هل يراهن لبنان مجدّداً على نتائج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ لإنهاء الحرب، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض؟ وهل تملك تل أبيب أساساً استعداداً لربط عمليّاتها بنتائج هذا المسار؟ وأمام تقدّم الخطّة الإسرائيليّة من عليّ الطاهر إلى ” بركة الجبور”، التي كان يتهم الإسرائيلي الحزب باستعمالها كمهبط للطائرات المسيرة، هل يقف “الحزب” أمام لحظة حاسمة تفرض عليه الاختيار بين انتظار الخارج أو الدخول في مسار تسوية لبنانيّة مستقلّة؟
منذ إعلان التفاهم الأميركيّ – الإيرانيّ الأخير، انقسمت القراءات بين روايتين متناقضتين. الأولى يتبنّاها جزء من اليمين الأميركيّ والإسرائيليّ، وتعتبر أنّ واشنطن قدّمت تنازلات لطهران ومنحتها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليميّة، بما فيها ورقة “الحزب”. والثانية يتبنّاها جزء من جمهور محور المقاومة، ويرى في ما جرى انتصاراً سياسيّاً لإيران ومحورها واعترافاً أميركيّاً بفشل سياسة الضغوط.
لكنّ مصادر دبلوماسيّة متابعة لهذا المسار تقول لـ”أساس” إنّ الروايتين تبتعدان عن الواقع. فما حصل ليس اتّفاقاً نهائيّاً، بل إطار تفاوضيّ يفتح الباب أمام ستّين يوماً من المفاوضات بين واشنطن وطهران. والأهمّ أنّ لبنان ليس جزءاً مباشراً من هذا التفاهم، ولا يبدو أنّ مصير الحزب فيه موضوع على طاولة إسلام آباد وبين كلام الرئيس الأميركي عن ضرورة معالجة الملف اللبناني، وبين كلام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو عن حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، أقصى ما قد حصل عليه لبنان من هذا الاتفاق، هو اتفاق مبدئي لوقف النار، يرافقه عبارات فضفاضة تستخدمها إسرائيل عند الضرورة.
بحسب معلومات أمنيّة ودبلوماسيّة متقاطعة، تنفّذ إسرائيل خطّة تدريجيّة تتجاوز جنوب الليطاني باتّجاه مناطق شماله وصولاً إلى نهر الأوّلي
لا عودة إلى الوراء؟
هذا التفصيل أساسيّ لأنّه يبدّد رهاناً يتكرّر في كلّ محطّة إقليميّة: انتظار التسوية الكبرى لإنتاج حلّ لبنانيّ تلقائيّ. فبحسب المصادر نفسها، لا توجد مؤشّرات إلى أنّ إدارة دونالد ترامب تملك أو تريد فرض تسوية “لا تحفظ أمن إسرائيل” في الملفّ اللبنانيّ، ولا إلى أنّ بنيامين نتنياهو مستعدّ لربط حربه في لبنان بنتائج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ.
بل على العكس، تكشف المواقف الإسرائيليّة المتتالية أنّ تل أبيب تعتبر نفسها خارج هذا المسار بالكامل، بحيث جاء كلام وزير الأمن القوميّ إيتامار بن غفير ليعكس هذه المقاربة بوضوح، حين أعلن أنّ أيّ تفاهم أميركيّ لا يُلزم إسرائيل، وأنّ الحرب لن تنتهي قبل إزالة التهديد الذي يمثّله سلاح “الحزب” على حدود الشمال.
قد يختلف الإسرائيليّون في السياسة الداخليّة، لكنّهم يلتقون عند نقطة أساسيّة: لا عودة إلى واقع ما قبل الحرب. وهذا تحديداً ما يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في عمليّاتها تحت عنوان “أمن الشمال”، وهو عنوان لا تستطيع واشنطن معارضته سياسيّاً، حتّى لو اختلفت مع نتنياهو في ملفّات أخرى.
لذلك الخلاصة الدبلوماسيّة لهذه المقاربات هي أنّ مسار نهاية الحرب في لبنان لا يمرّ عبر إسلام آباد، بل عبر مسار مختلف تماماً عنوانه التفاوض الإسرائيليّ – اللبنانيّ، المباشر أو غير المباشر، برعاية أميركيّة، ولكن بمشاركة أساسيّة من “الحزب” وقراره تحت العباءة الإيرانيّة.
شمال اللّيطاني: إسرائيل تتقدّم؟
في الميدان، لا توحي الوقائع بأنّ إسرائيل تقترب من وقف عمليّاتها. فبحسب معلومات أمنيّة ودبلوماسيّة متقاطعة، تنفّذ إسرائيل خطّة تدريجيّة تتجاوز جنوب الليطاني باتّجاه مناطق شماله وصولاً إلى نهر الأوّلي.
