مذكّرة تفاهم لبنانيّة – إسرائيليّة من دون “توقيع” لبنان!

مدة القراءة 6 د

هدنةٌ هشّة لصراع معلّق على مفاوضات ستُستأنف قريباً على خطَّي واشنطن – بيروت وواشنطن – تل أبيب. صحيح أنّ هدنة العشرة أيّام، وفق المعلومات، قابلة للتمديد، لكنّ كلّ ما سبقها وتلاها يُراكم مؤشّرات سلبيّة لا تصبّ في خانة قرب الدخول في وقف دائم لإطلاق النار.

 

تحاول السلطة في لبنان استغلال “فرصة” العشرة أيّام للتحضير للمفاوضات، وإثبات القدرة على السيطرة على الأرض، وإحراز تقدّم على مستوى الضغط لدفع الإسرائيليّ إلى بدء الانسحاب تدريجاً من المنطقة المحتلّة، لكنّ الموقف الإسرائيليّ – الأميركيّ يجعل المهمّة “مهمّة مستحيلة”، ومذكّرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل شاهدة على ذلك.

باغتت وزارة الخارجيّة الأميركيّة اللبنانيّين بمذكّرة تفاهم جاءت نتاج “المُحادثات المُثمرة في 14 نيسان بين حكومتَي الجمهوريّة اللبنانيّة وإسرائيل”، وفق بيان الخارجيّة.

لم تتحدّث أيّ جهة رسميّة لبنانيّة عن وجود هذه المُذكّرة أصلاً، وعن موافقتها عليها أو عمّن وقّع عليها، ولم يَصدر حتّى الآن أيّ بيان رئاسيّ يتبنّاها، ولم تُعرَف الجهة اللبنانيّة التي شاركت في صياغتها إذا كان هناك من مشاركة أصلاً.

حتّى أنّ خطاب رئيس الجمهورية جوزف عون إلى اللبنانيين لم يأت على ذكر هذا الاتفاق. لكنه ذهب أبعد من ذلك، بالإشارة إلى احتمال زيارته واشنطن قريباً، للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية مباشرة من الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي وصفه بـ”الصديق”، وذلك عندما قال: “أنا مستعد لتحمّل المسؤولية عن هذه الخيارات، ومستعد للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي”. كما تضمّن الخطاب جملة رسائل عالية السقف وجّهها إلى “الحزب” وإيران، مؤكداً الانتقال “من مرحلة وقف إطلاق النار إلى اتفاقات دائمة”، وحاملاً على “الموت العبثي المجاني والدوري بذرائع القضايا الخارجية، والشعارات المضلّلة التي تدمّر”.

تشير الخارجيّة الأميركيّة إلى أنّ لبنان وإسرائيل توصّلا من خلال المذكّرة إلى تفاهم “على تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق سلام دائم بين البلدين، والاعتراف الكامل بسيادة كلّ منهما، وإرساء أمن حقيقيّ على حدودهما المشتركة، مع احتفاظ إسرائيل بحقّها في اتّخاذ جميع التدابير الضروريّة دفاعاً عن النفس، في أيّ وقت، ضدّ هجمات مُخطّطة أو وشيكة أو جارية. ولا يجوز أن يعيق وقف الأعمال العدائيّة هذا الحقّ. بالمقابل، لن تقوم إسرائيل بأيّ عمليّات عسكريّة هجوميّة ضدّ أهداف لبنانيّة، بما في ذلك الأهداف المدنيّة والعسكريّة وأهداف الدولة الأخرى، في أراضي لبنان برّاً أو جوّاً أو بحراً”.

يقول مصدر مطّلع لـ”أساس” إنّ “هناك جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل

يُدرك الطرفان، وفق نصّ المذكّرة، “ضرورة الحدّ من أنشطة هذه الجماعات المُسلّحة غير الحكوميّة، بحيث تكون القوى الوحيدة المخوّلة حمل السلاح في لبنان هي القوّات المسلّحة اللبنانيّة، وقوى الأمن الداخليّ، والمديريّة العامّة للأمن العامّ، والمديريّة العامّة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانيّة، والشرطة البلديّة”، في استنساخ لما جاء في اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة عام 2024، لناحية ذكر الجهات التي يحقّ لها حمل السلاح في لبنان.

جلسة وزاريّة

المذكّرة المؤلّفة من ستّة بنود، والتي تربط أيّ تمديد للهدنة بما “إذا تمّ إحراز تقدّم في المفاوضات، وكلّما أظهر لبنان بشكل فعّال قدرته على ممارسة سيادته”، تؤكّد أنّ “حكومة لبنان ستتّخذ خطوات ملموسة وفعّالة لمنع “الحزب” وكلّ الجماعات المسلّحة “المارقة الأخرى” من تنفيذ أيّ هجمات، أو عمليّات، أو أنشطة عدائيّة ضدّ أهداف إسرائيليّة”.

