التباينات داخل واشنطن لا تفيد طهران

مدة القراءة 6 د

لا تتعامل واشنطن مع الملفّ الإيرانيّ بوصفه ساحة صراع داخليّ مفتوح، بقدر ما تديره ضمن إطار مؤسّسيّ يحدّ من أثر التباينات ويمنع تحوّلها إلى عامل كسر في بنية القرار الاستراتيجيّ.

 

يُنظر إلى الملفّ الإيرانيّ في أميركا كحالة تُدار ضمن معادلة تضبط التباين الداخليّ وتحدّ من تداعياته، أكثر من كونه مساراً يقود بالضرورة إلى مواجهة سياسيّة – دستوريّة واسعة. وعلى الرغم من تزايد الاختلافات داخل المؤسّسات الأميركيّة في مقاربة هذا الملفّ، لا يبدو أنّ هذا الانقسام سيفضي إلى تحوّل جذريّ في اتّجاه السياسة الخارجيّة أو في طبيعة قراراتها حيال طهران.

لا تُصاغ السياسة الأميركيّة تجاه إيران، والحال هذه، بوصفها انعكاساً مباشراً لضغوط داخليّة، بل نتاج تفاعل بين بنية مؤسّسيّة معقّدة وحسابات استراتيجيّة أوسع تتّصل بإدارة التوازنات الدوليّة.

شبكة توازنات

من هنا لا يشير الخلاف السياسيّ الظاهر بين الرئاسة الأميركيّة والكونغرس إلى تفكّك في صناعة القرار، بقدر ما يعكس نمطاً مستقرّاً في إدارة الاختلاف داخل النظام نفسه. يُعاد ضبط التباينات وتوزيع أدوار المؤسّسات من دون أن تتحوّل إلى حالة تعطيل أو انفجار مؤسّسيّ.

تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحكم قراءة هذا الملفّ:

– كيف يمكن تحديد حدود الانقسام داخل الولايات المتّحدة في مقاربة ملفّ مثل إيران؟ هل يعكس هذا الانقسام اختلافاً في الرؤية الاستراتيجيّة أم تبايناً في إدارة إيقاع القرار؟

– إلى أيّ مدى يمكن للكونغرس تحويل أدواته الرقابيّة إلى تأثير فعليّ في مسار السياسة الخارجيّة أم يبقى دوره محصوراً ضمن حدود الضغط السياسيّ غير الملزم؟

لا يتحكّم في السلوك الأميركيّ “مضمون الانقسام” بقدر ما يتحكّم فيه “إيقاع القرار” داخل النظام نفسه

– إلى أيّ حدّ تبقى السياسة الأميركيّة تجاه إيران محكومة باعتبارات النظام الدوليّ الأوسع، في ظلّ تنافس يهدف إلى دفع واشنطن باتّجاه مراجعة أولويّاتها؟

التحرّك ضمن شبكة توازنات

تتحرّك واشنطن في الملفّ الإيرانيّ ضمن شبكة توازنات أوسع من البيئة الداخليّة، منفتحة على السياق الدوليّ، بحيث تصبح السياسة الخارجيّة نتاج تفاعل مستمرّ بين الاعتبارات الداخليّة والقيود الاستراتيجيّة الخارجيّة لا انعكاساً مباشراً لأيّ منهما.

من هنا لا يتعلّق الإشكال بوجود الانقسام بحدّ ذاته، بل بحدود تأثيره على القرار حين يُدار داخل منظومة مؤسّسيّة تمنع تحوّله إلى عامل كسر أو تغيير جذريّ في الاتّجاه الاستراتيجيّ.

ضمن هذا السياق، تحتفظ السلطة التنفيذيّة بهامش أوسع في إدارة السياسة الخارجيّة، مدعومة بقدرتها على التحرّك السريع في لحظات التصعيد أو إعادة التموضع، فيما تبقى الأدوات التشريعيّة والرقابيّة محكومة بسقوف تحدّ من تحوّلها إلى أدوات تعطيل مباشر، في ظلّ كونغرس لا يتحرّك ككتلة سياسيّة موحّدة في قضايا الأمن القوميّ، بل يعمل داخل انقسام حزبيّ يضعه في موقع التأثير السياسيّ أكثر من موقع الحسم التنفيذيّ.

واشنطن

 

يعكس هذا التوازن نمطاً متكرّراً في التجربة الأميركيّة، حيث لا يؤدّي ارتفاع حدّة الانقسام الداخليّ في الملفّات الحسّاسة إلى تغيير جذريّ في الاتّجاه الاستراتيجيّ، بل إلى إعادة توزيع لأدوار المؤسّسات داخل القرار نفسه.

غير أنّ هذا النمط يكتسب في الملفّ الإيرانيّ درجة أعلى من التعقيد، بفعل تداخل الأبعاد العسكريّة مع تلك الاقتصاديّة والدبلوماسيّة، فيصبح القرار الأميركيّ عمليّة تراكميّة مستمرّة، لا لحظة سياسيّة منفصلة قابلة للحسم أو الانعطاف.

لا يُفهم الانقسام داخل النظام السياسيّ الأميركيّ بوصفه خللاً في صناعة القرار، بل كجزء من آليّة إدارته، حيث يُعاد احتواء الاختلاف ضمن بنية مؤسّسيّة تحافظ على استمراريّة الاتّجاه العامّ للسياسة الخارجيّة.

توفّر التباينات داخل واشنطن هامشاً للحركة التكتيكيّة الإيرانيّة، لكنّها لن تمنح طهران فرصة رسم معالم اتّجاه جديد في السياسة الأميركيّة تجاهها

ضمن هذا الإدراك، تتعامل إيران مع تباينات الحالة الأميركيّة باعتبارها لحظات سياسيّة قابلة للاستثمار. تريد أن تراهن على توظيف الإيقاع الداخليّ في واشنطن لتحسين شروطها التفاوضيّة، من دون أن تضع في الحسبان قدرة الثقل الأميركيّ، مع انقسامه، على توحيد سياساته في التعامل معها.

يبقى السلوك الإيرانيّ هنا، مع فعّاليّته التكتيكيّة، محدود الأثر، إذ يرتبط بإيقاع السياسة الداخليّة في واشنطن أكثر من ارتباطه ببنيتها الاستراتيجيّة، فيصبح عاجزاً عن إحداث تغيير في اتّجاه القرار الأميركيّ، ثمّ يتبدّد مع تبدّل الظروف السياسيّة والعسكريّة.

تفاعل مركّب بين المستويات

تراهن إيران على أنّ القرار الأميركيّ، مع تماسكه المؤسّسيّ، لا يخلو من تباينات داخليّة في التقدير، غير أنّ ما يفوتها هو أنّ هذه التباينات تبقى ضمن حدود لا تسمح بإعادة تعريف الاستراتيجية العامّة تجاهها.

ترتبط السياسة الأميركيّة ببنية مؤسّسيّة واستراتيجية تتجاوز الإيقاع الانتخابيّ، بحيث تحافظ خطوطها العامّة على قدر كبير من الثبات مع تغيّر الخطاب وتبدّل السياقات الداخليّة. لا يؤدي التعدّد المؤسّسيّ في النظام الأميركيّ إلى إضعاف القرار، بل إلى إعادة تشكيل آليّة إنتاجه عبر توزيع الأدوار بين المؤسّسات، بما يضمن استمراريّة الاتّجاه الاستراتيجيّ العامّ.

تتحرّك واشنطن في الملفّ الإيرانيّ ضمن شبكة توازنات أوسع من البيئة الداخليّة، منفتحة على السياق الدوليّ

ضمن هذا الإطار، لا يُترجم الانقسام الداخليّ إلى تحوّلات جوهريّة في السياسة الخارجيّة، بل إلى إعادة تنظيم لأدوات التنفيذ وتوقيت الحركة، بما يجعل القرار نتاج تفاعل مركّب بين مستويات متعدّدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسيّة والأمنيّة والاستراتيجيّة.

لا يتحكّم في السلوك الأميركيّ “مضمون الانقسام” بقدر ما يتحكّم فيه “إيقاع القرار” داخل النظام نفسه. في المقابل، تتحرّك إيران داخل هذه البنية بوصفها نظاماً متعدّد المستويات يتيح هامشاً محدوداً لالتقاط لحظات التباين، غير أنّ هذه المساحة تبقى مقيّدة بإيقاع السياسة الأميركيّة لا ببنيتها، فيصبح أثرها ظرفيّاً ومؤقّتاً.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تُغرق الشّرعيّة الدّوليّة في أعالي البحار؟

توفّر التباينات داخل واشنطن هامشاً للحركة التكتيكيّة الإيرانيّة، لكنّها لن تمنح طهران فرصة رسم معالم اتّجاه جديد في السياسة الأميركيّة تجاهها، إذ تبقى هذه السياسة محكومة بسقف استراتيجيّ أوسع يُعاد إنتاجه باستمرار داخل مؤسّسات القرار الأميركيّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…