في المهلة الفاصلة عن توقيع الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ في سويسرا يوم الجمعة، وموعد جولة المفاوضات المباشرة اللبنانيّة-الإسرائيليّة في واشنطن في 22 الجاري، تزاحمت التساؤلات، من المراجع الرئاسيّة ونزولاً، عن حدود تأثّر لبنان بـ “رياح” الاتّفاق، سيما أنّه حتى لحظة صدور بيانات الترحيب اللبنانيّة من جانب الرؤساء الثلاثة بمذكّرة التفاهم، لم يكن النصّ الرسميّ والنهائيّ لها قد وصل إلى بيروت. ومع ذلك، بقيت حاضرةً الهواجس الرسميّة من “مزيد من الاستثمار الإيرانيّ في ورقة لبنان والحزب”.
في الأيّام الفاصلة عن هذا التحوّل الكبير في المشهدين الإقليميّ والدوليّ، والمفترض أن يجد ترجماته الدقيقة في ما يخصّ الملفّات العالقة ضمن مهلة الـ 60 يوماً، شَهد الداخل اللبنانيّ حراكاً فوق الطاولة وتحتها، وبكلّ الاتجاهات، كانت البصمات السعوديّة والقطريّة من صلبه، بغية تهيئة المناخات لتلقّف تداعيات الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، والإعداد لحاضنة لبنانيّة “مُنسجمة” تواكب جولات التفاوض المستمرّة بين لبنان وإسرائيل، سيما في جولتها الخامسة المرتقبة التي تمتدّ لثلاثة أيّام بمشاركة عسكريّة لبنانيّة أيضاً.
تفيد معلومات مؤكّدة بأنّ الرئيس الأميركيّ ترامب سبق أن سأل السفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى معوّض “عن الجهة التي يمكن فتح حوار معها داخل الحزب”، فردّت “لا أعرف
في هذا السياق يمكن الإشارة إلى معطيَين أساسيَّين:
– إعادة تمتين العلاقة بين بعبدا وعين التينة، خصوصاً بعد الاجتماع الذي ضمّ قبل أيّام، وفق معلومات “أساس”، مستشار رئيس الجمهوريّة ديديه رحّال وأحمد البعلبكي في مكتب النائب علي حسن خليل في منطقة الجناح وقد تكرٌر هذا اللقاء يوم أمس. تأتي هذه اللقاءات ضمن سلسلة اتصالات ولقاءات بين الجانبين أزاحت غيمة سوداء ظلّلت العلاقة لأشهر، سيّما في محطّتها المفصليّة حين أصدر الرئيس نبيه برّي بياناً ردّ فيه بشكل مباشر على رئيس الجمهوريّة، في نيسان الماضي، بعدما أكّد الأخير أنّ “كلّ خطوة اتّخذتها، في ما يخصّ المفاوضات مع إسرائيل، كنت على تنسيق وتشاور فيها مع رئيسَي مجلس النوّاب والحكومة”، وأنّ بيان وزارة الخارجيّة الأميركيّة عن حرّية الحركة لإسرائيل “هو النصّ نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، ووافقت عليه جميع الأطراف”.
تقول مصادر قريبة من برّي في هذا السياق لـ “أساس”: “هذا النوع من التصريحات الرئاسيّة أثّر سلباً على العلاقة بين عون وعين التينة، وعلى مساعي رئيس مجلس النوّاب، وعرّض برّي لمساءلة ليست في محلّها، وهو ما دفعه يومها إلى القول إنّ كلام الرئيس عون غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك”.
– وفق معلومات “أساس” فُتحت في الأيّام الماضية قنوات تواصل جدّيّة جدّاً بين بعبدا و”الحزب”، وكادت مع كلّ الاحتقان أن تؤدّي إلى قيام النائب حسن فضل الله، المكلّف بملفّ العلاقة مع رئيس الجمهوريّة، بزيارة قصر بعبدا، التي يُشجّع عليها الرئيس برّي. وشكّل اتّصال وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بالرئيس عون، ضمن سلسلة اتّصالات بكلّ الدول المعنيّة بالاتّفاق، فتح كوّة في جدار العلاقات اللبنانيّة-الإيرانيّة. وقد كان هذا التواصل محطّ تباحث أمس بين رئيسَي الجمهوريّة والحكومة في قصر بعبدا، إضافة إلى تقويم مرحلة الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، وجدول أعمال مفاوضات 22 حزيران، و”الثبات على الموقف اللبنانيّ في شأن وقف النار والانسحاب الإسرائيليّ”.
ترامب: سنتحدّث مع “الحزب”
لم يكن أمراً عابراً أن يذكر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بُعيد إعلان إنجاز الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ضرورة “التحدّث إلى الحزب” للوصول إلى تسوية بشأن النزاع القائم الذي يجب أن ينتهي، و”أيضاً علينا أن نتحدّث مع إسرائيل في هذا الشأن”. ثمّ تقصّد لاحقاً في أحد تصريحاته إعلان إجرائه “اتّصالاً جيّداً جدّاً مع “الحزب” عبر ممثّلين رفيعي المستوى”، وذلك عشيّة جولة التفاوض في 2 و3 حزيران.