لبنان

يقول مصدر مطّلع لـ”أساس” إنّ “هناك جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل، وطبقها الأساس إذا حصل توافق سياسيّ هو تعيين مدّعي عامّ تمييز جديد يخلف القاضي جمال الحجّار الذي يُحال إلى التقاعد في 25 نيسان الجاري. لكنّ وقف إطلاق النار سيكون بنداً أساسيّاً على جدول الأعمال لجهة اتّخاذ موقف حيال مسألة السلاح، والتزام “الحزب” الهدنة، وتحديد دور الجيش خلال هذه الهدنة، وما بعدها”، مع تسريبات عن إثارة وزراء الثنائيّ الشيعيّ للمذكّرة التي تُسقِط الانسحاب الإسرائيليّ من بنودها.

لا انسحاب

لم تشِر المُذكّرة إطلاقاً إلى انسحاب إسرائيل من المواقع التي احتلّتها أو تسليم الأسرى أو إعادة الإعمار أو عودة الجنوبيّين إلى قراهم، بل اكتفت بالإشارة إلى “طلب لبنان وإسرائيل من الولايات المتّحدة تسهيل المزيد من المفاوضات المباشرة بهدف حلّ كلّ القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرّيّة الدوليّة، سعياً نحو إبرام اتّفاق شامل يكفل دوام الأمن والاستقرار والسلام بين البلدين”.

تحاول السلطة في لبنان استغلال “فرصة” العشرة أيّام للتحضير للمفاوضات، وإثبات القدرة على السيطرة على الأرض

هكذا ألقت المذكّرة، التي غُيّب عنها لبنان في الشكل والمضمون، بعكس اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الذي أُعلن من لبنان وإسرائيل في الوقت نفسه، وتضمّن معادلة الخطوة مقابل خطوة، عبئاً ثقيلاً دفعة واحدة على الجانب اللبنانيّ المطلوب منه تقديم خطوات ملموسة فوريّة في مسألة نزع السلاح، وخلال عشرة أيّام، مقابل حرّيّة تحرّك مطلقة لإسرائيل باستثناء، حتّى كتابة هذه السطور، ضرب أهداف مدنيّة وعسكريّة.

التقطت “القوّات اللبنانيّة” أمس نصّ المذكّرة وطالبت بالاستفادة من “الفرصة التاريخيّة”، وقال أحد مسؤوليها الإعلاميّين إنّ “أمام الدولة عشرة أيّام فقط لتنفيذ قراراتها القاضية بسحب السلاح، وإذا فشلت فستعود الحرب مجدّداً”.

سقوط الهدنة

بمطلق الأحوال، سقطت الهدنة في دقائقها الأولى بفعل الخروقات الإسرائيليّة المتعدّدة لها. تشير المعطيات إلى تركيز لبنان خلال الهدنة على انتشال ما بقي من جثث الشهداء تحت الركام، فتح طرقات، تركيز الجيش جهده على منع المواطنين من التوجّه إلى جنوب الليطاني بوصفه منطقة خطرة وتحت النيران الإسرائيليّة، وإبقاء الاتّصالات مفتوحة، في كلّ الاتّجاهات، للعمل على تمديد وقف إطلاق النار، تمهيداً لبدء المفاوضات والضغط على “الحزب” للتعاون مع الدولة”.

في هذا السياق، علِم “أساس” أنّ قناة التواصل الأساسيّة كانت على خطّ بعبدا-عين التينة، لا سيّما مع الموقف الثابت لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي برفض التفاوض المباشر، فيما لم يصدر أيّ موقف حتّى الآن عن رئيس الجمهوريّة أو الحكومة في شأن اتّخاذ مزيد من الخطوات العملانيّة لسحب السلاح. بالمقابل، ركّز برّي في مواقفه المُعلنة على “الوحدة الوطنيّة والسلم الأهليّ بوصفهما خطّاً أحمر لن أسمح بتجاوزه”.

إقرأ أيضاً: هدنة حقيقية … أم دخول لبنان في مسار لا خروج منه؟

ركّز الجانب الإسرائيليّ جهده أمس على إنجاز فصل تامّ للقرى الحدوديّة المحتلّة عن القطاع غير المحتلّ عسكريّاً، والتفرّغ لنسف وتفجير المنازل داخل هذا الشريط.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…

ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

لا يبدو أنّ الانفتاح الاقتصادي على سوريا يسير من باب واحد. في دمشق، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات: أولاً، مسار سوري يبحث عن إعادة تشغيل الاقتصاد،…

أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

  لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة…

إتفاق نزع سلاح “الحزب” أولاً… ثم وقف النار؟

وصف رئيس الجمهورية جوزف عون إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبناني والإسرائيلي، فجر الخميس، في الجولة الرابعة من المفاوضات التي تستضيفها…