37  عاماً.. ونحن ما نزال ننتظر “مفدينا” الشّهيد

مدة القراءة 4 د

أترانا لم ندفن “مفدينا” شهيدنا حتّى اليوم؟ أترانا لم نجرؤ على نعيه؟ لم نعد من جنازته؟ أتراه لم يُستشهد في ذاك الانفجار؟ أم رحلنا معه في ذاك الجنّاز المهيب كأنّنا سقطنا كلّنا في انفجار عائشة بكّار شهداء وجرحى، أو كأنّنا فاقدون للوعي، أو مكلومون بحزننا لا نهتدي إلى أيّ طريق؟

 

ما سرّ تلك العمامة التي ما نزال نسير خلف نعشها منذ 37 عاماً؟ ما هي القطبة المخفيّة التي خيطت بها عمامة “المفدي” كي نتوارثها جيلاً بعد جيل؟ كيف تتّسع لكلّ أحلامنا وآلامنا وهواجسنا وشكوانا من كلّ ظالم لئيم؟ بيروت لم تلملم حتّى اليوم جراحها في عائشة بكّار. لم تتجاوز ابتسامة حسن خالد وهو يغادر أجمل دار بعد يوم متعب طويل.

أتعبتنا يا حسن خالد، وأتعبت معنا الكثيرين. كان قاضياً قبل أن يكون مفتياً. لم يكن عالماً متخصّصاً بعلم التجويد أو الميراث أو الحديث، بل كان رجلاً قائداً بكلّ ما للكلمة من معنى، يحمل همّ الصغير منّا والكبير، مستعدّاً أن يفدي ناسه وأهله ودينه. من أجل كلّ ذلك، أطلق البيارتة عليه اسم “مفدينا” عن جدارة واستحقاق، من دون منّة من أحد، ومن دون رياء من أحد، ومن دون معارضة من أحد. هل يستحقّ مَن قبله ومَن بعده هذا الاسم المعبّر؟

لا نريد أن نصدّق

37 عاماً على جنازة حسن خالد ونحن لا نريد أن نصدّق أنّه وُوري الثرى، ولسنا بقادرين على أن نغادر الشارع. ما نزال نكبّر ونهلّل صبيحة كلّ عيد، ثمّ نجلس بعد الصلاة ننتظر خطبة العيد. ما يزال صوته خطيباً بالمصلّين في أرجاء الملعب البلديّ في الطريق الجديدة. من بعده لم نصلِّ صلاة جامعة، ولم نفترش الأرض، ولم نرتدِ الأبيض، ولم نلتحف السماء، ولم نتحدَّ الظالم والسارق وكلّ معتدٍ آثم.

كان حسن خالد سرّ الفداء، كما كان صديقه مار نصرالله بطرس صفير سرّ التحرير. كان الرجلان يدركان أنّ الوطن تبنيه الرجال

ليس لأنّ أيّامنا فارغة من الويلات والمصائب والاستهدافات والتهميش، بل لأنّ منابر تلك الساحات لا تهوى إلّا حسن خالد، ولا تأنس إلّا لصوته وكلامه. كم اشتقنا لتلك العباءة البيضاء التي تخبرنا أنّنا في عيد.

حسن خالد

ألا تذكرون مسجد الإمام عليّ عندما اعتلى “مفدينا” المنبر وصاح بالميليشيات والزعران قائلاً لهم: “إيّاكم ومدينتنا، فهي قبر لكلّ شرير”. صوته وعمامته ما يزالان عند باب أزهر عرمون. هاجر البيارتة إلى هناك قسراً ووفاءً وفقراً، وعند الشدائد تنادوا فيما بينهم، وقرّروا الهجرة إلى هناك قائلين: “هي أرض من رائحة مفدينا، وعطره يعبق في الهواء العليل”.

37 عاماً ونحن ننادي في كلّ نادٍ: أين عمامتك أيّها “المفدي” كي نحتمي بها، ونتلحّف بقماشها أيّام البرد، ونتغزّل بأحمر طربوشها في فصل الربيع؟ نناديك وأنت تنظر إلينا مبتسماً من بعيد… بعيد.

مقصد الجميع

سُئل مفتي البقاع والسهل الجميل، عالم التفسير والحديث، الراحل الكبير الشيخ خليل الميس، عن صديقه، فأجاب والدمع كاد ينفجر من عينيه، كيف لا وهو يدرك حجم الفقدان الكبير: “إذا قدم السياسيّون العرب وغير العرب إلى لبنان كانوا يبدؤون من دار الفتوى. ذاك هو حسن خالد الذي أراد أن تكون الدار داراً لجميع المواطنين، لجميع اللبنانيّين، داراً في سبيل صيانة الوطن ليبقى لبنان لنا جميعاً آمناً مستقرّاً”.

37 عاماً على جنازة حسن خالد ونحن لا نريد أن نصدّق أنّه وُوري الثرى، ولسنا بقادرين على أن نغادر الشارع

لم يكن حسن خالد مفتياً للجمهوريّة وحسب، فقبله حمل كثيرون هذا اللقب وبعده سيحمله كثيرون، لكنّ حسن خالد كان “مفدينا” بعدما استُعيض عن التاء بالدال. لقد افتدى كلّ اللبنانيّين، مسلمين ومسيحيّين. كان “نزقاً” ككلّ أهل بيروت، لكن بالحقّ ومن أجل الحقّ. هكذا فعل عندما غادر ذاك الفندق الدمشقيّ معترضاً على قلّة أدب حافظ الأسد رافضاً الانتظار، وقال لصحبه: “قفوا، سنغادر الآن إلى بيروت، فهي ملجؤنا الأوّل والأخير”.

كان حسن خالد سرّ الفداء، كما كان صديقه مار نصرالله بطرس صفير سرّ التحرير. كان الرجلان يدركان أنّ الوطن تبنيه الرجال.

إقرأ أيضاً: المفتي الشيخ حسن خالد (2/2): الشخصية والرسالة والخير العام

37 عاماً ونحن نمرّ بعائشة بكّار، بدار الفتوى، دار الوطن، فنطرق على الباب الخشبيّ الكبير، آملين أن يكون ما حصل كابوساً، وأن يفتح لنا الباب “مفدينا” الجميل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

قاسم الخوجة… من دير الزور إلى سجادة “كان” الحمراء

من دير الزور إلى المثلّث الذهبي فالسجادة الحمراء في مهرجان “كان”، هناك قصة كفاح قاسم الخوجة، وهي ليست قصةً فرديةً بل تختزل حكايات السوريين في…

هذا هو قاتل الرّشيد

تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت. تسعة وثلاثون…

هذا فيصل بن عمر

هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق…

عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”

لم تكُن الرّصاصة الأخيرة ليل الجمعة مُجرّد تصفية حسابٍ مع مطلوبٍ غابَ طويلاً في الظّلّ، بل كانت هَدماً للجدار الأخير في مُجمّع قيادة الرّعيل الأوّل….