انطلاقاً من هنا، تعدّد مصادر أمنيّة لبنانيّة معطيات ميدانيّة تتحدّث عن استمرار إسرائيل بتنفيذ خطّتها:
- التركيز العسكريّ الحالي على منطقة علي الطاهر، وسعي إسرائيل إلى الوصول إلى المنشآت الموجودة هناك وآخر الاشتباكات حصلت منذ ساعات بعد إعلان وقف النار، في إطلاق الحزب صواريخ باتجاه آليات اسرائيلية حاولت التقدم إلى تلة علي الطاهر.
- الانتقال المتدرّج نحو محور جزّين – جبل الريحان، وتحديداً منطقة الجبور التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة كهدف ميدانيّ أساسيّ.
- التنبيهات الأخيرة إلى إخلاء عدد كبير من القرى في قضاءي صيدا وجزّين.
- العمليّات في البقاع التي تهدف إلى وصل الجنوب بالبقاع ضمن مخطّط إسرائيل لحصار “الحزب”.
أمام هذه المعطيات، تبدو الخيارات اللبنانيّة أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى. فالرهان على أن تنتج مفاوضات الستّين يوماً حلّاً للحرب في لبنان يعني عمليّاً إبقاء الجنوب والبقاع والبلاد كلّها رهينة انتظار نتائج مسار لا يخصّها مباشرة. ويفترض مسبقاً أنّ إسرائيل ستجمّد خططها العسكريّة ريثما تنتهي المفاوضات، وهو افتراض لا تدعمه الوقائع الحاليّة.
تقول مصادر دبلوماسيّة إنّه ليس المطلوب الآن انتظار ما ستؤول إليه مفاوضات الستّين يوماً، بل اتّخاذ قرار لبنانيّ حول مستقبل السلاح ودور الدولة وشكل الاستقرار المطلوب
في المقابل، ثمّة فرصة مختلفة. تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّ الباب لا يزال مفتوحاً أمام مقاربة لبنانيّة مستقلّة لملفّ الحرب والسلاح، وإنّ هذه المقاربة لا تعني بالضرورة خروج “الحزب” من العباءة الإيرانيّة أو انتقاله إلى موقع سياسيّ جديد. بل قد تكون، في جوهرها، خياراً إيرانيّاً أيضاً للحفاظ على ما بقي من “الحزب” وبيئته ودوره السياسيّ داخل لبنان.
من هنا يصبح النقاش الحقيقيّ مختلفاً عمّا تروّجه بروباغندا الانتصارات والهزائم. فالمسألة ليست مَن ربح جولة التفاوض بين واشنطن وطهران، بل هل يستفيد لبنان من النافذة المفتوحة حاليّاً للانتقال إلى تسوية تخصّه هو، قبل أن تفرض إسرائيل وقائع جديدة على الأرض؟
تجارب سابقة خاسرة
خلال السنوات الثلاث الماضية، واجه “الحزب” أكثر من محطّة مماثلة. بعد اندلاع حرب غزّة، طُرحت فكرة فصل المسارات والذهاب إلى ترتيبات أمنيّة مستقلّة، فكان خيار الإسناد. وبعد اتّفاق 2024 عاد النقاش في مستقبل السلاح ودور الدولة، من دون أن يصل إلى نتيجة واضحة. ثمّ جاءت مرحلة ربط الساحة اللبنانيّة بمسار التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ على أمل أن ينعكس ذلك حماية للبنان أو تحسيناً لشروط التفاوض.
لكنّ الوقائع الحاليّة تشير إلى أنّ إسرائيل لم تغيّر أهدافها، وأنّ الحرب مستمرّة بصرف النظر عمّا يجري بين واشنطن وطهران.
لهذا تبدو اللحظة الحاليّة مختلفة. تقول مصادر دبلوماسيّة إنّه ليس المطلوب الآن انتظار ما ستؤول إليه مفاوضات الستّين يوماً، بل اتّخاذ قرار لبنانيّ حول مستقبل السلاح ودور الدولة وشكل الاستقرار المطلوب.
إقرأ أيضاً: لبنان في اتّفاق إسلام آباد… على الورق فقط؟
الخيار اليوم أمام “الحزب” واضح: إمّا إبقاء لبنان رهينة مسار تفاوضيّ خارجيّ قد ينجح أو يفشل بعد شهرين، بما يحمله من تداعيات خطِرة جدّاً على الواقع اللبنانيّ بأكمله، وإمّا فصل المسارين والذهاب إلى تفاوض على السلاح وترتيبات الأمن والاستقرار من موقع الشريك في صناعة الحلّ لا من موقع المنتظر لنتائج الآخرين.
إذا كانت المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة قد فتحت باباً ما، فإنّ أهمّ ما فتحته ليس باب الانتصارات أو الهزائم المتخيّلة، بل باب فرصة سياسيّة حقيقيّة أمام لبنان قبل أن تصبح كلفة أيّ تسوية أعلى بكثير ممّا هي عليه اليوم.
لمتابعة الكاتب على X:
