يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت إلى نتيجة معاكسة تمثّلت في ظهور “إيران جديدة” أكثر تماسكاً وثقة وقدرة على التكيّف. بدلاً من انهيار النظام، أنتجت الحرب تحوّلاً عميقاً في بنية القيادة والدولة والمجتمع، ورسّخت مكانة إيران الإقليميّة وأعادت صياغة رؤيتها لدورها في الشرق الأوسط والعالم.
في مقال مشترك في مجلّة “فورين أفيرز”، يعتبر الباحثان والي نصر، وهو أستاذ الشؤون الدوليّة بجامعة جونز هوبكنز، ونرجس باجوغلي، وهي عالمة أنثروبولوجيا وأستاذة مشاركة في دراسات الشرق الأوسط بالجامعة نفسها، أنّ النتيجة الأهمّ للحرب لم تكن الصمود العسكريّ وحسب، بل التحوّل الذي أصاب طبيعة النظام نفسه. بدلاً من كسر شوكة إيران، حوّلتها الحرب بطرق غير متوقّعة. لكي تتمكّن الجمهوريّة الإسلاميّة من البقاء وتحقيق مزايا استراتيجيّة جديدة، كان عليها أن تتكيّف وتبتكر، وأن تغيّر أساليبها في خوض الحرب، إدارة الدولة، وتدبير شؤون المجتمع. كان عليها أن تفعل ذلك بسرعة غير مسبوقة.
طهران الآن واثقة ممّا حقّقته وعازمة على ترسيخ تلك المكاسب في الداخل والخارج. لقد أدّت الحرب إلى ظهور إيران جديدة، سؤثّر على مسار الجغرافيا السياسيّة لسنوات مقبلة.
يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت إلى نتيجة معاكسة
جيل جديد مختلف
من يقود إيران اليوم هم أبناء الطبقة الإداريّة الجديدة في القوى السياسيّة والمسلّحة الإيرانيّة، الجيل الثالث من الثورة الذين لا يعرفون شيئاً سوى إيران ما بعد الثورة. لم يتشكّل وعي هؤلاء السياسيّ خلال الثورة الإسلاميّة عام 1979 أو خلال الصراع مع نظام الشاه، بل نشأوا داخل مؤسّسات الجمهوريّة الإسلاميّة نفسها، ويرون أنفسهم مديرين لدولة أكثر من كونهم حرّاساً لمشروع ثوريّ. يشغل هؤلاء الآن مناصب رئيسة في صنع القرار، ونظرتهم القوميّة للحكم والأمن تعيد تعريف الجمهوريّة الإسلاميّة. لقد تبنّوا، إلى جانب مؤسّساتهم الأمنيّة التابعة، ثقافة تكنوقراطيّة منظّمة ورؤية استراتيجيّة تتمحور حول الدفاع الوطنيّ، لا الأيديولوجية الثوريّة. يحكمون بثقة قادة يعتقدون أنّهم دافعوا بنجاح حتى الآن عن إيران في حربَين ضدّ قوى متفوّقة عسكريّاً، محقّقين ما وعدت به الثورة فقط: إضعافاً حقيقيّاً للنفوذ الأميركيّ في الشرق الأوسط.
تمرّس في المعارك
في المجال العسكريّ، أُنشئ مجلس دفاع أعلى لتسريع التكيّف، وأُعيد تنظيم مراكز القوّة ضمن هيكل أكثر تماسكاً. تحوّلت القوّات المسلّحة إلى شبكة عمليّات مرنة تشبه تنظيمات حرب العصابات أكثر من الجيوش التقليديّة، بحيث تستطيع مواصلة العمل حتّى في حال فقدان كبار القادة. طبّقت إيران دروس حرب 2025 بدقّة. بدلاً من تركيز قدراتها الصاروخيّة في مواقع محدّدة، عمدت إلى توزيع منصّات الإطلاق على نطاق واسع، وإشراك فرق هندسيّة في إصلاح المنشآت المتضرّرة بسرعة. استخدمت أسراب الطائرات المسيّرة الرخيصة لاستنزاف الدفاعات الجوّيّة الأميركيّة والإسرائيليّة وفتح المجال أمام الصواريخ الدقيقة لضرب أهداف استراتيجيّة. خلصت القيادة الإيرانيّة إلى أنّ النجاح لا يتحقّق فقط بتحمّل الضربات، بل أيضاً بإفشال أهداف الخصم وإطالة أمد الحرب. مكّنت هذه الإجراءات إيران من مواصلة القتال لفترة أطول ممّا توقّعه خصومها.
من يقود إيران اليوم هم أبناء الطبقة الإداريّة الجديدة في القوى السياسيّة والمسلّحة الإيرانيّة، الجيل الثالث من الثورة الذين لا يعرفون شيئاً سوى إيران ما بعد الثورة
السّياسة فوق الأيديولوجية
يرى الكاتبان أنّ أحد أهمّ الدروس التي استخلصتها إيران من الحرب يتمثّل في إعطاء الأولويّة لفنّ إدارة الدولة والمصالح الاستراتيجيّة على الشعارات الأيديولوجيّة. بدلاً من محاولة منافسة الولايات المتّحدة وإسرائيل في مجالات التفوّق التكنولوجيّ، ركّزت إيران على استهداف البنية التحتيّة للمعلومات والإنذار المبكر والرادارات، بهدف إرباك اتّخاذ القرار لدى الخصوم. أثبتت تجربة مضيق هرمز أنّ إيران ليست بحاجة إلى قوّة بحريّة تقليديّة كي تفرض سيطرتها على الممرّات البحريّة. لقد اعتمدت على عقيدتها القائمة على الحرب غير المتكافئة واستغلال نقاط ضعف الخصوم، فتحوّل المضيق من ممرّ دوليّ مضمون أميركيّاً إلى ورقة نفوذ إيرانيّة.
من النتائج المهمّة أيضاً، بحسب الكاتبين، تعميق الشراكة مع الصين. لم تعد القيادة الإيرانيّة الجديدة تؤمن بإمكانيّة التطبيع مع الولايات المتّحدة، وترى في بكّين الشريك الأكثر موثوقيّة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصاديّ.
استخلصت القيادة درساً أساسيّاً على الصعيد الاقتصاديّ مفاده أنّ التدهور الاقتصاديّ يمثّل الخطر الأكبر على استقرار النظام. لذلك سارعت بعد وقف إطلاق النار إلى إطلاق إصلاحات اقتصاديّة ومشاريع لإعادة بناء البنية التحتيّة، في محاولة لإرساء شرعيّة جديدة تقوم على الكفاءة والإنجاز بدلاً من الشعارات الأيديولوجيّة.
تحوُّل قوميّ: هل أنت إيرانيّ بما فيه الكفاية؟
قبل الحرب، كانت إيران تعاني انقساماً داخليّاً عميقاً بعد الاحتجاجات الواسعة في كانون الثاني 2026. كان كثيرون يتوقّعون أن تؤدّي الحرب إلى زيادة السخط الشعبيّ، لكنّ الحرب، بحسب الكاتبين، غيّرت المشهد السياسيّ بصورة ملحوظة. غيّرت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. أثار القصف الواسع والتهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة ردّ فعل قوميّاً تجاوز الانقسامات السياسيّة. لم تختفِ مشاعر الغضب تجاه النظام، لكنّ الأولويّة أصبحت الدفاع عن البلاد في مواجهة تهديد خارجيّ. بدلاً من اندلاع احتجاجات ضدّ الدولة، شهدت البلاد مسيرات داعمة للمجهود الحربيّ ومبادرات شعبيّة لحماية البنية التحتيّة. بدأت قطاعات من المجتمع تنظر إلى القوّات المسلّحة باعتبارها مدافعاً عن البلاد لا أداة قمع فقط. بحسب ما قال الفيلسوف والمعارض الإيرانيّ محمّد مهدي أردبيلي: “في هذه اللحظة، الجمهورية الإسلاميّة وإيران كيان واحد. إذا سقطت الجمهورية الإسلاميّة، سقطت إيران”. وفقاً لأستاذ جامعيّ إيراني: “دخلت البلاد حرباً وطنيّة، وإنّ هويّة جديدة آخذة في التشكّل”.
يعتبر الكاتبان أنّ الحرب كانت لحظة تأسيسيّة لجمهوريّة إسلاميّة مختلفة عن تلك التي نشأت عام 1979
أوجد هذا التحوّل ما يسمّيه الباحثان “عقداً اجتماعيّاً جديداً”. في المراحل السابقة استندت شرعيّة النظام إلى الثورة الإسلاميّة أو إعادة توزيع الثروة أو وعود النموّ الاقتصاديّ ورفع العقوبات. أمّا ما يُعرض الآن فهو صفقة قوميّة تكنوقراطيّة تستند فيها شرعيّة الدولة إلى قدرتها المثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها. الشروط قوميّة وليست إسلاميّة. تنتج وسائل الإعلام الحكوميّة محتوى يضفي طابعاً طبيعيّاً على صور النساء المحجّبات وغير المحجّبات جنباً إلى جنب، ويصوّر الهويّة الإيرانيّة على أنّها ثقافيّة وليست دينيّة بحتة، ويستهدف شرائح المجتمع التي رفضت الجمهوريّة الإسلاميّة رفضاً قاطعاً كالشباب والطبقة الوسطى الحضريّة.