تفيد معلومات مؤكّدة بأنّ الرئيس الأميركيّ ترامب سبق أن سأل السفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى معوّض “عن الجهة التي يمكن فتح حوار معها داخل الحزب”، فردّت “لا أعرف. وعليّ أن أعود إلى رئيس الجمهوريّة”. لاحقاً، بدأت تصدر دعوات من زوّار التقوا الرئيس عون تدعو “الحزب إلى التفضّل إلى قصر بعبدا، والنقاش في كلّ المسائل”، إضافة إلى توجّه عون شخصيّاً إلى “الحزب” بقوله: “لا خيار أمامك سوى التفاوض”.
وفق المعطيات، وصل المدى “الإشعاعيّ” في كسر المحظور إلى السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني “غير المرغوب” فيه على الأراضي اللبنانيّة، فتمّ تجديد تأشيرة إقامته في لبنان، وتلقّى اتّصالات وعقد لقاءات تندرج، وفق مصدر مسؤول، ضمن سياق الانتقال الرسميّ اللبنانيّ من دائرة التوتّر مع طهران إلى إدارة التهدئة، مع التشديد على عنوان إبقاء التواصل “ضمن حدود احترام سيادة لبنان”.
حتى الآن لا تزال إسرائيل تفرض قواعدها الخاصّة الموازية للترتيبات الدوليّة الشاملة، إن من خلال محاولات التوغّل، أو من خلال التفجيرات في القرى والاستهداف بالمسيّرات
دخول سعوديّ-قطريّ
عُزّزت تهيئة الأرضيّة الداخليّة لتلقّف تداعيات اتّفاق واشنطن-طهران ومسار مفاوضات لبنان وإسرائيل بحراك سعوديّ خلال الزيارة الأخيرة للمبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان، بدت آثاره مباشرة وملموسة، وهو بمنزلة ربط وثيق مع مرحلة ما بعد انتهاء الحرب و”متطلّباتها”، خصوصاً لجهة حسم مصير السلاح وإعادة الإعمار، إضافة إلى تقوية “عود الترويكا” لتأمين حاضنة قويّة لكلّ التفاهمات المقبلة، والمفترض أن تتبلور أكثر في مهلة الـ 60 يوماً، بدءاً من يوم الجمعة.
كان لافتاً أيضاً إجراء رئيس الجمهوريّة للمرّة الأولى ربطاً مباشراً بين اتّفاق إسلام آباد و”خطوات عمليّة تضع حدّاً نهائيّاً لدوّامة العنف، وتؤسّس لمرحلة من الاستقرار والأمن والتعافي وإعادة الإعمار”، متوجّهاً بالشكر إلى جميع الدول التي “عملت على تضمين لبنان في الجهود الرامية إلى إنهاء التصعيد ووقف الأعمال العسكريّة على كلّ الجبهات”. فيما شدّد رئيس الحكومة نوّاف سلام على “مضاعفة الجهود من خلال مفاوضات واشنطن لتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ الكامل والإفراج عن أسرانا”.
يقول مصدر قريب من بعبدا إنّ “لبنان يريد الاستفادة من التمايز الذي تكبر فجوته بين واشنطن وتل أبيب، وفي ظلّ معطيات وصلت إلى بعبدا عن ضغط أميركيّ كبير على نتنياهو لفرض أجندة انسحاب سريعة على إسرائيل من جنوب لبنان، ووقف أعمالها القتاليّة كافّة، على أن تقدّم خريطة لهذا الانسحاب في مفاوضات 22 حزيران، في مقابل العمل داخليّاً لإقناع “الحزب” بأجندة هذا الانسحاب المتبادل”.
إقرأ أيضاً: “الحزب” بين خيارين: التّفاوض الخارجيّ أو التّسوية الدّاخليّة
عكس برّي جزءاً من التقدّم على هذا المسار حين أعلن القبول بمبدأ “الانسحاب الإسرائيليّ (المتزامن مع انسحاب “الحزب”) من الأقضية، وليس وفق معادلة المناطق التجريبيّة”، مؤكّداً أنّ “لبنان ذُكِر ثلاث مرّات في اتّفاق واشنطن وطهران”.
لكن حتى الآن لا تزال إسرائيل تفرض قواعدها الخاصّة الموازية للترتيبات الدوليّة الشاملة، إن من خلال محاولات التوغّل، خصوصاً في القطاعين الغربيّ والشرقيّ، والتلويح الدائم بورقة النبطيّة، وتصدّي “الحزب” لهذه الاعتداءات، أو من خلال التفجيرات في القرى والاستهداف بالمسيّرات، إضافة إلى منع أهالي الجنوب من العودة إلى بعض القرى، فيما أكّد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قرار إسرائيل “البقاء في المنطقة الأمنيّة العازلة”.
لمتابعة الكاتب على X:
