“عراقيّو إيران” يعتدون على العلاقة مع الكويت

مدة القراءة 6 د

بكثير من القلق تنظر الكويت إلى السلوك العراقيّ في الأسابيع الماضية: هجماتٌ عابرة للحدود من ميليشيات وفصائل مرتبطة بإيران بالتزامن مع اعتداءات إيران، واقتحام قنصليّتها في البصرة، والذهاب بالخطاب التحريضيّ إلى مستويات لامَسَت الخطوط الحمر.

 

منذ بداية الحرب في 28 شباط الماضي، تحرّكت الكويت داخليّاً عسكريّاً وخارجيّاً دبلوماسيّاً لمواجهة الاعتداءات الإيرانيّة، لكنّ الفارق الأساسيّ بينها وبين باقي دول مجلس التعاون الخليجيّ أنّها ربّما تكون الدولة الوحيدة التي كانت تواجه هجمات يوميّاً على مدى حوالي 6 أسابيع، ليس فقط من إيران وإنّما من العراق أيضاً.

بلغ الأمر ذروته مع هجوم متظاهرين متطرّفين موالين لإيران على قنصليّتها في البصرة على الرغم من عدم وجود أيّ سبب لذلك. تبيّن لاحقاً أنّ ما هيَّجَ الناس وأجّجَ مشاعرهم ما هو إلّا من فبركات الإيرانيّين وجزء من عمل الحسابات الوهميّة المُنتشرة في الفضاء الإلكترونيّ.

قرأ مراقبون في الموقف الكويتيّ صعوداً درجة إلى أعلى في سُلّم المواقف السياسيّة، وسط مؤشّرات إلى إمكانيّة اتّخاذ إجراءات دبلوماسيّة أكثر حزماً، بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي

هجوم البصرة

في تفاصيل ما جرى، سَرَت على مدى ساعات يوم الثلاثاء 7 نيسان الحالي معلومات مغلوطة عن قصف استهدف مبنى سكنيّاً في البصرة مصدره الكويت ونفّذته القوّات الأميركيّة، مع نشر صورة لطفل على أنّه جزء من عائلة قضت في القصف. نتيجة لذلك، تجمّع المئات أمام القنصليّة مردّدين هتافات معادية للكويت، ودعوات للثأر، وبقي المشهد يتأجّج مع عجز القوّات الأمنيّة عن التحرّك، وصولاً إلى اقتحام متظاهرين القنصليّة وتخريب محتوياتها.

بعد قليل من التيقّن، اتّضح أنّ الصورة هي لطفل مفقود منذ سنة، لا علاقة له بالحادثة، وأنّ القصف كان أميركيّاً ولم يكن مصدره الكويت، وأنّه استهدف مزرعة تضمّ قياديّين من فصيل مُرتبط بإيران ويقوم بتنفيذ عمليّات ضدّ القوّات الأميركيّة، وأنّ الهدف كان عسكريّاً وليس مدنيّاً، وفي كلّ الأحوال لا علاقة للكويت به.

3 تطوّرات

لم يكن هذا الحادث معزولاً، بل جاء في سياق 3 تطوّرات كبرى، قرأت فيها الكويت نفخاً للرماد بهدف تصعيد الجمر الكامن تحته، ومُغامرة قد تترك تداعيات كبيرة على علاقات البلدين، التي كان يُعمل بتؤدة على ترميمها طوال السنوات الماضية:

1- إيداع العراق قبل أيّام من الحرب قائمة إحداثيّات وخارطة لدى الأمم المتّحدة تتضمّن معطيات عن المجالات البحريّة العراقيّة، اعتبرتها الكويت مساساً بسيادتها على مناطقها البحريّة ومرتفعاتها المائيّة الثابتة والمستقرّة، وخاصّة أنّ بينها نقاطاً واقعة ضمن الحدود التي انتهى ترسيمها منذ سنوات طويلة وليست محلّ خلاف. الخطوة العراقيّة قابلتها الكويت باستدعاء القائم بأعمال السفارة العراقيّة في 22 شباط الماضي وتسليمه مذكّرة احتجاج، مع موقف كويتيّ وخليجيّ شديد اللهجة.

2- قيام فصائل وميليشيات تحمل مُسمّيات بعضها مستحدَث (على الطريقة الإيرانيّة المعروفة) مثل “أولياء الدم”، بتنفيذ هجمات بمُسيّرات على الكويت يوميّاً تقريباً، ومنذ اليوم الأوّل للحرب، طالت منشآت حيويّة.

3- اقتحام القنصليّة الكويتيّة في البصرة، وهو ما دفع الكويت إلى استدعاء القائم بالأعمال العراقيّ بتاريخ 8 نيسان الحاليّ. اللافت أنّ هذا الاستدعاء كان الثالث بعد استدعاءين في 4 و30 آذار الماضي، وهو العدد نفسه لاستدعاءات السفير الإيرانيّ (أيضاً 3 مرّات في 28 شباط و9 و25 آذار). يرتفع عدد استدعاءات ممثّل العراق إلى 4 خلال أقلّ من 7 أسابيع، مع إضافة الاستدعاء المرتبط بالحدود، وهو ما يشير إلى عمق الأزمة بين البلدين.

يرجّح أن يكون أيّ إجراء كويتيّ مزدوجاً غير محصور بالتعامل مع العراق، بعدما ثبت الارتباط الوثيق لإيران بالميليشيات العراقيّة التي تضمّ ضبّاطاً إيرانيّين وتتلقّى “أوامر عابرة للحدود” لاستهداف الكويت

عملاء الحرس الثوري

حتّى الأمس القريب، كانت الكويت ترتبط بعلاقات وثيقة مبنيّة على أساسات قويّة مع العراق، فهي من أكثر الدول التي مدّت يدها سياسيّاً وإنسانيّاً للحكومات المتعاقبة في بغداد، بهدف تخطّي جراح الماضي، وبناء قواعد صلبة للتعاون والمنفعة المتبادلة. لكنّ الأحداث التي سبقت الحرب وتخلّلتها وتلتها أثارت قلقاً شديداً لدى الكويت، وخاصّة أنّ كثيراً من المؤشّرات تؤكّد بدرجة شبه يقينيّة أنّ تخريب العلاقات بين الكويت وبغداد هو عمل إيرانيّ بتوقيع “الحرس الثوريّ”.

ما أثار المخاوف أكثر هو ما نقله مسؤولون عراقيّون للكويت من أنّ ما يجري من اعتداءات مُنطلقة من داخل أراضيهم هو أعمال مرتبطة بشكل وثيق باستراتيجية “الحرس الثوريّ” في التعامل مع الحرب، وأنّهم “عاجزون” عن فعل شيء حيالها، حتّى لدفع الضرر عن أنفسهم، في إشارة إلى الهجمات العشوائيّة التي استهدفت مواقع حيويّة في بغداد وغيرها.

لكنّ التبرير العراقيّ لم يلقَ آذاناً صاغية وتفهّماً هذه المرّة، إذ حمّل مجلس الوزراء الكويتيّ الحكومة العراقيّة “المسؤوليّة الكاملة والمباشرة عن هذا الاعتداء (على القنصلية)، وعن أيّ تقصير في اتّخاذ التدابير اللازمة لحماية البعثات الدبلوماسيّة والقنصليّة على أراضيها”، وطالبها بـ”اتّخاذ إجراءات فوريّة وحاسمة لمحاسبة جميع المتورّطين في هذه الأعمال الإجراميّة، وضمان عدم تكرارها”، مع التأكيد أنّ “الكويت ليست طرفاً في أيّ نزاع إقليميّ أو دوليّ، وأنّها لم ولن تسمح باستخدام أراضيها لشنّ هجوم على أيّ دولة، تماشياً مع سياستها الخارجيّة القائمة على الاعتدال والحياد الإيجابيّ والتزامها مبادئ وقواعد القانون الدوليّ ومبادئ حسن الجوار”.

إقرأ أيضاً: الرياض “تحجب” طهران عن مساعي وقف النّار بلبنان؟

تمثّل الأبرز في موقف مجلس الوزراء في التحذير من أنّ “استمرار مثل هذه الانتهاكات من شأنه أن ينعكس سلباً على العلاقات الثنائيّة بين البلدين، ويُقوّض أسس الثقة المتبادلة”.

قرأ مراقبون في الموقف الكويتيّ صعوداً درجة إلى أعلى في سُلّم المواقف السياسيّة، وسط مؤشّرات إلى إمكانيّة اتّخاذ إجراءات دبلوماسيّة أكثر حزماً، بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي التي قامت غالبيّتها باستدعاء السفير العراقيّ لديها للتعبير عن رفض الهجمات المُنطلقة من أراضي العراق، ربطاً بالحرب على إيران.

يُرجّح أن يكون أيّ إجراء كويتيّ مزدوجاً غير محصور بالتعامل مع العراق، بعدما ثبت الارتباط الوثيق لإيران بالميليشيات العراقيّة التي تضمّ ضبّاطاً إيرانيّين وتتلقّى “أوامر عابرة للحدود” لاستهداف الكويت، على حدّ وصف مسؤولين عراقيّين.

مواضيع ذات صلة

“عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

انطلقت الحرب على إيران في 28 شباط من هذا العام. بعد 15 أسبوعاً، في 12 من حزيران الجاري، أُعلن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين طهران…

إسرائيل تخطف “أرض الصومال” في عتمة الحرب

في خضمّ الانشغال بإيجاد مخارج للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة وإيجاد حلّ لأزمة مضيق هرمز، مرّ حدثٌ استراتيجيّ بالغ الأهميّة من دون أن يحظى بالقدر الكافي من…

“الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

على الرغم من دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، لا يزال “الحزب” متمسّكاً بلغته القديمة. تغيّر كلّ شيء في “الحزب”. لم يبقَ شيء من…

هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على…