يؤكّد الباحثان أنّ “هذا ليس تحريراً، بل إنّ النظام يواصل قمع المعارضة السياسيّة بشدّة. لكنّ الدولة تقرّ الآن بحاجتها إلى قاعدة اجتماعيّة أوسع بكثير ممّا يمكن أن توفّره الأيديولوجية الإسلاميّة وحدها. باتت الجمهوريّة الإسلاميّة، على نحو متزايد، تبدو أقلّ شبهاً بالثيوقراطيّة وأكثر شبهاً بدولة قوميّة يمينيّة استبداديّة. لا تزال الأيديولوجية الإسلاميّة قائمة، لكنّها تخضع لضرورة التماسك الوطنيّ. لم يعد معيار الولاء السياسيّ هو: “هل أنت مسلم بما فيه الكفاية؟”، بل: “هل أنت إيرانيّ بما فيه الكفاية؟”. تدرك القيادة أنّ هذه لحظة فريدة وربّما عابرة. المجتمع نفسه الذي حمى محطّات الطاقة سيعود إلى مظالمه عند انحسار الخطر المباشر.
عقيدة الجبهات المتعدّدة
بالنسبة للباحثَين نصر وباجوغلي، عزّزت الحرب قناعة طهران بأهميّة “عقيدة الجبهات المتعدّدة”، أي مواجهة الخصوم عبر عدّة ساحات في الوقت نفسه لمنعهم من عزل حلفائها واستهدافهم فرادى. لا يعني التحوّل القوميّ تخلّي إيران عن حلفائها الإقليميّين. ستستمرّ العلاقات مع “الحزب” في لبنان، والميليشيات الشيعيّة في العراق، والحوثيّين في اليمن، لكنّها ستدار وفق منطق أكثر براغماتيّة وأقلّ أيديولوجيّة. استخلصت طهران درساً مهمّاً من حرب غزّة يتمثّل في خطورة السماح لإسرائيل بمواجهة أطراف “محور المقاومة” كلّ على حدة. لذلك سارعت خلال حرب 2026 إلى تفعيل “الحزب” والفصائل العراقيّة في الوقت نفسه، بما أدّى إلى توسيع نطاق المواجهة إقليميّاً. تعتبر طهران “محور المقاومة” جزءاً من منظومة الدفاع الوطنيّ الإيرانيّ، لا مشروعاً أيديولوجيّاً عابراً للحدود.
إقرأ أيضاً: جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة
جمهوريّة إسلاميّة جديدة
يعتبر الكاتبان أنّ الحرب كانت لحظة تأسيسيّة لجمهوريّة إسلاميّة مختلفة عن تلك التي نشأت عام 1979. لم تعد السلطة بيد الجيل المؤسّس، بل انتقلت إلى أجيال جديدة تتبنّى رؤية قوميّة وتكنوقراطيّة للدولة. أصبحت الأولويّة لفنّ الحكم وإدارة القوّة الوطنيّة أكثر من التزام العقيدة الثوريّة التقليديّة. في رأيهما أنّ “الجمهوريّة التي ولدت من رحم الحروب الأميركيّة الإسرائيليّة لا تُعرَّف بالأيديولوجية بقدر ما تُعرَّف بالقوميّة، ولا بالثورة بقدر ما تُعرَّف بفنّ الحكم، ولا بالكاريزما الدينيّة بقدر ما تُعرَّف بثقة الطبقة العسكريّة الجديدة وروحها التكنوقراطيّة. بالمقارنة، تُشبه الدول القوميّة التي قادها الجيش في القرن العشرين، مثل تركيا في عهد الكماليّين المتأخّرين ومصر في عهد جمال عبدالناصر، حيث استمرّت الأيديولوجية لكنّها خضعت للمصلحة الوطنيّة ومتطلّبات سلطة الدولة”.
لكنّ هذا التحوّل عن العقائد الجامدة نحو فنّ الحكم البراغماتيّ لا يجعل الجمهوريّة الإسلاميّة أكثر اعتدالاً، كما يحذّر الباحثان، فغالباً ما تكون الدول الأمنيّة القوميّة وحشيّة ضدّ شعوبها ومزعزعة للاستقرار في النظام الدوليّ. ستبقى الجمهوريّة الإسلاميّة الناشئة دولة استبداديّة جدّاً، وستتحدّد أولويّات الجمهوريّة الإسلاميّة الجديدة، وكيفيّة سعيها إلى تحقيقها، من خلال التجارب المحدّدة لحربَيها مع إسرائيل والولايات المتّحدة: الخسائر التي تكبّدتها إيران، الثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعيّ الجديد الذي فرضته الحرب وجعلته ممكناً.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
