المعهد الملكي البريطانيّ: الحرب توسّع دور تركيا

مدة القراءة 7 د

يرى غالب دالاي، الباحث في برامج الشرق الأوسط وشماليّ إفريقيا وأوروبا وآسيا وروسيا ومدير مبادرة تركيا في المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس)، أنّ الحرب الإيرانيّة لا تعيد رسم التوازنات السياسيّة والأمنيّة في الشرق الأوسط فحسب، بل وتؤدّي إلى إعادة تعريف أدوار القوى الإقليميّة الرئيسة، وأولاها تركيا التي يُرجّح اتّساع دورها الإقليميّ خلال السنوات المقبلة، بغضّ النظر عن إمكانية التوصّل إلى اتّفاق سلام في المدى القريب.

 

يؤكّد دالاي أنّ أسوأ سيناريو بالنسبة لتركيا كان ولا يزال يتمثّل في نجاح إسرائيل في التسبّب بانهيار الدولة الإيرانيّة، فمثل هذا التطوّر، في رأيه، لن يقتصر تأثيره على إيران وحدها، بل سيمتدّ إلى دول الجوار لسنوات طويلة. إذ سيؤدّي إلى إطلاق موجة من الصراعات بالوكالة، تفاقم أزمة اللاجئين، وتسريع تفتيت الدول، علاوة على إبراز البعد الكرديّ للحرب بصورة أكبر، وهو ما كان سيمنح إسرائيل، بدعم أميركيّ، قدرة أكبر على مواصلة جهودها الرامية إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها ومصالحها الخاصّة. إلّا أنّ صمود إيران خلال الحرب حال دون تحقّق هذه المخاوف التركيّة، ومنع حتّى الآن انزلاق المنطقة نحو هذا المسار الذي تعتبره أنقرة الأخطر على أمنها ومصالحها الإقليميّة.

يعتقد دالاي أنّ تركيا تواجه هاجسين مترابطين يوجّهان مقاربتها للتطوّرات الناجمة عن الحرب الإيرانيّة:

1- عودة الحرب أو انزلاق المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهات العسكريّة، لما قد يترتّب على ذلك من تداعيات أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة واسعة النطاق تمسّ تركيا بصورة مباشرة.

2- قلق أنقرة من المحاولات الإيرانيّة لإعادة صياغة قواعد التوازن في الخليج بما يمنح طهران نفوذاً أكبر على البيئة الأمنيّة والاقتصاديّة لدول المنطقة. إذ إنّ قواعد العبور الجديدة التي فرضتها إيران في مضيق هرمز قد تمنحها نفوذاً واسعاً على أمن المنطقة.

يستبعد أن يقتصر هذا التعاون على شراء الأسلحة التركيّة أو أنظمة الطائرات المسيّرة، بل يرجّح أن يشمل اتّفاقات للإنتاج المشترك

على الرغم من هذه المخاوف، يرى دالاي أنّ الحرب تتيح لأنقرة فرصاً مهمّة لتوسيع دورها الإقليميّ، سواء في مجال الصناعات الدفاعيّة والشراكات الأمنيّة، أو في مجال الربط الإقليميّ وإعادة تصميم طرق التجارة، أو عبر الانخراط في تحالفات وتجمّعات إقليميّة جديدة. ويعتبر أنّ العلاقات المتنامية بين أنقرة ودول الخليج، واحتمالات إعادة توجيه طرق التجارة الإقليميّة والدوليّة، وتشكُّل أطر جديدة للتعاون الإقليميّ، كلّها عوامل قد تمنح تركيا موقعاً أكثر تأثيراً في مرحلة ما بعد الحرب.

الصّناعات الدّفاعيّة والشّراكات الأمنيّة

وفقاً لدالاي، أعادت الحرب قضيّة الأمن إلى صدارة النقاشات السياسيّة والاستراتيجيّة في الخليج والمنطقة الأوسع. فبالرغم من عدم وجود بديل حقيقي حتى الآن للمظلة الأمنية الأميركية، التي لم توفر المستوى الذي كانت دول الخليج تتطلع إليه من الأمن والاستقرار.

يتوقّع دالاي أن تسعى دول الخليج تدريجاً إلى تنويع شراكاتها الأمنيّة وتعاونها في مجال الصناعات الدفاعيّة، من باب التحوّط الاستراتيجيّ ضدّ الاعتماد المفرط على الولايات المتّحدة. غير أنّها ستتحرّك بحذر في هذا الاتّجاه، وستتجنّب إقامة شراكات واسعة مع خصوم واشنطن. ويعتبر أنّ تركيا في موقع يؤهّلها للاستفادة من هذه التوجّهات، فهي تمتلك صناعة دفاعيّة متنامية ومتطوّرة، وتحتفظ بعلاقات جيّدة مع الولايات المتّحدة والرئيس دونالد ترامب. ويرى أنّ الفرصة متاحة أمام أنقرة لتعزيز تعاونها الأمنيّ والدفاعيّ مع دول الخليج خلال المرحلة المقبلة.

يستبعد أن يقتصر هذا التعاون على شراء الأسلحة التركيّة أو أنظمة الطائرات المسيّرة، بل يرجّح أن يشمل اتّفاقات للإنتاج المشترك، استثمارات مشتركة، نقل التكنولوجيا، وتبادل المعرفة والخبرات الفنّيّة، بما يعزّز العلاقات الاستراتيجيّة بين الجانبين على المدى الطويل.

تركيا في موقع يؤهّلها للاستفادة من هذه التوجّهات، فهي تمتلك صناعة دفاعيّة متنامية ومتطوّرة، وتحتفظ بعلاقات جيّدة مع الولايات المتّحدة والرئيس دونالد ترامب

طرق التّجارة والرّبط الإقليميّ

يعتقد دالاي أنّ أزمة مضيق هرمز تجعل تركيا في موقع يؤهّلها للاستفادة من المشاريع الهادفة إلى إعادة توجيه التجارة وإعادة تصميم سلاسل التوريد العالميّة، وأبرزها مبادرة الحزام والطريق الصينيّة، والممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي تراجعت فرص نجاحه في أعقاب حرب غزّة والحرب الإيرانيّة، إضافة إلى مشروع خطّ أنابيب شرق المتوسّط الذي توقّف العمل به. ويعتبر أنّ تركيا تؤدّي بالفعل دوراً محوريّاً في مشروعين استراتيجيَّين هما مشروع طريق التنمية العراقيّ والممرّ الأوسط. إذ لا تقتصر أهميّة هذه المشاريع على إعادة توجيه التجارة وسلاسل الإمداد، بل تمتدّ إلى إعادة تعريف الجغرافيا السياسيّة للمناطق التي تمرّ بها.

من هذا المنطلق، يرى أنّ على تركيا وشركائها البحث عن وسائل إضافيّة لتعزيز فرص نجاح مشاريع الربط التي تدعمها أنقرة، فعلى سبيل المثال يمكن لانضمام سوريا إلى مشروع طريق التنمية العراقيّ أن يوفّر مساراً أقصر نحو البحر الأبيض المتوسّط،ّ وإشراك أرمينيا في مشروع الممرّ الأوسط من شأنه أن يدعم التطبيع الجاري بين تركيا وأذربيجان وأرمينيا.

يعتقد دالاي أنّ مرحلة ما بعد الحرب الإيرانيّة ستشهد حواراً أوسع بين تركيا ودول المنطقة بشأن الممرّات التجاريّة وشبكات النقل. ويضرب مثالاً على ذلك مشروع سكّة حديد الحجاز، الذي يُنظر إليه بوصفه ممرّاً برّيّاً محتملاً يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا وسوريا والأردن والمملكة العربيّة السعوديّة، والذي بدأ بالفعل يجذب اهتماماً متزايداً.

تحالفات إقليميّة جديدة

يرى دالاي أنّ الحرب الإيرانيّة تساهم أيضاً في نشوء تكتّلات وتحالفات إقليميّة جديدة أو تسريع تشكُّلها. ويعتبر أنّ الإطار الذي يضمّ تركيا وباكستان والمملكة السعوديّة ومصر مثال على هذا الاتّجاه، وإن كان أقرب إلى منصّة للتنسيق منه إلى تحالف رسميّ متكامل. لكنّه يعتقد أنّ أنقرة ستفضّل إبقاء هذا الإطار مفتوحاً أمام انضمام دول أخرى، وذلك لتجنّب ظهور تكتّلات مضادّة قد تؤدّي إلى زيادة حدّة المنافسة والتشرذم الإقليميّ.

يعتقد دالاي أنّ تركيا تواجه هاجسين مترابطين يوجّهان مقاربتها للتطوّرات الناجمة عن الحرب الإيرانيّة

يرجّح دالاي أن تكون لتحسين العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجيّ آثار إيجابيّة على مجالات أخرى، مثل مفاوضات التجارة الحرّة الجارية بين دول المجلس وتركيا. ويشير إلى سعي أنقرة، من خلال التعديلات الأخيرة التي أجرتها على قوانينها ولوائحها الضريبيّة، إلى استقطاب جزء من رؤوس الأموال التي تغادر منطقة الخليج.

يخلص دالاي إلى أنّ الحرب الإيرانيّة بدأت بالفعل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، سواء تمّ التوصّل إلى اتّفاق سلام خلال الأسابيع المقبلة أم لا، فالتغييرات التي أطلقتها الحرب تمتدّ إلى الأمن الإقليميّ، التحالفات السياسيّة، طرق التجارة، ومشاريع الربط الاستراتيجيّ، وهو ما يجعل تركيا، مع تنامي قدراتها الدفاعيّة، وتعزيز علاقاتها مع دول الخليج، وتزايد أهمّيتها في مشاريع الربط والتجارة الإقليميّة، في موقع يؤهّلها للعب دور أكثر تأثيراً في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانيّة.

مواضيع ذات صلة

إمبراطورية ماسك: أول تريليونير في التاريخ؟

عندما بدأت أسهم شركة SpaceX التداول في الأسواق المالية بتقييم بلغ نحو 1.77 تريليون دولار، لم يكن الحدث مجرد أكبر طرح عام أولي في تاريخ…

بوتين في حربه الأصعب: 26 مليار دولار لهزيمة الزّمن؟

لطالما حرص الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على تقديم نفسه بوصفه تجسيداً للقوّة والحيويّة الروسيّة. منذ سنوات، ارتبطت صورته العامّة بمشاهد الصيد في سيبيريا، وركوب الخيل،…

الحرب غيّرت إيران: من الثّورة إلى الدّولة القوميّة؟

يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت…

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…