هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق الحريري. عمّه الرشيد الذي بعد أيام تمر الذكرى الـ39 لاغتياله، وهو الذي أوقف الماء في حلق الدولة العميقة، فاغتالوه في السماء، ونسوا أنّه كطائر الفينيق، كلّما ظنّوا أنّهم أسقطوه عاد أكثر حضوراً. أمّا جدّه عبدالحميد فكان عنواناً للوطنيّة والعروبة، حتّى سُمّيت الساحات باسمه، وصارت سيرته جزءاً من ذاكرة المدينة والناس.
فيصل كرامي ليس اسماً عابراً كي يُنال منه شخصيّاً أو عائليّاً. هو عنوان مدينة تتراكم فيها الألقاب وتتزاحم، وكأنّها تقول دوماً: هل من مزيد؟ مدينة قيل عنها إنّها مدينة العلم والعلماء، وأُطلق عليها اسم الفيحاء، فيما يحلو للكثيرين وصفها بقلعة الأخلاق والدين.
لا يعيب فيصل كرامي أن يتطاول عليه صغار القوم، فكُتب التاريخ والسِّيَر تخبرنا أنّ الحجارة لا تُرمى إلّا على الشجر المثمر. لكنّ المؤسف في هذا الزمن أن ينحدر البعض إلى هذا المستوى من الإسفاف، وأن تُختلق الأكاذيب والشائعات التي تطال الأخلاق، وكأنّ قدر الكبار دائماً أن يُستهدفوا، كما استُهدف الرسل والأنبياء وأمّهات المؤمنين، كسيّدتنا عائشة رضي الله عنها، حين تطاول عليها الأشرار بحادثة الإفك، حتّى جاء القرآن لينصفها ويخلّد براءتها ويلعن أصحاب الشائعات والافتراء.
لا يعيب فيصل كرامي أن يتطاول عليه صغار القوم، فكُتب التاريخ والسِّيَر تخبرنا أنّ الحجارة لا تُرمى إلّا على الشجر المثمر
ثابت على قمّة الجبل
فيصل كرامي، سواء أُعجب به البعض أو لم يعجب أو أغضبت مواقفه السياسيّة قلّة من الناس، يبقى ثابتاً على قمّة جبله، يراقب هذا ويبتسم لذاك، مدركاً أنّه يحمل إرثاً ثقيلاً اسمه إرث آل كرامي. ليس الاسم صدفة عابرة، والكرامة ليست لقباً يُمنح، بل تاريخ لا يحمله إلّا الرجال. هي عائلة من طينة العائلات السياسيّة التي تستطيع أن تنام سنوات طوالاً، وما إن تستيقظ تشعر أنّه لم يفُتها شيء من الأخبار. هو حمّال أثقال قومه إذا افتُضحوا، ومطرقٌ رأسه تواضعاً وخجلاً إذا امتُدح بين الناس.
أمّا الذين صنعوا الشائعة وروّجوها في المدن والبلاد، فلا شيء يمكن أن يخفيهم، فالرائحة السياسيّة والأخلاقيّة النتنة تفضح أصحابها مهما حاولوا التستّر بلباسهم، فلا عتمة تخفيهم، وهمسهم مفضوح في الأمصار.
أهل فيصل كرامي وناسه يعرفونه جيّداً. اختبروه في المحطّات الصعبة، ويقولون إنّه يزداد صلابةً كلّما اشتدّت التحدّيات والملمّات. يدركون أنّه سيدفع دائماً ثمن مواقفه وتمسّكه بعروبته وهويّة بلاده، ورفضه الارتهان للمشاريع الخارجيّة، ويدركون أنّ الطريق التي يسير فيها ملأى بالأشواك، لكنّهم يعرفون أيضاً أنّ هذا قدر كلّ رجل من آل كرامي عبر التاريخ.
إقرأ أيضاً: فيصل كرامي… والعراقة الوطنية
لا تنظر إليهم يا فيصل، فالذباب يُزاح بالإيماء. الناس تعرفك وأنت تعرف الناس، فما قيل من سوء الكلام بحقّك لا يرقى إلى فنّ الهجاء. دعهم يموتوا بغيظهم لأنّ ابن عمر عاد إلى الساحات عروبيّاً وطنيّاً يخافه الأعداء.
