانيّ: الحرب توسّع دور تركيا

يقارن التقرير بين تعامل البيت الأبيض مع مسألة التقدّم في العمر خلال رئاسة جو بايدن وبين نهج ترامب الحاليّ، فبينما سعى مساعدو بايدن إلى إخفاء مؤشّرات تراجع حالته البدنيّة، لا يتجنّب ترامب الكاميرات وهي تلتقط لحظات انحنائه أو تورّم كاحليه أو الضمادات على يده. يواصل الصعود إلى الطائرة الرئاسيّة عبر السلّم المرتفع بحذر، ويستمرّ في الظهور أمام وسائل الإعلام والإجابة عن الأسئلة.

مع بلوغه الثمانين من العمر، يبدو ترامب مصمّماً على إظهار صورة الرجل الذي لا تنفد طاقته. وهو، ككلّ رئيس، لا يكشف إلّا ما يرغب في كشفه للرأي العامّ. والرؤساء الأميركيّون غير ملزمين قانونيّاً بالكشف عن أدقّ تفاصيلهم الصحّيّة. ويُعدّ ترامب جزءاً من جيل من السياسيّين الأميركيّين الذين استمرّوا في مواقع السلطة على الرغم من تزايد قلق الأميركيّين من شيخوخة القادة. وإذا أكمل ولايته الحاليّة حتّى نهايتها، فسيكون أكبر رئيس أميركيّ سنّاً يتولّى المنصب. ويقول رام إيمانويل، الذي يفكّر في الترشّح للرئاسة عام 2028، إنّ شخصاً في الثمانين من عمره لا يمتلك عادة القدرة البدنيّة أو الذهنيّة اللازمة لتحمّل أعباء الرئاسة، مشيراً إلى أنّ هذا المنصب يفرض ضغوطاً استثنائيّة “تسرّع شيخوخة الإنسان بطريقة لا يشبهها أيّ ضغط آخر في الحياة”.

 

 لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

المعهد الملكي البريطانيّ: الحرب توسّع دور تركيا

يرى غالب دالاي، الباحث في برامج الشرق الأوسط وشماليّ إفريقيا وأوروبا وآسيا وروسيا ومدير مبادرة تركيا في المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس)، أنّ الحرب…

إمبراطورية ماسك: أول تريليونير في التاريخ؟

عندما بدأت أسهم شركة SpaceX التداول في الأسواق المالية بتقييم بلغ نحو 1.77 تريليون دولار، لم يكن الحدث مجرد أكبر طرح عام أولي في تاريخ…

بوتين في حربه الأصعب: 26 مليار دولار لهزيمة الزّمن؟

لطالما حرص الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على تقديم نفسه بوصفه تجسيداً للقوّة والحيويّة الروسيّة. منذ سنوات، ارتبطت صورته العامّة بمشاهد الصيد في سيبيريا، وركوب الخيل،…

الحرب غيّرت إيران: من الثّورة إلى الدّولة القوميّة؟

يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت…